أشعة الليزر لإرسال البيانات من الفضاء إلى طائرات «درون»

تجارب أميركية لتقنيات أقل عرضة للقرصنة

أشعة الليزر لإرسال البيانات من الفضاء إلى طائرات «درون»
TT

أشعة الليزر لإرسال البيانات من الفضاء إلى طائرات «درون»

أشعة الليزر لإرسال البيانات من الفضاء إلى طائرات «درون»

تخطّط وكالة التطوير الفضائي التابعة للجيش الأميركي، مع بداية العام المقبل، اختبار ما إذا كانت الأقمار الصناعية الموجودة في مدار الأرض المنخفض قادرة على التواصل مع طائرة «درون» (طائرة من دون طيار) من نوع «إم كيو - 9 ريبر» عبر روابط بصرية، أو أشعّة الليزر.
وإذا تكلّلت التجربة بالنجاح، فإنها ستمهّد الطريق لوسائل جديدة أقلّ عرضة للقرصنة لتواصل القادة العسكريين والمشغلين مع طائرات الدرون والطائرات وغيرها من الأسلحة عن مسافات بعيدة.
وفي مقابلة مع موقع «ديفنس وان»، كشف ديريك تورنير، رئيس وكالة التطوير الفضائي، أنّ «الوكالة ستطلق عدداً من الأقمار الصناعية في أيّامٍ قليلة، تضمّ قمرين من نوع «إم كيو - 9» من صناعة «جنرال أتوميكس»، مهمّتهما حمل الليزر إلى الفضاء. بعدها، ستعمل هذه الأقمار على توصيل الليزر إلى الأرض، وتحديداً إلى منصّة «إم كيو - 9».
يعود تواصل الأقمار الصناعية مع طائرات الدرون والسفن وغيرها من المركبات عبر موجات الراديو إلى عقود من الزمن. وقدّم هذا التواصل خدمات كثيرة للجيش في أماكن القتال، حيث لم تستخدم الولايات المتّحدة قدرات جويّة معقّدة أو تقنيات تشويش إشارات الراديو لمواجهة أعدائها.
ولكنّ مع التحضير العسكري لمنافسة محتملة مع خصوم أكثر تطوّراً على الصعيد التقني، تعتبر إشارات الراديو القادمة من الفضاء وسيلة ضعيفة بعض الشيء.
لفت تورنير إلى أنّه «عند استخدام موجات الراديو، يمكن الاعتماد على التشويش إذا استطعت تسخير الكثير من الطّاقة على الأرض، تتفوّق على تلك التي يملكها المتلقّي. ولكن مع البصريات، ومع الضوء، يختلف الوضع تماماً لأنّك تملك كلّ نطاقٍ قريب. لذا، إذا أردت أن تشوّش على الإرسال، عليك الحصول على ضوء ليزر يصبّ مباشرة في المنظار المستهدف، أي أنّ الأمر سيكون صعباً جداً عند التنفيذ، وقد لا يكون مجدياً من الناحية التقنية على مساحات واسعة».
وشرح مدير الوكالة أنّ التواصل البصري يتمتّع في المقابل، بأفضلية كبيرة على موجات الراديو لجهة كمّ البيانات الهائل الذي يمكنه نقله وكمية الطّاقة التي يحتاجها. ويضيف: «من الصعب جداً أن نتأكّد من الحصول على نسبة مرتفعة من النطاق العريض تتفّوّق على موجات الراديو، لأنّ الأمر يتطلّب كماً هائلاً من الطّاقة». فكلّما كان التردّد على طيف الراديو منخفضاً، زادت الحاجة إلى الطاقة المطلوبة لإرسال الإشارة والحصول على كمّ النطاق العريض نفسه».
وتجدر الإشارة إلى أنّ الطيف بات مزدحماً جداً في ظلّ تسابق شركات الاتصالات للحصول على كلّ ما يمكنها الحصول عليه، لا سيما أن المستهلكين باتوا يطلبون كميات أكبر من البيانات على أجهزتهم المحمولة.
وأخيراً، يستطيع التواصل بالليزر تأمين «نطاق عريض مرتفعٍ جداً وضمان وقت استجابة أسرع وإضعاف احتمال التشويش على شبكة الاتصالات لإمكانية وصول ضوئه إلى أي منصّة، سواء على سطح الأرض أو على سفينة تسبح في الفضاء، أو في الجوّ. لهذا السبب، نحن متحمّسون جداً لأنّ التواصل بالليزر سيفتح طريقاً جديداً لنقل البيانات ودعم المحاربين بمزيدٍ من القوّة».
- «ديفنس وان» – خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
TT

