جيما نونو كومبا... وإدارة «التعايش الصعب»

أول امرأة ترأس برلمان جنوب السودان

جيما نونو كومبا... وإدارة «التعايش الصعب»
TT

جيما نونو كومبا... وإدارة «التعايش الصعب»

جيما نونو كومبا... وإدارة «التعايش الصعب»

لن يكون على عاتق جيما نونو كومبا، الرئيسة الجديدة لبرلمان جمهورية جنوب السودان، إصدار تشريعات لازمة لبناء الدولة الوليدة فقط، بل مهمة أثقل، تتمثل في حفظ وتثبيت السلام الهش، وإدارة تعايش وُصف بـ«صعب» بين طرفين متناحرين، وممثلين معاً داخل المجلس النيابي المعاد تشكيله.
كومبا، الأمينة العامة الحالية للحزب الحاكم في جنوب السودان، عُينت خلال الأسبوع الماضي رئيسة جديدة لمجلس النواب، لتغدو أول امرأة تحوز هذا المنصب، في هذه الدولة التي نالت استقلالها منذ 10 سنوات فقط. وجاء تعيين كومبا عقب اجتماع للجمعية العامة للحزب في العاصمة جوبا، برئاسة سلفا كير ميارديت رئيس جمهورية جنوب السودان. وبدا أن الرئيسة الجديدة للبرلمان تحظى بتوافق كبير وسط قيادات الحزب الحاكم، إذ قوبل إعلان تعيينها بـ«تصفيق حار» من جميع الخصوم السياسيين.
الكلمات الأولى للرئيسة الجديدة، بعد توليها منصبها، جاءت معبرة عن إدراكها حجم الأعباء والمهام الملقاة على كاهلها، التي تشتمل على مواءمات سياسية أكثر من كونها إجراءات قانونية وممارسات تشريعية معتادة. ولذا استهلت كومبا كلامها بالقول صراحة إن «الأمر لن يكون سهلاً... إذ تتطلب الممارسة الحالية للسياسة انخراط الجميع، وتستدعي توحيد الأهداف».
وتجدر الإشارة إلى أن جنوب السودان استقلت عن السودان عام 2011 إثر استفتاء شعبي، قبل أن تغرق الدولة الوليدة في أتون حرب أهلية في ديسمبر (كانون الأول) 2013، أوقعت نحو 380 ألف قتيل خلال 5 سنوات. وبالفعل أدّت هذه الحرب إلى نزوح نحو ثلث السكان، متسببة بأزمة إنسانية خطيرة. وفي وقت لاحق، وُقع اتفاق سلام رسمياً، بحضور وإشراف دولي، خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2018 بين الرئيس سلفا كير، وغريمه رييك مشار، والرجلان يديران البلاد حالياً، الأول بصفته رئيساً، والثاني بصفته نائباً له.
تنحدر جيما نونو كومبا (55 سنة، فهي من مواليد عام 1966) من مقاطعة تومبورا (طمبورة) بولاية غرب الاستوائية. وإبّان سنوات طفولتها، انتقلت من مقاطعة تومبورا إلى مخيم للاجئين في جمهورية أفريقيا الوسطى. ثم التحقت بعد ذلك بالمدرسة الثانوية من 1983 إلى 1986 في جوبا، من ولاية غرب الاستوائية.
بدأت الرئيسة الجديدة للبرلمان حياتها السياسية في وقت مبكّر، فانضمت إلى متمردي الحركة الشعبية لتحرير السودان في أوائل التسعينات في حربها ضد الخرطوم. وعملت مديرة لشركة لها علاقات بتنظيم «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، ثم صارت منسقة لمجلس كنائس السودان الجديد.
وبعدما عيّن زوجها ممثلاً لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» في جمهورية ناميبيا المتاخمة لجمهورية أفريقيا، انتقلت كومبا معه. وللعلم، فإن زوجها هو وزير الثروة الحيوانية والسمكية السابق فيستو كومبا، وللزوجين 4 أطفال. وأثناء وجودها في ناميبيا، التحقت هناك بجامعة ناميبيا؛ حيث درست الإدارة العامة من 1999 إلى 2002. ومن ثم، نشطت بقوة في صفوف «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وفي عام 2002 شاركت في مباحثات السلام نيابة عن «الحركة» في كينيا. وبعد عقد اتفاق السلام الشامل (CPA) عام 2005، شغلت كومبا منصب عضو برلمان في الخرطوم، ثم شاركت في مفاوضات السلام بين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» والحكومة السودانية، بقيادة الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير.
