الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

وزيرة الثقافة السابقة تقول إنها أرادت تجريب «الوصفة الثقافية» لحل المعضلات السياسية

روضة الحاج
روضة الحاج
TT

الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

روضة الحاج
روضة الحاج

اشتهرت الشاعرة الإعلامية السودانية روضة الحاج أكثر ما اشتهرت، بصفتها شاعرة، بقصيدتها «بلاغ امرأة عربية» التي ألقتها في برنامج «أمير الشعراء» الذي يقدمه تلفزيون أبوظبي، والذي فازت بإحدى مراتبه، وأُطلق عليها لقب «أميرة الشعراء». وكانت روضة الحاج الشاعرة الوحيدة التي نافست الشعراء العرب في جائزة «سوق عكاظ»، وفازت في دورة عام 2012 بالجائزة، وارتدت بردة «شاعر عكاظ»، واختيرت من بين 35 شاعراً من 8 دول عربية.
وأصدرت روضة الحاج مجموعة من الدواوين، منها: «عش القصيد»، و«في الساحل يعترف القلب»، و«مدن المنافي»، و«للحلم جناح واحد»، و«ضوء لأقبية السؤال»، و«قصائد كأنها ليست لي».
وكانت قد اختيرت وزيرة للثقافة، إذ عينها الرئيس السوداني السابق عمر البشير وزيرة للثقافة والسياحة والتراث في آخر تعديل له في التشكيلة الحكومية، قبل عشرة أيام من إطاحته على يد الجيش السوداني... وهنا، لقاء معها عبر الهاتف:

