ساؤول: انتقلت إلى تشيلسي لإعادة تقديم نفسي من جديد

اللاعب الإسباني أكد أنه يسعى لتقديم مستويات أفضل ونسيان فترة الركود مع أتلتيكو مدريد

TT

ساؤول: انتقلت إلى تشيلسي لإعادة تقديم نفسي من جديد

لم يكن نجم خط الوسط الإسباني ساؤول نيغير سعيدا بما يقدمه مع أتلتيكو مدريد في الفترات الأخيرة، لذلك بحث عن خوض تجربة جديدة. وبعد مرور عشر سنوات على ظهوره لأول مرة بقميص أتلتيكو مدريد، وبعد أن لعب 340 مباراة وسجل 43 هدفاً وصنع 20 هدفا، لا يزال اللاعب الإسباني في السادسة والعشرين من عمره، ولا يزال يؤمن بأنه يمكنه اللعب بشكل مختلف في خط الوسط، وبالتالي انتقل إلى تشيلسي لخوض تجربة جديدة وإثبات أنه ما زال يمكنه تقديم الأفضل.
وقال المدير الفني لأتلتيكو مدريد، دييغو سيميوني: «لقد لعب ساؤول معنا في ألف مركز مختلف». من المؤكد أن هناك قدرا كبيرا من المبالغة في هذا التصريح، لكن من المؤكد أيضاً أنه يعكس حقيقة أن المركز الذي يجب أن يلعب به ساؤول قد تحول إلى سؤال وجودي تقريباً، وأن هذا الأمر هو الذي أدى في نهاية المطاف إلى انتقال اللاعب الإسباني إلى «البلوز». لقد انتهت هذه الصفقة بسرعة هائلة، لكن كان من الواضح والحتمي أن هذه الخطوة آتية لا محالة منذ وقت طويل.
لقد أصيبت المسيرة الكروية لساؤول بشكل من أشكال الركود، لدرجة أن ساؤول نفسه قال في تصريحات مع موقع «إباي ليانوس» الإسباني فور انتهاء صفقة انتقاله إلى تشيلسي: «لقد شعرت بالإحباط أنا أيضاً مما كنت أقدمه خلال العامين الماضيين». وقد شارك ساؤول في أول مباراة له مع تشيلسي على ملعب «ستامفورد بريدج» أمام أستون فيلا في المرحلة الرابعة من الدوري الإنجليزي، وهي المباراة التي انتهت بفوز البلوز بثلاثية نظيفة. ومن المؤكد أن هذه التجربة ستكون بمثابة فرصة رائعة للاعب الإسباني لإحياء مسيرته الكروية من جديد. وقاد ساؤول أتلتيكو مدريد للفوز بلقب الدوري الإسباني الممتاز الموسم الماضي، ولعب أكثر من 30 مباراة في الدوري للموسم السادس على التوالي، لكنه قال إنه لا يعتقد أنه يمكن أن «يتحمل موسماً آخر بهذا الشكل».
وكان ساؤول قد تلقى أول عرض للعب في الدوري الإنجليزي الممتاز من نادي فولهام عندما كان لا يزال في الخامسة عشرة من عمره. لكنه استمر مع أتلتيكو مدريد وشارك في أول مباراة مع النادي الإسباني وهو يبلغ من العمر 17 عاماً و108 أيام. وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، انتقل على سبيل الإعارة إلى رايو فايكانو، وكان مانشستر يونايتد يتابعه عن كثب. وكان ساؤول يبلغ من العمر 20 عاماً عندما سجل هدفا رائعا في المباراة التي فاز فيها أتلتيكو مدريد على ريال مدريد برباعية نظيفة، وكان في الحادية والعشرين من عمره عندما سجل هدفا حاسما في مرمى بايرن ميونيخ وقاد أتلتيكو مدريد للوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2016. وانضم في ذلك الصيف للقائمة الأولية لمنتخب إسبانيا للمشاركة في نهائيات كأس الأمم الأوروبية.