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

في عام 1864، اجتمع ممثلو عدد من الدول في مدينة جنيف السويسرية لوضع أول إطار قانوني حديث يحمي ضحايا الحروب. ومن تلك البذرة الأخلاقية ولدت لاحقاً اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، والتي أصبحت أحد أعمدة القانون الإنساني الدولي بعد أن شاهد العالم أهوال الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من ملايين الضحايا، والجرحى، والمشرّدين.

لقد نجحت تلك الاتفاقيات في ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: حتى في الحرب، تبقى هناك حدود لا يجوز للإنسان تجاوزها.

تقدم تكنولوجي واتفاقيات قديمة

غير أن العالم الذي صاغ اتفاقيات جنيف لم يكن يعرف الحواسيب، ولم يتخيّل وجود خوارزميات قادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، أو طائرات مسيّرة تستطيع اختيار أهدافها ذاتياً، أو تقنيات جينية يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بقيمة اتفاقيات جنيف، أو مكانتها التاريخية، بل بقدرتها على مواكبة عصر أصبحت فيه التكنولوجيا نفسها طرفاً فاعلاً في الصراع.

تحول طبيعة القوة

إننا لا نعيش فقط مرحلة تطور في أدوات الحرب، بل نعيش تحوّلاً جذرياً في طبيعة القوة ذاتها. فالسلاح لم يعد مجرد دبابة، أو صاروخ، أو طائرة مقاتلة، بل أصبح خوارزمية قد تتخذ قراراً خلال أجزاء من الثانية، ومنصة رقمية قد تؤثر في مصير ملايين البشر، وتقنية جينية قد تستهدف أفراداً أو جماعات بطرق لم تكن معروفة في أي مرحلة سابقة من التاريخ.

لم تعد المشكلة في الرصاصة التي تخطئ هدفها، بل في الخوارزمية التي تختار هدفها. ولم يعد الخوف مقتصراً على القنبلة التي تدمر مدينة، بل على نظام ذكي قد يخطئ في تفسير البيانات، أو يتأثر بتحيزات خفية، أو يُستخدم بطريقة تنتهك أبسط المبادئ الإنسانية دون أن يكون هناك إطار قانوني واضح للمحاسبة.

حين يصبح الجين ساحة للحرب

ثورة بيولوجية تواكب الرقمية

الأكثر خطورة أن الثورة البيولوجية تسير جنباً إلى جنب مع الثورة الرقمية. فالهندسة الوراثية، والتعديل الجيني، والطب الدقيق، كلها تحمل وعوداً علاجية كبيرة، لكنها تطرح أيضاً أخطاراً أخلاقية وقانونية إذا استُخدمت خارج الضوابط الإنسانية.

ومن هنا يظهر سؤال لم يكن مطروحاً عندما وُقعت اتفاقيات جنيف: كيف نحمي الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من أخطار الحروب التي تُدار بالخوارزميات، أو تستغل المعرفة الجينية؟

ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي على تتبع الأفراد، وتحليل سلوكهم، والتنبؤ بتحركاتهم، تبرز تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية المدنيين، وصون حقوقهم الأساسية في أوقات النزاع. كما تزداد الحاجة إلى تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عندما تتسبب الأنظمة المستقلة في قرارات خاطئة تؤدي إلى خسائر بشرية، وإلى مراجعة مدى قدرة القانون الدولي الحالي على التعامل مع أسلحة تعمل بدرجات غير مسبوقة من الاستقلالية.

لقد أدرك العالم عبر تاريخه أن التكنولوجيا تتقدم دائماً أسرع من القوانين. ولهذا لم تكن اتفاقيات جنيف سوى استجابة أخلاقية وقانونية لتحولات عسكرية وصناعية فرضها عصرها. واليوم يبدو أن البشرية تقف أمام منعطف مشابه، لكن هذه المرة في عصر الذكاء الاصطناعي، والحروب الرقمية، والتقنيات الجينية.

