هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

«دفاتر الورّاق» لجلال برجس الفائزة بـ«بوكر العربية» نموذجاً

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟
TT

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

لم يعد غريباً أن تجد روائياً له من الروايات والقصص بضعٌ لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك نال عن كل واحدة منها جائزة من الجوائز المعروفة وغير المعروفة في مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة أعوام، وهو عمر يعد قصيراً بمقاييس الزمن الإبداعية.
وصار أمر توشيح الأغلفة الخلفية للروايات بهذه القوائم الجوائزية، يدفع الناقد - المقتنع بأن للجوائز تقييماتها كما لها مبتغياتها - إلى طرح أكثر من سؤال مثل، ما دوافع كتابة الرواية اليوم؟ وهل يصح أن تكون الغاية المبتغاة من وراء كتابة الرواية هي التباهي بالترشح للمسابقات والعمل بجد وبحسب شروطها من أجل الفوز فيها؟ أين الاهتمام بهمِّ الإنسان في الوجود الذي على الروائي تحمّله وهو يسير حافياً على أرض محروقة متلظياً بجمرها؟
لا يحق لنا أن نجرّد الكاتب من الإمكانات الفنية والقدرات السردية الهائلة التي تمكِّنه من نيل جائزة كل عام على كل عمل يكتبه، ولكن يحق لنا أن نفترض إدراك الكاتب مبتغيات الجوائز ومعرفة طرق اصطيادها، وهي طرق تحفز بالبحث عنها مغريات مادية ومعنوية تغدقها تلك الجوائز على الفائز.
وقد تتبادر أسئلة أخرى للناقد وهو بصدد روايات فاز كتّابها بجوائز كثيرة، ومنها رواية «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال برجس الذي بدأ مشواره الأدبي شاعراً بمجموعته «كأي غصن على شجر» عام 2008، ثم ترك الشعر واتجه نحو الرواية فكان أول عمل سردي له هو مجموعة قصص «الزلزال» التي فازت بجائزة عام 2012، وتلتها أول رواية «مقصلة الحالم» وفازت بجائزة عام 2014، والرواية الثانية «أفاعي النار» وفازت بجائزة عام 2015، والثالثة «سيدات الحواس الخمس»، ووصلت عام 2019 إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية ثم جاءت روايته «دفاتر الورّاق» 2020 لتفوز بهذه الجائزة عام 2021.
ومثل هذا المشوار الفتي إبداعياً والغزير جوائزياً، إن جاز التعبير، - قد يثير بعض الظنون التي يقطعها اليقين الذي هو التحليل النقدي المستند إلى النظر الموضوعي والمتوخي الدقة المنهجية.
وبدءاً، يدلنا تعدد الساردين الذاتيين في رواية «دفاتر الورّاق» على أنها رواية أحادية الصوت وليست رواية متعددة الأصوات؛ لأن الحدث السردي لا يتكرر من وجهات نظر مختلفة إنما كل شخصية من الشخصيات الثلاث تسرد أحداث قصتها الخاصة بها وبمعزل عن غيرها ولها دفاترها المذكراتية التي تنشغل بقراءتها.
ويؤدي إبراهيم الورّاق دور البطولة نظراً للمساحة التي أعطيت له داخل العمل والتي فيها تنشطر شخصيته إلى شطرين، أحدهما ذاته والآخر صوت مجهول ظل يرافقه مثل القرين «جاءني الصوت مفاجئاً - انفجر الصوت المجهول - جاء الصوت فيه كثير من الغضب ونبرة من البكاء يؤنبني على فعلتي»، وتأتي بعده شخصية ليلى اللقيطة التي تركت ملجأ الأيتام القاسي لتواجه مجتمعاً أكثر قسوة، والطبيب النفسي يوسف السماك، والموظف عماد الأحمر، والصحافية التي بدا وجودها مفبركاً واقتصر دورها على قراءة دفتر فيه سُردت قصة جاد الله والد إبراهيم، الإنسان النزيه الذي تجلت أصالته في نزاهته.
وكان ينبغي أن يكون لاسترجاع قصة حياة الأب ومماته تأثير في ولده، ولكن هذا لم يحصل... إلى جانب شخصيات أُخر أقل حضوراً؛ منها شخصية ناردا أو السيدة نون التي ظهرت في الربع الأخير من الرواية وهي تعترف.