بحلول ذلك الوقت، كان ساؤول يعتمد على قسطرة داخلية، وكان يتبول دما بعد كل مباراة ويشعر بآلام كبيرة لدرجة أنه طلب من الأطباء أن يستأصلوا كليته إذا كان هذا هو الحل الأخير لآلامه وحتى يتمكن من مواصلة اللعب. وقال ساؤول عن ذلك: «كنت ألعب بشكل جيد للغاية في ظل وجود القسطرة». وعندما بلغ الثانية والعشرين من عمره، وقع عقداً مدته تسع سنوات مع أتلتيكو مدريد، لكن راتبه الضخم قلل من خياراته في الانتقال إلى أي ناد آخر بعد ذلك، كما كان سببا منطقيا في تفكير أتلتيكو مدريد في التخلي عن خدماته.
انضم إلى قائمة المنتخب الإسباني في نهائيات كأس العالم وهو في الثالثة والعشرين من عمره، لكنه لم يلعب أي مباراة. وتألق بشكل لافت للأنظار في أول مباراة له تحت قيادة المدير الفني لمنتخب إسبانيا لويس إنريكي بعد كأس العالم 2018 بروسيا، وكان يبدو وكأنه سيقود خط وسط المنتخب الإسباني لجيل كامل بعدما قاد منتخب بلاده لسحق منتخب كرواتيا بسداسية نظيفة. كان ساؤول معجبا للغاية بطريقة لعب برشلونة، لكن أكثر ما كان يميزه هو حركته الدؤوبة داخل الملعب ونجاحه في أن يجمع بين المهارة الكبيرة والقوة البدنية الهائلة.
وعندما سئل لويس إنريكي عما إذا كان ساؤول يذكره بنفسه، رد قائلا: «لا، وعلى أي حال سيتطور مستواه بشكل ملحوظ. إنه قادر على قراءة المباريات بشكل رائع، كما يجيد ألعاب الهواء، ويتحلى بذكاء شديد. إنه لاعب متكامل». قال سيميوني: «ساؤول لاعب رائع، ويمكنه القيام بأي شيء تطلبه منه». لكن المشكلة كانت تتمثل دائما في أنه لم يكن أبدا ما يريد أن يكون، بل كان دائما ضحية لقدرته على القيام بأدوار متعددة واللعب في أكثر من مركز. ويتميز ساؤول بأنه شخص طموح وصريح بشكل غير عادي، ومباشر بشكل مذهل، ولديه استعداد للاعتراف بكل سهولة بأنه يشعر بالملل إذا لم يكن يفعل الشيء الذي يحبه. لقد كانت لديه رغبة شديدة في الوصول إلى الكمال، وكان يريد أن يكون في قلب كل شيء.
وقال سيميوني عنه: «لديه كل الصفات والمقومات التي تجعله أحد أفضل لاعبي خط الوسط في العالم. يمكنه لعب العديد من الأدوار في الفريق، رغم أنه يشعر بسعادة أكبر عندما يلعب في خط الوسط. إنه يفكر بشكل رائع في النواحي التكتيكية، ويمتلك مهارات رائعة، ويقوم بأدواره الدفاعية على النحو الأمثل، ويستخلص الكرات بشكل مذهل، وبالتالي فهو لاعب مهم للغاية لأي فريق». لكن ساؤول كان يرى أن تلك القدرات الاستثنائية جعلته ضحية لتغيير مركزه باستمرار، فهو يمتلك القوة والالتزام والانضباط بالشكل الذي يؤهله للعب كقلب دفاع أو كظهير أو كجناح أو كلاعب خط وسط ناحية اليمين أو ناحية اليسار، لكنه كان دائما يرغب في أن يلعب كلاعب خط وسط مهاجم بحيث يمكنه الانطلاق من عمق الملعب.
وقال ساؤول في تصريحات لصحيفة «الغارديان» في فبراير (شباط) 2020: «تأتي مصلحة الفريق في المقام الأول وقبل أي شيء، حتى لو لم أكن أقدم نفس المستويات التي كنت أقدمها قبل عامين. لقد تخليت عن بعض الأشياء التي كنت أقوم بها في الملعب، ولا أعتقد أن ذلك أمر جيد لأن ذلك يجعلني أتوقف عن الاستمتاع باللعب.
