عقوبة «يويفا» تضر بسمعة كرة القدم الإنجليزية... واتحادها في موقف حرج

الفشل في معالجة المشكلة التي حدثت في نهائي كأس الأمم الأوروبية 2020 يدعو للقلق

رجال الأمن في صدام مع المشجعين الذين اقتحموا استاد ويمبلي في نهائي كأس أوروبا (أ.ب)
رجال الأمن في صدام مع المشجعين الذين اقتحموا استاد ويمبلي في نهائي كأس أوروبا (أ.ب)
TT

عقوبة «يويفا» تضر بسمعة كرة القدم الإنجليزية... واتحادها في موقف حرج

رجال الأمن في صدام مع المشجعين الذين اقتحموا استاد ويمبلي في نهائي كأس أوروبا (أ.ب)
رجال الأمن في صدام مع المشجعين الذين اقتحموا استاد ويمبلي في نهائي كأس أوروبا (أ.ب)

نجحت كرة القدم الإنجليزية، منذ بضع سنوات وحتى الآن، في السيطرة على ملاعبها. وعندما يتعلق الأمر بالمشاكل، وخاصة فيما يتعلق بالعنصرية، فإن الأخطاء التي ترتكب في حق البلد تكون أكثر من الأخطاء التي يرتكبها البلد نفسه.
وشهدت مباراة إنجلترا مع إيطاليا في نهائي يورو 2020 يوم 11 يوليو (تموز) الماضي، أحداثا مؤسفة قبل وخلال وبعد المباراة. واقتحم بعض المشجعين الذين لا يحملون تذاكر، في مشهد غير مألوف بالملاعب الإنجليزية. وبدأ يويفا إجراءات انضباطية بحق الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في الثالث من أغسطس (آب) الماضي قبل أن يعلن عن فحوى العقوبة قبل أيام بمعاقبة إنجلترا بخوض مباراتين على ملعبها دون جمهور، واحدة منها مع وقف التنفيذ لمدة عامين، وهو ما يعني أن المنتخب الإنجليزي سيلعب المباراة المقبلة في دوري الأمم الأوروبية دون مشجعين.
وسيضطر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أيضًا إلى دفع غرامة قدرها 100 ألف يورو (84.500 جنيه إسترليني)، إلى جانب خسارة كل الإيرادات التي كان من الممكن أن يحصل عليها من الحضور الجماهيري لهذه المباراة. وفي ظل هذه الأوقات العصيبة بسبب تفشي فيروس كورونا، فإن النتائج والتداعيات قد تكون أكثر صعوبة.
وقال متحدث باسم الاتحاد الإنجليزي: «على الرغم من أننا نشعر بخيبة أمل من الحكم، فإننا نعترف بنتيجة قرار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم هذا».
وأضاف: «ندين السلوك الرهيب للأفراد الذين تسببوا في المشاهد المخزية داخل وحول ملعب ويمبلي في نهائي يورو 2020 ونأسف بشدة لأن بعضهم تمكن من دخول الملعب».
إن العقوبة التي فرضها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لا تجيب عن أي من التساؤلات التي طُرحت بشأن الأحداث التي شهدها ملعب ويمبلي. أولاً وقبل كل شيء، تتعلق هذه الأسئلة بحالة العمل الشرطي خارج الملعب في ذلك اليوم، سواء قبل أو أثناء أو بعد المباراة. كما أن الخطة الأمنية - التي تم ترتيبها بالتعاون بين الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وشرطة العاصمة، والتي وقع عليها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم - أدت إلى دخول كثير من المشجعين إلى الملعب دون تذكرة.
ويمكن أن تمتد هذه الأسئلة لتشمل مباريات أخرى أقيمت على ملعب ويمبلي خلال بطولة كأس الأمم الأوروبية، ولا سيما مباراة الدور نصف النهائي ضد الدنمارك، والحكايات البغيضة التي يتم سردها عما حدث هناك. وقد يقدم التحقيق الذي تجريه البارونة كيسي بشأن ما حدث في الحادي عشر من يوليو (تموز)، والمتوقع ظهور نتائجه قبل نهاية العام، بعض الإجابات عن هذه التساؤلات. ثم مرة أخرى، وبالنظر إلى الصمت الغريب من جانب الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وشرطة العاصمة في أعقاب وقوع هذه الأحداث، ربما لن يجيب هذا التحقيق هو الآخر عن هذه التساؤلات!
ويتعلق أحد الأسئلة المهمة بسمعة إنجلترا التي تضررت كثيرا بسبب ما حدث. فما الذي فعلته تلك المشاهد الرهيبة باسم وسمعة كرة القدم الإنجليزية، التي تم تحسينها على مدى سنوات بشق الأنفس، وبسمعة الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بصفته المسؤول عن إدارة الأحداث الرياضية التي يشهدها ملعب من الطراز العالمي، وبسمعة لندن كوجهة ترفيهية عالمية؟ إن الازدحام الذي تشهده شوارع العاصمة البريطانية يعد مؤشرا على أن لندن لا تزال مكانًا يرغب الناس في القدوم إليه، كمدينة مفتوحة يمكن للشخص قضاء وقت ممتع بها، لكن ما يتعلق بكرة القدم أمر مثير للخشية.
أما بالنسبة للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، فالأمر أكثر إيلامًا بعض الشيء، لأن ما حدث يعد ضربة أخرى للاتحاد الذي تلقى العديد من الضربات المؤلمة في الفترة الأخيرة. لقد خسر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم رئيسه العام الماضي بعد أن أدلى بسلسلة من التصريحات المشحونة بالعنصرية. كما رحل العشرات من الموظفين الآخرين، في محاولة لتوفير 250 مليون جنيه إسترليني بسبب الأزمة الاقتصادية التي نتجت عن تفشي فيروس كورونا. ويحدث كل هذا بينما كان الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم يقوم بعمل جيد وقيِّم يتمثل في «قانون تنوع القيادات» بقيادة بول إليوت، وبينما كانت إيدلين جون تحرز تقدما فيما يتعلق بمواجهة إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظل النجاح الذي يحققه المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت.
إن ما حدث في 11 يوليو سيضر الجميع في الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم. إنهم يعلمون أن ذلك قد أثار الشكوك حول المصداقية والكفاءة التي كان الاتحاد يعمل على ترسيخها في الماضي. لقد تم الإعلان عن تلك العقوبة في اليوم السابق لعقد اللجنة الرقمية والثقافية والإعلامية والرياضية بالبرلمان جلسة للتحقيق في «جدوى وتمويل» عرض المملكة المتحدة وآيرلندا لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030، وهو الأمر الذي كان ملائما للغاية.
لقد كانت آخر مرة تم فيها توجيه اللوم إلى إنجلترا من قبل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في مطلع الألفية الجديدة، عندما تم التهديد بفرض عقوبة عليها باللعب دون جماهير بعد أن اقتحم المشجعون أرض الملعب خلال مباراة إنجلترا ضد تركيا ووجهوا إساءات عنصرية إلى اللاعبين والمشجعين الزائرين.
لقد أثار الحادث الذي وقع في «ملعب النور» مخاوف من إعادة المشاغبين الإنجليز إلى الواجهة مرة أخرى. العقوبة الأخيرة المفروضة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تعامل إنجلترا مثل أي دولة أخرى ترتكب انتهاكات أو أخطاء، وليس استثناء، بل كان الأمر أكثر تساهلاً مما حدث مع المجر بسبب السلوك العنصري المتكرر للجماهير خلال بطولة كأس الأمم الأوروبية.
ربما كان السبب في ذلك أن أحداث 11 يوليو كانت مخيفة ومؤسفة لكنها لم تكن عنيفة. لقد بدا الأمر وكأنه تصرف طائش من قبل مجموعة من الشباب الذين أرادوا خوض التجربة ولم يهتموا بما حدث خلال هذه العملية. إن العقوبة المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تُظهر أن إنجلترا لا تزال تواجه مشكلة، لكن ربما تغيرت طبيعة هذه المشكلة!