وتلعب ثيمة القرين دوراً مهماً يضفي حيوية على شخصية إبراهيم ويجعله يخوض مغامرات ويدخل في جملة تضادات حياتية تتجه بالأحداث السردية إلى التصاعد والاحتباك وعلى وفق مسار واقعي مفنتز، يصور الواقع تصويراً يكشف عن مظاهره الفوقية ويخفق في غوصه إلى مخبوءاته الباطنية.
وما يميز الفنتازيا أنها تفسح لنظرية التحليل النفسي مجالاً داخلها، وهو ما لا تستطيعه أنماط أخرى من الواقعية كالنقدية والموضوعية والاشتراكية؛ نظراً لاهتمامها بمجملها بالتفاصيل اهتماماً فوتوغرافياً صرفاً أو لعنايتها بجوانب اجتماعية ومسائل إنسانية عامة.
والقرين واحد من مفاهيم نظرية التحليل النفسي الفرويدية، ووُظف في التحليل النقدي بوصفه «حصيلة التماثل الإسقاطي ينسلخ شخص عن ذاته وينسب إلى شخص آخر تلك الخصائص التي يُنكر أنها موجودة عنده، لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعورياً بالخصائص المسقطة على أنها (خصائصه فإنه بذلك يماثل نفسه مع الآخر)» (أدب الفنتازيا، ت. ي. ابتر، ص94). وأول من وظّف القرين في السرد هو الأميركي هوفمان في روايته «إكسير الشيطان» 1816، واستعمله دستويفيسكي في روايته «القرين» 1846، واستعمله ستيفنسون في قصته «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» 1886.
والطريقة التي بها وظف جلال برجس القرين كانت عبارة عن صوت مجهول، تتغير مواقفه وهو يرافق إبراهيم كالظل، فلا أحد يسمعه سواه، شاطراً ذاته الساردة إلى شطرين حسن وسيئ. فيكون الصوت في الفصول الخمسة من الرواية بمثابة الضمير الذي يحض السارد على الفضيلة والمذِّكر بالخير «جاءني الصوت من جديد يبدد لذة تمنيت لو طالت أكثر: ـ لا يغرنك ما أنت فيه. أنت تعيش حالة مؤقتة ستعود بعدها إلى بؤسك وضعفك» (الرواية، ص89). لكنه يغدو في الفصلين التاليين السادس والسابع مغوياً يحرِّض على الشر ويدفع نحو الجريمة حتى لا مجال للبطل في كتم رغباته غير المقبولة وإنقاذ سمعته ليكون الانسحاق هو حصيلة نبذ الآخرين له وقد تحول إلى لص محترف وكأنه لم يقرأ الروايات والقصص العالمية ولا اطلع على كتب الفلسفة فتثقف عقله خلال مدة عمله وراّقاً في كشك بيع الكتب... علماً بأن مَن يبيع الكتب لا يُسمى وراّقاً، بل هو«كُتبيّ».
وإذا كانت ثيمة القرين تجمع بين البعدين: الواقعي في صورته الفنتازية والتحليل النفسي في صورته العلمية، فإن التحدي الذي واجه الكاتب هو كيف يجعل السارد، المنشطرة ذاته، محوراً أساساً في تعقيد التحبيك السردي وصولاً به نحو الانفراج؟!
لا خلاف أن التوازن هو الطريق الأنجع في الجمع بين شطري السارد فلا يكون الاهتمام بالمرض النفسي على حساب التصوير الفنتازي كما لا اهتمام بالبعد الفنتازي على حساب التحليل النفسي. لتكون جدلية علاقة الجسد في بعده المادي الشهواني بالروح في بعدها الأخلاقي السامي واضحة، وعندها سيتمكن السارد من امتلاك الإرادة في مواجهة الإحباط ونقد الواقع والنقمة عليه.