ولا يتعلق الأمر باستبدال اتفاقيات جنيف، أو الانتقاص من قيمتها التاريخية، بل بتطوير إطار إنساني جديد يكمّلها، ويُحدّثها، ويمنحها القدرة على التعامل مع تحديات لم تكن مطروحة عندما صيغت نصوصها قبل أكثر من سبعين عاماً.

نحو مبادرة دولية جديدة

ومن هنا قد يكون من المناسب التفكير في مبادرة دولية جديدة يمكن أن يطلق عليها مجازاً «الاتفاقيات الإنسانية»، والتي يمكن أن تُنسب إلى مدينة الرياض عاصمة السعودية، ليس باعتبارها بديلاً عن جنيف، بل كونها امتداداً معاصراً لروحها الإنسانية. نريد إطاراً عالمياً يجمع الحكومات، والعلماء، وخبراء القانون، والأخلاقيات، والتقنية، لوضع مبادئ تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجينية في النزاعات المسلحة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً من المخاطر الناشئة عن هذه التحولات التكنولوجية المتسارعة.

فإذا كانت جنيف قد منحت العالم قواعد إنسانية للحروب التقليدية في القرن العشرين، فقد يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى منصة جديدة تضع حدوداً أخلاقية للحروب التي تخوضها الخوارزميات، وتوجهها البيانات، وتغذيها المعرفة الجينية.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم مقومات فريدة تؤهلها للإسهام في هذا النقاش العالمي. فهي لا تقود مشروعاً تنموياً طموحاً عبر رؤية 2030 فحسب، بل أصبحت أيضاً من الدول الرائدة في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وكانت من أوائل الدول التي تبنت أطراً ومبادئ أخلاقية لتنظيم استخدام هذه التقنيات الناشئة، وسعت إلى ترسيخ مفهوم يجعل الإنسان محوراً للتقدم التقني لا ضحيته.

من المسؤول عندما تخطئ الخوارزمية

حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التقنيات المدمرة

ولعل العالم يحتاج اليوم إلى مبادئ جديدة توازي في أهميتها المبادئ التي خرجت من جنيف قبل أكثر من قرن ونصف... مبادئ تؤكد أن القرار القاتل يجب أن يبقى تحت مسؤولية بشرية واضحة لا تحت سلطة خوارزمية مجهولة، وأن المستشفيات والمنشآت الصحية يجب أن تحظى بحماية خاصة من الهجمات السيبرانية، وأن الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً لا يجوز أن يصبحوا أهدافاً لأنظمة المراقبة، أو الاستهدافات الذكية، وأن أي استخدام للتقنيات الجينية في النزاعات ينبغي أن يخضع لرقابة دولية صارمة، ومعايير أخلاقية متفق عليها عالمياً.

قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات والهندسة الجينية

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه التحديات ستواجهنا في المستقبل، بل كيف سنتعامل معها وقد بدأت بالفعل. فالعالم الذي نجح في وضع قواعد أخلاقية للحروب التقليدية بعد مآسي القرن العشرين، مدعو اليوم إلى التفكير في قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات، والبيانات، والهندسة الجينية. وليس المطلوب تقييد التقدم العلمي، أو إبطاء الابتكار، بل ضمان أن يبقى التقدم خادماً للإنسان لا متجاوزاً له.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: هل ما زلنا بحاجة إلى اتفاقيات جنيف؟ بل هناك سؤال أكثر إلحاحاً: من سيحمي الإنسان عندما تصبح الخوارزمية جندياً، وتصبح البيانات سلاحاً، ويصبح الجين البشري ساحةً جديدة للصراع؟

وربما يكون الوقت قد حان لبدء حوار عالمي جديد، ربما من الرياض، يستلهم روح جنيف ولا ينافسها، ويبحث عن إجابات أخلاقية وقانونية للتحديات التي لم يعرفها القرن الماضي.

فكما أنجبت الحروب الصناعية اتفاقيات جنيف، قد تفرض حروب الخوارزميات والتقنيات الجينية على العالم البحث عن اتفاقيات إنسانية جديدة. وربما لن تسألنا الأجيال القادمة كيف تطور الذكاء الاصطناعي، بل ستسألنا سؤالاً أبسط وأكثر قسوة: هل تحركنا في الوقت المناسب قبل أن تسبقنا التكنولوجيا إلى ساحات لم يصل إليها القانون، ولم تبلغها الأخلاق بعد؟


خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة
TT

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

في إنجاز علمي ضخم قد يغيّر مستقبل الطب الوراثي في آسيا والعالم، كشفت أكبر دراسة جينية في تاريخ الهند عن ملايين المتغيرات الوراثية التي لم تكن معروفة سابقاً؛ ما يسلط الضوء على التنوع الجيني الهائل في البلاد ويكشف عن حدود النماذج الطبية المعتمدة بشكل أساسي على البيانات الأوروبية.