أود التركيز على اللعب في مركز واحد والتعلم كثيرا وتطوير قدراتي في هذا المركز. سيميوني هو الوحيد الذي يقدر العمل الذي أقوم به. إنه يعلم أنني أعاني بسبب اللعب في مراكز ليست مثالية بالنسبة لي، لكنه يقدر ما أفعله ولا يمكنني أن أقول لا».
وبحلول نهاية إجراءات الإغلاق، بدا أن ساؤول قد وجد مكانه مرة أخرى، حيث قال في تصريحات صحافية: «يمكنني مساعدة الفريق بشكل أكبر عندما ألعب في خط الوسط، وأعتقد أن المدير الفني يشعر بنفس الأمر». لكن بعد ذلك تغيرت الخيارات في أتلتيكو مدريد، حيث شق توماس ليمار طريقه أخيرا للمشاركة في التشكيلة الأساسية، وظهر ماركوس يورينتي كلاعب خط وسط محوري لا يتوقف عن الحركة، وتمت إعادة تأهيل يانيك كاراسكو، كما تألق كوكي في خط الوسط، وبالتالي تقلصت خيارات ساؤول ولم يعد ذلك اللاعب الذي لا يمكن للفريق اللعب بدونه. وقد أثبتت النتائج ذلك، حيث توج أتلتيكو مدريد بلقب الدوري الإسباني الممتاز.
لقد لعب ساؤول الكثير من المباريات (33 مباراة في الدوري، من بينها 22 مباراة كأساسي) وفي المراكز التي يفضلها، حيث أظهرت الإحصائيات أنه لعب 17 في المائة فقط من الدقائق التي لعبها ناحية اليسار خلال المواسم الثلاثة الماضية - لكنه فقد مكانه في الفريق مرة أخرى. ولم يلعب مع منتخب إسبانيا منذ عام 2019. وقال ساؤول في يناير (كانون الثاني) الماضي: «أنا لست على ما يرام من الناحية الذهنية. الفريق بحاجة إلى شيء آخر غير ساؤول نيغير بهذه الحالة».
وبالتالي، قرر ساؤول الرحيل إلى تشيلسي وخوض تجربة جديدة. وعندما تحدث إلى توماس توخيل، أخبره المدير الفني الألماني بأنه يرى أن أفضل مركز له هو خط الوسط. وفي أول مقابلة له مع قناة تشيلسي، وصف ساؤول نفسه بأنه «لاعب خط وسط يلعب من منطقة جزاء فريقه حتى منطقة جزاء الفريق المنافس». وخلال الموسم الماضي، طلب ساؤول من سيميوني على الأقل أن يسمح له بالتدريب كلاعب خط وسط - وهو الطلب الذي كان يصعب الموافقة عليه بسبب الطريقة التي يلعب بها أتلتيكو مدريد.
وعلاوة على ذلك، فإن تعاقد أتلتيكو مدريد مع رودريغو دي بول قد قلل كثيرا من الخيارات المتاحة أمام ساؤول. من المؤكد أن ساؤول كان سيلعب مع أتلتيكو مدريد لو استمر مع الفريق، لكن أين كان سيلعب؟ لقد شعر بأن الوقت يضيع من بين يديه، وكان يدرك جيداً أنه لا يتقدم للأمام. وقال اللاعب الإسباني: «كنت بحاجة إلى مراجعة نفسي، وظهر تشيلسي في الصورة. لقد أصبت بالإحباط بسبب المستويات التي كنت أقدمها في السنوات القليلة الماضية».
واختتم حديثه قائلا: «لم أتمكن من إظهار القدرات التي أمتلكها بالفعل، وأصبت بالإحباط لأنني لم أكن قادرا على التعلم أو التحسن أو التطور. لقد قررت الانتقال وخوض تجربة جديدة حتى أتحرر من كل هذا وأظهر بشكل مختلف».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.