وهو ما حاول الكاتب تحقيقه من خلال مسألتين: الأولى كانت في صالح العمل الروائي، وذلك حين جعل إبراهيم يعي أنه واقع تحت مطرقة الحقيقة وسندان الواقع وقد طالته يد العولمة باستهلاكيتها فأزيل كشكه بأمر البلدية وحل محله متجر عصري سيتبين فيما بعد أنه يبيع المخدرات ليصير عاطلاً عن العمل «ككل العاطلين عن العمل وعن الحياة مثلي» (الرواية، ص26). وهنا تأخذ تصوراته الفنتازية للعالم بالتشكل، مدللة في إشارة استشرافية على المآل القادم الذي ينتظر الإنسان وهو في خضم هذا الانجراف نحو الاستهلاكية العولمية.
ومما يحسب للرواية المشاهد والأوصاف الواقعية والحوارات المباشرة والمونولوجية المعبرة عن رؤية العالم وكيف أن الاستهلاك جعل الأخلاق تنحدر انحداراً خطيراً يهدد المجتمع وقيمه المثالية «عد بذاكرتك أيها الوراق إلى عدالة أرسطو التي رأى أنها علاقة الأفراد بالمؤسسات وإلى الفضيلة التي رآها علاقة الأفراد ببعضهم ستكتشف أن لا عدالة ولا فضيلة» (الرواية، ص29). وكان يمكن لهذه الرؤية أن تتصاعد وتصل بالرواية إلى تحصيل فلسفي. وكثير من الفلاسفة كانوا يستمدون فلسفاتهم من الروايات والقصائد مستعينين بما فيها من أوضاع عقلية حسية وروحية تجاه الذات والأشياء كما يقول د. هـ. لورانس، بيد أن رواية «دفاتر الورّاق» شتت هذه الرؤية بمسألة لم تكن في صالحها، وهي: تصدير بعض فصول الرواية بمقولات فرويدية ويونغية مفتاحها الضمير واللاشعور، وقد تقصّد الكاتب وضعها مركزاً على البعد النفسي التحليلي لشخصياته، ولو تخلى عنها لأعطى لعمله تشويقاً ولجعل القارئ أكثر اقتناعاً بفنتازية ما يقرأ. وثانياً، أن اختياره هيأة القرين في شكل صوت فنتازي يأتي تارة ناقداً موبخاً ومؤاخذاً ومعنفاً ومصارحاً ويكون تارة أخرى ساخراً ومتشفياً ومغوياً وملغزاً إنما هو اقتباس واضح من قصتي «بورخس وأنا» و«شكل السيف» لخورخي لوي بورخس.
والمحصلة، أن جاء ختام الرواية مخيباً لأفق التوقع، فلقد أطلق الكاتب على سارده (إبراهيم) رصاصة الرحمة متمثلة بآخر جملة نطقها «علينا الصمت إذا ما اختلط الوهم بالحقيقة» مما ينطبق عليه قول لورنس «ما هو أنا حين أكون ذاتي سيلعنها بالتأكيد أولئك الذين يكرهون تكامل الفرد ويريدون أن يعيشوا في حشود» (كتابه «فنتازيا الغريزة»، ص69).
فلم يتغلب إبراهيم على القرين بل ظل مؤسلباً أحرق كتبه غارقاً بواهمية ما يريد تصديقه، غير مرتفع بوعيه الممكن إلى وعي قائم تتجلى فيه رؤية واضحة تنتقد المجتمع العربي المهدرة طاقاته وثرواته بالسياسة، بل فضَّل البقاء في الماضي قارئاً في دفاتره ومترحِّماً على زمن لن يعود.
وإذا كان الكاتب قد اختار لبطله ألا يكون واعياً، فإنه اختار لقارئه أن يكون مستهلكاً. وكأن للاستهلاك عدوى تنتقل من الماديات إلى ما غير الماديات، وفي مقدمتها التفكر في الحال والنقمة على المآل.
ويدلل هذا الذي نتحصله من قراءة رواية «دفاتر الورّاق» على المستوى الذي صارت الرواية العربية تنجرف نحوه بقوة، أعني اتباع ما تريده الجوائز من تصالحية مع الواقع المادي والتطامن معه استسلاماً كما نتحصل أنّ الروائي العربي يملك رؤية، لكنه منشطر الذات وقد صارت الجوائز قريناً له. أما كيف يتخلص الكاتب من هذا الاقتران، فبالصدمة التي بها يستعيد وحدة ذاته، فتعود الرواية إلى عهدها السابق تعبِّر بصوت عال، لا يعرف مهادنة ولا مماراة.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».