- ظهور لافت ومميز
ظهور جيما نونو كومبا اللافت والمميز، أهّلها لتكون أول امرأة تشغل منصب حاكمة بعد اتفاق السلام الشامل، إذ جرى تعيينها حاكمة لولاية غرب الاستوائية خلال عام 2008. قبل أن تخسر المنصب في انتخابات أبريل (نيسان) 2010 لصالح بانغاسي جوزيف ماريو باكوسورو.
لكن، على الرغم من هذه النكسة المؤقتة، عاودت كومبا مسيرتها، وتبوأت على التوالي عدة وزارات. ففي 10 يوليو (تموز) 2011 عيّنت وزيرة للإسكان والتخطيط العمراني في مجلس وزراء جنوب السودان. ثم في 3 أغسطس (آب) 2013، في أعقاب إجراء رئيس جنوب السودان عملية تعديل وزاري، شملت تبديل عدد من الوزراء وعدد من الوزراء والنواب، أسند إلى كومبا منصب وزيرة الكهرباء والسدود والري والموارد المائية، وبحلول يوليو 2016 عيّنت وزيرة لحماية الحياة البرية والسياحة.
أيضاً، خارج نطاق مجلس الوزراء، عيّنت كومبا خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2015، في منصب نائب الأمين العام لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان». في الوقت نفسه، أقدم الرئيس سلفا كير على حل الأمانات الوطنية، وكلّف كومبا بالتوصية بأمانات الحزب الجديدة. ثم ما لبثت حلّت محل آن إيتو ليوناردو في منصب نائب الأمين العام لـ«الحركة»، وأدت اليمين الدستورية يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015.
- مهارات سياسية تفاوضية
تتمتع جبما نونو كومبا بمهارات سياسية كبيرة في التفاوض، أهّلتها تماماً لتكون محل ثقة بين قادة السلطة في جنوب السودان. ذلك أنه بخلاف المناصب الحكومية التي تولّتها، عُهد إليها بكثير من المهام الخاصة بحل النزاعات القبلية والعرقية، من بينها في الفترة رئاسة لجنة لحل الصراعات الدائرة في مقاطعة تومبورا بين قبيلتي «البلندا» و«الزاندي»، وذلك بالاتفاق بين سلفا كير ومشار. ولقد شكّلت اللجنة من رجالات الدين والشباب والمجتمع المدني والقيادات العسكرية والسياسية من الحكومة الانتقالية. وأوصت بعقد مؤتمر صُلح بين أبناء المنطقة إلى جانب الاتفاق على ترحيل قوات المعارضة والحكومة من تومبورا إلى مريدي.
- مهمة جديدة صعبة
وفقاً لاتفاق السلام الموقع عام 2018، حُل برلمان جنوب السودان، ثم أعيد تشكيله في مايو (أيار) الماضي، بتعيين 550 نائباً بدلاً من 400. موزّعين على 3 مجموعات؛ الأولى تضم 332 نائباً من قبل الرئيس سيلفا كير، و128 من قبل رييك مشار، بينما تُعين الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق 90 نائباً. كذلك سيكون نائب الرئيس - الذي لم يعيّن بعد - من هذا الحزب أيضاً. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه اتُفق على أن يضم البرلمان ممثلي جميع الأطراف الموقعة على اتفاق السلام، في أعقاب حملة ضغوط كثيرة وقوية مارستها أطراف دولية وإقليمية على أطراف الاتفاق لتكملة هياكل ومؤسسات الفترة الانتقالية.