مشروع «جينوم الهند»

الدراسة التي جاءت ضمن مشروع «جينوم إنديا» GenomeIndia ونُشرت على موقع MedRxiV في نسخة أولية ولم تخضع لمراجعة الأقران في 24 مارس (آذار) 2026 بقيادة أنالابها باسو من المعهد الوطني لعلم الجينوم الطبي الحيوي (BRIC-NIBMG) والمركز الإقليمي للتكنولوجيا الحيوية (RCB) في الهند، اعتمدت على تحليل الجينوم الكامل لـ9768 شخصاً أصحاء ينتمون إلى 83 مجموعة سكانية مختلفة في الهند.

* 4 ملايين متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة *

وأسفرت النتائج عن اكتشاف ما يقارب 130 مليون متغير جيني، بينها 44 مليون متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة مثل «1000 Genomes» و«gnomAD».

ويقول الباحثون إن النتائج كانت مفاجئة حتى بالنسبة لهم. فقد أوضحت عالمة الأحياء الحاسوبية براتاتي كاهالي من مركز أبحاث الدماغ (CBR) بنغالورو الهند المشاركة بالدراسة، أن الفريق كان يتوقع العثور على طفرات جديدة «لكن حجم الاكتشافات غير المسبوق كان صادماً»، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من المتغيرات المكتشفة لم تكن معروفة للعلم من قبل.

لماذا تُعد هذه الدراسة مهمة؟

لطالما اعتمد الطب الجيني الحديث على قواعد بيانات جُمعت أساساً من أشخاص ذوي أصول أوروبية؛ ما جعل كثيراً من التوقعات الطبية والفحوص الجينية أقل دقة بالنسبة للشعوب الأخرى، خصوصاً في جنوب آسيا وأفريقيا.

وتحاول الهند الآن سد هذه الفجوة من خلال بناء واحدة من أكبر الخرائط الوراثية في العالم مع خطط مستقبلية لتوسيع المشروع ليشمل مليون جينوم بشري، ودراسات خاصة بالأمراض المزمنة والنادرة.

ويرى العلماء أن هذه البيانات قد تفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وتحسين فهم الأمراض الوراثية وحتى تصميم أدوية تتناسب مع الخصائص الجينية للسكان المحليين.

«التجانس الجيني» نتاج العزلة الوراثية

وكان أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة هو اكتشاف مستويات مرتفعة من «التجانس الجيني» لدى بعض القبائل الهندية؛ نتيجة قرون من الزواج داخل المجموعة نفسها والعزلة الجغرافية.

هذا النمط يزيد احتمالية انتقال الأمراض الوراثية المتنحية، وهي أمراض تظهر عندما يرث الشخص نسختين معطوبتين من الجين نفسه.

طفرات لأمراض وراثية في المجموعات القبلية

وأظهرت النتائج أن 27 من أصل 29 مجموعة قبلية حملت طفرات مسببة للأمراض بمعدلات ذات أهمية سريرية. ففي إحدى القبائل بجنوب الهند وُجدت طفرة مرتبطة بمرض نادر يُعرف بداء الألكابتونوريا alkaptonuria (مرض وراثي نادر ينتج من طفرة في جين HGD يمكن أن يسبب أضراراً جسيمة للمفاصل والأعضاء) لدى 12.5 في المائة من السكان، رغم أنها غير موجودة تقريباً في قواعد البيانات العالمية المستخدمة حالياً.

ويحذّر الباحثون من أن الفحوص الجينية التقليدية قد تفشل في اكتشاف مثل هذه الطفرات؛ لأنها ببساطة لم تكن معروفة من قبل.

اختلافات جينية في الاستجابة للأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند الأمراض الوراثية فقط، بل كشفت أيضاً عن اختلافات جينية تؤثر على استجابة الجسم للأدوية. فعلى سبيل المثال، اكتشف الباحثون انتشار طفرة مرتبطة بمضاعفات التخدير لدى 29 مجموعة سكانية هندية؛ وهو ما قد يدفع الأطباء مستقبلاً إلى تعديل جرعات التخدير وفق الخلفية الجينية للمريض.