> أولاً، في حالة الترقب والقلق العالمي من جائحة كورونا... هل هناك دور للشعر؟
- ما يحدث أمر معقد إنسانياً، وبالتالي فهو معقد شعرياً: فرض العزلة والتباعد الاجتماعي، وتجنب التواصل، والانغلاق على الذات، وتضييق خيارات البشر لأقصى حد ممكن، كلها تمثل حالة «كونية شعرية» سيعبر عنها الأدب بطريقته، سواء كان قصة أو رواية أو مسرحاً أو شعراً أو غير ذلك.
> كيف تعاملت بصفتك شاعرة أديبة مع العزلة التي فرضتها جائحة كورونا؟ وما تأثيرها عليك بصفتك كاتبة؟
- لطالما أحببت العزلة، على الرغم من تصنيفي على أنني كائن اجتماعي جداً، لكنني كنت أعرف في قرارة نفسي أن هذه هي حقيقتي التي لم تتح لي طبيعة عملي واهتماماتي تجربتها على الإطلاق، فقد كنت منذ طفولتي «تحت الضوء»، بطريقة أو بأخرى، فمنذ السادسة من عمري وأنا أقدم طابور الصباح المدرسي. وقد تواصل هذا «الضوء» عبر عملي الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون ومجلة السمراء (بنتي المدللة) ونشاطي الثقافي وحضوري في المشهد العام إجمالاً.
لكن توقي للعزلة لم يخمد يوماً. وعندما فرضت الجائحة بصرامة شديدة، خاصة في الأيام الأولى، شروط الحياة في ظلها، كان جانب مني سعيداً بذلك، مع خشيتي البشرية العادية من عواقب ذلك بالطبع. وقد أنجزت خلال هذه الفترة ديوانين، صدر أحدهما وسيصدر الآخر قريباً، وكتبت مسرحية شعرية (حرة غرناطة)، وأنجزت رواية، وأعمل خلال هذه الأيام على إنجاز الرواية الثانية.
> برأيك، أين موقع المرأة في خريطة الإبداع الشعري العربي اليوم؟
- المرأة موجودة، وبقوة. وأزعم أن الفترة الحالية هي أخصب فترات الإبداع النسوي في المجالات كافة. فالمجتمعات أصبحت أكثر تقبلاً وتصالحاً مع نتاجاتهن، وقد أسهمت النقلات الفكرية التي شهدها العالم العربي إلى حد كبير في توسيع مساحاتهن الضيقة، وفك كثير من القيود عن أقلامهن. وصاحب ذلك زيادة في حالة الوعي الجمعي العام الذي شمل المبدعات أنفسهن، فقد تجاوزن مرحلة التصادم والتمرد والعصيان بصفته نوعاً من رد الاعتبار، واندمجن في حركة التنوير والإبداع العامة بأقلام تشعر بالندية، وليس بعقدة النقص أو الرغبة في الانتقام، وأصبح بالإمكان الحديث عن ملامح مكتملة لمشروع نسوي إبداعي.
> هل تعتقدين أن لشعرك السياسي الذي رافق مسيرتك الأدبية دوراً في انتشارك الإعلامي؟
- لا أعتقد. وعموماً، قصائدي الوطنية والقومية قليلة جداً، مقارنة ببقية شعري، وأكثرها لم يصدر حتى الآن ولم يجمع أيضاً، بينما بقية شعري صدرت في 7 دواوين، وأستعد لإصدار الديوان الثامن قريباً إن شاء الله.
كما أن عملي الأساسي هو الإعلام، فقد شغلت وظيفة مذيعة ومعدة برامج بالإذاعة القومية السودانية والتلفزيون وقنوات أخرى، ووثقت وحاورت معظم المبدعين السودانيين على مدى سنوات وسنوات؛ أي بمعنى آخر كنت أنا من يقدم الآخرين من واقع عملي بصفتي محاورة أكثر من كوني ضيفة يحاورها الآخرون، وأفخر بأنني وثقت تجارب أهم الشعراء والأدباء السودانيين، وقدمت أول برنامج يستضيف الأدباء العرب والسودانيين، ويحاورهم عبر قناة الشروق الفضائية، بل حصلت على جائزة أفضل محاور من مهرجان القاهرة للإذاعات والتلفزيونات العربية.
> يبدو المشهد الثقافي بالسودان في حالة نكوص منذ سنوات طويلة... لأي سبب ترجعين ذلك؟
- أول وزارة تمت الإطاحة بها من قائمة الوزارات هي وزارة الثقافة التي ضغط المثقفون والأدباء على صناع القرار السياسي طويلاً لاعتمادها في السابق بصفتها وزارة مستقلة. وعلى الرغم من أن الشعب السوداني معروف بثقافته العالية، وحبه للأدب بشكل عام، وللشعر على وجه الخصوص، فقد لاحظ كثيرون ضعف النتاجات الأدبية المعبرة عما حدث من تغيير، مقارنة بثورة أكتوبر (تشرين الأول) 64 مثلاً، أو حتى أبريل (نيسان) 85. ويبدو أن السبب ضيق العيش، وصعوبة الحياة التي يكابدها السودانيون حالياً بمختلف قطاعاتهم، والتي ألقت بظلالها على كل شيء، بما في ذلك المشهد الثقافي والإبداعي.