مقالات ذات صلة

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

رياضة عالمية جود بيلينغهام لاعب المنتخب الإنجليزي (أ.ف.ب)

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

كشف جود بيلينغهام، لاعب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، إن الأمور لم تكن على ما يرام في معسكر الفريق ببطولة أمم أوروبا «يورو 2024».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إطلاق نار قرب مقر منتخب إنجلترا (أ.ف.ب)

إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب إنجلترا يثير القلق قبل انطلاق المونديال

شهدت المنطقة المحيطة بمقر إقامة وتدريبات «الأسود الثلاثة» حادث إطلاق نار جماعي أثار حالة من القلق والترقب بين الجماهير ووسائل الإعلام.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية المخضرم هاري كين يسعى لقيادة إنجلترا للقب المونديال (رويترز)

تألق كين يعزز أحلامه بالتتويج بكأس العالم مع إنجلترا

يشعر النجم المخضرم هاري كين بأنه في أفضل حالاته، حيث يعدّ قائد منتخب إنجلترا، صاحب الأهداف الغزيرة، الأيام المتبقية حتى انطلاق بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تامبا)
رياضة عالمية توماس توخيل مدرب منتخب إنجلترا (د.ب.أ)

توخيل: الظروف الصعبة ليست «عذراً»

قال المدرب توماس توخيل إنَّ منتخب إنجلترا، لن يتَّخذ من الحرارة الشديدة والمسافات الطويلة بين المدن المستضيفة ذريعةً، في سعيه إلى خوض «بطولة طويلة».

«الشرق الأوسط» (ويست بالم بيتش (الولايات المتحدة))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.