كما رصدت الدراسة متغيرات تؤثر على طريقة استقلاب بعض الأدوية النفسية ومسكنات الألم وأدوية السرطان؛ ما يعزز التوجه نحو «الطب الدقيق»، حيث تُصمم العلاجات حسب التركيبة الجينية لكل فرد.

لكن الخبراء يدعون إلى الحذر؛ إذ تؤكد ميرا بوروشوتام، الباحثة في المعهد الوطني للصحة العقلية وعلوم الأعصاب في الهند والتي لم تشارك في الدراسة، أن هذه النتائج واعدة، لكنها لا تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية قبل اعتمادها بشكل واسع في الممارسة الطبية اليومية.

ما لا نعرفه بعد

ورغم ضخامة المشروع، يشير بعض العلماء إلى أن ما تم تحليله لا يمثل سوى جزء صغير من الصورة الكاملة. فمعظم الأبحاث الحالية تركز على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات والتي تشكل نحو 2 في المائة فقط من الجينوم البشري.

أما الـ98 في المائة المتبقية التي كانت تُعدّ سابقاً «حمضاً نووياً غير مهم»، فتضم مناطق تنظيمية معقدة قد تكون مسؤولة عن جزء كبير من الأمراض البشرية.

ويقول الباحثون إن المستقبل الحقيقي لعلم الجينات لن يقتصر على قراءة الجينات نفسها، بل على فهم الطريقة التي تتفاعل بها مع البيئة والغذاء ونمط الحياة وحتى الضغوط النفسية.

ما الذي يعنيه هذا للعالم؟

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الهند وحدها. فهي تمثل رسالة واضحة إلى المجتمع العلمي العالمي بأن الاعتماد على نموذج جيني أوروبي لفهم صحة البشر لم يعد كافياً. فكل مجتمع يحمل تاريخه الوراثي الخاص ومعه مخاطر صحية واستجابات دوائية مختلفة. ومن دون تمثيل أوسع للشعوب في قواعد البيانات الجينية قد يبقى ملايين الأشخاص خارج دائرة الطب الدقيق الحديث.

ومع استمرار التقدم في تقنيات تحليل الجينوم يبدو أن العالم يتجه نحو عصر تصبح فيه الخريطة الوراثية جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية لا لتشخيص الأمراض فقط، بل للتنبؤ بها ومنعها قبل ظهورها.


هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
TT

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار. وقد برزت «الحلول القائمة على الطبيعة» كاتجاه رئيسي في التخطيط الحضري الحديث، يقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية بوصفها بنية تحتية حيّة تعزز صمود المدن أمام الاضطرابات المناخية.

لكن دراسة دولية شارك فيها 24 باحثاً من جامعات في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ تكشف فجوة علمية مهمة في تصميم هذه الحلول؛ إذ يفترض كثير من المخططين أن الطبيعة ثابتة، بينما الكائنات الحية التي تقوم عليها هذه الأنظمة تتطور باستمرار تحت ضغط البيئة الحضرية، ما قد يغيّر كفاءتها ووظائفها البيئية.

وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تتعلق بسوء الإدارة فقط، بل بإغفال عامل بيولوجي أساسي هو التطور؛ فالكائنات التي تعتمد عليها المدن في التكيف مع تغير المناخ، من نباتات وكائنات مائية وميكروبات، ليست عناصر جامدة، بل تتغير وراثياً ووظيفياً استجابة للحرارة والتلوث وشح المياه والتحولات البيئية المتسارعة، وفق النتائج المنشورة بعدد 14 مايو (أيار) 2026 من مجلة «Science».

مشاريع تواجه الصعوبات

تتحول المدن الحديثة، وفق الدراسة، إلى ما يشبه «مختبرات للتطور السريع»، إذ تتعرض الكائنات لضغوط شديدة مثل التلوث والجزر الحرارية وتفتت الموائل وارتفاع الملوحة.

وهذا يدفعها لاكتساب صفات جديدة خلال أجيال قصيرة، إلاأهذا التطور قد يسير في اتجاهين متناقضين: فقد يعزز بقاء الأنواع، لكنه في الوقت نفسه قد يُضعف الوظيفة البيئية التي صُممت الحلول لتحقيقها.