> زرتِ المملكة العربية السعودية، وكنتِ أول امرأة تتلحف ببردة عكاظ... كيف وجدت بيئتها الأدبية ومشهدها الثقافي بشكل عام، ومكانة المرأة تحديداً؟
- المملكة من أغنى بلدان المنطقة ثقافياً، ولا غرو، فمن هنا بدأ كل شيء: الشعر والحداء والغناء والنشيد. والمتلقي السعودي متلقٍ مذهل جداً، يقدر الشعر ويحبه، ويعرف قيمته ويتجاوب معه. وفي الوقت الذي تصاب فيه أشجار الشعر في كثير من أنحاء العالم العربي بالعطش وتساقط الأوراق والتصحر والآفات، تزداد أشجار الشعر في المملكة خضرة وارتفاعاً، يدعم ذلك كليات آداب ذات ثقل معرفي عالٍ، وأقسام لغة عربية وأدب ونقد قوية البناء والمنهج، وملاحق ثقافية ومواقع على الشبكة وقنوات؛ كل هذه الأشياء تجعل من المملكة ميداناً راقياً للإبداع والثقافة والأدب.
أما المرأة السعودية، فهي حالة نادرة مبهرة من الذائقة النسوية المتميزة في التلقي والتفاعل الشعري والثقافي. وأنا بصدق مبهورة جداً بالمرأة السعودية المتذوقة المتفاعلة مع الشعر والأدب في المملكة، وأحد مفاخري الكبرى محبتهن لما أكتب، وتواصل قطاعات واسعة منهن معي دائماً.
> يبدو أن صوت قصيدتك «بلاغ امرأة عربية» أعلى من باقي قصائدك... كيف تفسرين ذلك؟
- ربما لأنها من أقدم نصوصي، فقد كتبتها في عشرينياتي، وكانت مفتاحاً سحرياً بحق قدمني إلى كل العواصم العربية، وأتاح لي القراءة في منصة واحدة مع كبار الشعراء السودانيين والعرب، كذلك كانت هذه القصيدة محظوظة بحصولها على قراءات نقدية متنوعة من نقاد كبار.
> ما علاقتك بوسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ترين مثل هذه العلاقة تؤثر على النشاط الأدبي؟
- وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت واقعاً لا نستطيع إلا التعاطي معه، ولكني أؤمن جداً بالاعتدال، وهو ما أمارسه معها. فمثلاً، صفحتي على «فيسبوك» يتابعها كثير من محبي الشعر في السودان والعالم العربي وأفريقيا، ويمثل تفاعلهم مع ما أكتب قيمة مهمة جداً، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«تويتر» وبقية المنصات. والتواصل مع الجمهور بشكل مباشر مهم، ولكنه قد يتحول إلى عائق إذا لم نحسن إدارته بشكل جيد، وهذا ما أحاوله.
> ماذا لو استمرت روضة الحاج وزيرة للثقافة؟ ماذا كنتِ ستفعلين للثقافة والمثقفين السودانيين؟
- توليت لعامين (2016 - 2018) منصب نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة والثقافة والإعلام والسياحة بالبرلمان السوداني (بدرجة وزيرة دولة)، وأتاح لي هذا التكليف الإشراف المباشر على ملفي الثقافة والسياحة تحديداً، والاطلاع على أداء هاتين الوزارتين (قبل دمجهما لاحقاً) فيما يلي التشريعات والقوانين والميزانيات المالية والمشاريع المستقبلية والمشكلات الأساسية وغير ذلك، وكانت تلك هي (الإضافة العملية) لصلاتي السابقة من واقع كوني فاعلة ثقافية بشكل عام.
ولو قدر الله لي الاستمرار، لوددت (تجريب الوصفة الثقافية) لتكون حلاً للمعضلات السياسية المزمنة في بلادنا، وذلك بإحسان إدارة التنوع الثقافي بصفته مصدراً للقوة، وليس الضعف، وتفعيل مبدأ (الاحترام الثقافي)، بصفته بديلاً (للاستعلاء الثقافي)، وذلك ببناء جسور للتواصل الثقافي والإبداعي مع محيطنا العربي والأفريقي، وإبراز ميزتنا بصفتنا بلداً يجمع الثقافتين العربية والأفريقية.
وكنت سأكمل ما بدأته من مشاريع فردية للتعريف والتوثيق للمبدعين السودانيين في شتى المجالات، وجعل (المكتبة الوطنية) معلماً من معالم الخرطوم، وملء المدن بالنصب التذكارية للرموز الكبيرة، وإعادة الحياة للمجلات الثقافية والجمعيات الأدبية والمسرح المدرسي، بالتعاون مع وزارة التربية، ونفض الغبار عن تجارب الكبار، وتكريم سيرهم، وإنشاء مدينة الثقافة السودانية، وكثير من الأفكار التي آمل أن يهيئ الله لبلادنا من يقوم بها أو بأفضل منها، من المهمومين والمؤمنين بالفعل الثقافي.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.