وعلى الرغم من أن العالم أنفق نحو 200 مليار دولار على الحلول القائمة على الطبيعة في عام 2022، مثل الغابات الحضرية لتبريد المدن، والأراضي الرطبة لامتصاص الفيضانات، والشعاب المرجانية لحماية السواحل، فإن الدراسة تحذر من أن العديد من هذه المشاريع قد يواجه إخفاقاً على المدى البعيد بسبب افتراض ثبات الخصائص البيولوجية للكائنات، وهو ما لا تدعمه الحقائق العلمية.

وتقدم الدراسة أمثلة توضح هذا التعقيد؛ ففي البيئات الساحلية طورت نباتات المستنقعات كتلة جذرية أكبر ساهمت في تعزيز مقاومة ارتفاع مستوى البحر، بينما اتجهت نباتات أخرى إلى زيادة النمو فوق سطح الماء على حساب الجذور، ما أضعف قدرتها على تثبيت الشواطئ. وبالمثل، طورت قشريات «دافنيا» مقاومة أعلى للملوثات، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على ضبط نمو الطحالب، ما قد يؤدي إلى تدهور جودة المياه. أما الأشجار الحضرية في مدن مثل فينيكس ولوس أنجليس فأصبحت أكثر تحمّلاً للجفاف، لكنها أقل قدرة على تكوين مظلات كثيفة وامتصاص الكربون.

وعلى مستوى أكثر خطورة، قد تسهم بعض المجتمعات الميكروبية المستخدمة في معالجة مياه الصرف في انتشار مقاومة المضادات الحيوية عبر نقل الجينات، ما يحول بعض الأنظمة البيئية إلى مصادر محتملة لمخاطر صحية متصاعدة.

تغيّر خصائص الكائنات

توضح الدكتورة مارينا ألبرتي، أستاذة التخطيط الحضري والبيئي في جامعة واشنطن والباحثة الرئيسية، أن الحلول القائمة على الطبيعة تعتمد على كائنات حية تتغير خصائصها مع الزمن، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءتها البيئية. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن النباتات تساهم في تبريد المدن عبر الظل والنتح وامتصاص المياه وتخزين الكربون، بينما تبني الشعاب المرجانية والمحار هياكل تقلل من قوة الأمواج وتحمي السواحل، في حين تلعب الكائنات الدقيقة دوراً محورياً في تحليل الملوثات ودورة المغذيات.

لكن التحدي الأساسي، حسب ألبرتي، أن السمات التي تمكّن هذه الكائنات من أداء وظائفها ليست ثابتة، بل تتغير تحت ضغط الحرارة والجفاف والفيضانات والتلوث وتفتت الموائل والأمراض. وقد يؤدي ذلك إلى تغيّر في أداء الأنظمة البيئية نفسها، حتى لو استمرت الكائنات في البقاء.

فقد تتجه النباتات الحضرية مثلاً إلى بطء النمو وصِغر الأوراق وعمق الجذور وتغير توقيت الإزهار، ما يؤثر على قدرتها على التبريد وامتصاص المياه. وفي المقابل، قد تتغير معدلات نمو الشعاب المرجانية والمحار، بما يضعف دورها في حماية السواحل. كما أن تغير تركيب المجتمعات الميكروبية قد يؤثر على جودة المياه وكفاءة إزالة الملوثات.

وتدعو الدراسة إلى إعادة النظر في تصميم هذه الحلول عبر أربع فرضيات أساسية: عدم إمكانية نقل الحلول بيئياً بشكل مباشر بين المدن، أهمية التنوع الجيني لتعزيز القدرة على التكيف، إمكانية أن تمتلك الكائنات المتأقلمة حضرياً مزايا وقيوداً في آن واحد، وأخيراً ما يسمى «فخ الوظيفة»، حيث يضمن التطور بقاء الكائن لكنه قد يقلل من الوظيفة البيئية المطلوبة.

وفي رأي ألبرتي، فإن الحلول القائمة على الطبيعة ليست أنظمة ثابتة، بل بنى تحتية حيّة وديناميكية، وأن تعزيز فعاليتها لا يتحقق بمجرد إنشائها، بل بتصميمها بحيث تراعي التطور المستمر للكائنات وقدرتها على التكيف مع المستقبل.