وفي أول المهام، دعا الرئيس كير رئيسة البرلمان الجديدة وأعضاء «الحركة الشعبية» إلى التركيز على تنفيذ بنود اتفاقية السلام، التي لم يتم تنفيذ كثير من بنودها بعد. ومما قاله الرئيس في كلمته للنواب: «يجب أن تكونوا سفراء السلام»، كما طالب كومبا والمجلس بأكمله إلى «التركيز على الهدنة»، التي جرى الالتزام بشروط قليلة منها.
هذا، ويعوّل في داخل جنوب السودان وخارجه على البرلمان ورئيسته في تحقيق تقدم على صعيد التوافق السياسي وتهدئة الأوضاع الأمنية، وإكمال استحقاقات اتفاقية السلام التي يعلق كثير من السودانيين الجنوبيين عليها آمالاً عريضة لتغيير أحوال الدولة. إلا أن كثرة من المراقبين ما زالوا يتوقعون صدامات بين مكوّنات البرلمان، بسبب تضارب المصالح بين التيارات المتنافسة.
وفي المقابل، في مطلق الأحوال، ينتظر أن يساعد البرلمان في إجازة قوانين تتوافق مع اتفاق السلام المنشَّط، إلى جانب سن تشريعات جديدة تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والمالية التي نصّت عليها اتفاقية السلام نفسها، بجانب إدماج الاتفاقية في الدستور بعدما تفرغ لجنة صياغة الدستور من أعمالها.
وهنا نشير إلى أن البرلمان الجنوبي تلقى دعماً دولياً واضحاً، حين أقدمت دول أفريقية وأوروبية على تهنئة حكومة الوحدة الوطنية بدولة جنوب السودان بمناسبة إعادة تشكيل البرلمان الذي اعتبرته دفعة لعملية السلام المتعثرة بالبلاد.
وقالت بريطانيا والنرويج وكندا وفرنسا والسويد، ومعها الاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك: «إن إعلان تكوين الهيئة التشريعية يمثل خطوة مهمة في سبيل تنفيذ بنود اتفاق السلام». وأضاف البيان: «نأمل أن تقوم الحكومة أيضاً بتكوين مجلس الولايات والهيئات التشريعية الولائية لمعالجة قضايا التشرد والنزوح والنزاعات المجتمعية».
- انتصار للمرأة
على صعيد آخر، لا يختلف حال المرأة في جنوب السودان عما هو عليه وضع النساء في أنحاء العالم الثالث، وبالأخص، من ناحية تعرضها للاضطهاد والتحرش والعنف الجسدي، بل ربما هو الأسوأ بحسب تقارير رسمية. ولذلك جاء تعيين كومبا بمثابة انتصار للمرأة الجنوبية، التي تعاني من ضعف واضح في التمثيل السياسي.
وللعلم، تطالب القيادات النسوية بدولة جنوب السودان، منذ نحو 10 سنوات، أطراف اتفاق السلام، بمراعاة نسبة تمثيل المرأة، وأن تكون تلك النسبة وفقاً لما حددته اتفاق السلام بـ35 في المائة. وبالفعل، خصصت اتفاقية السلام نسبة 35 في المائة من المقاعد للنساء على مستوى الحكومة المركزية وحكومات الولايات، بجانب المجالس التشريعية في المركز والولايات. غير أن الأطراف فشلت حتى الآن في الالتزام بتلك النسب المخصصة لهن دون تقديم أي مبررات. وبالتالي، ينظر إلى الفشل في تحقيق تلك النسبة كواحد من الإخفاقات الكبيرة التي ستؤثر على وضعية النساء في المجال العام بالبلاد.
وفي السياق نفسه، ظلّت الأطراف الموقعة على اتفاق السلام المنشَّط في جنوب السودان «تماطل في تنفيذ النسبة المخصصة للنساء»، كما تشير أيا بنجامين واريلي، وزيرة النوع والطفل والرعاية الاجتماعية بجنوب السودان، التي اعتبرت أن ذلك «يمثل انتهاكاً صريحاً لحقوق النساء بالبلاد». وأضافت: «نحن أطراف اتفاقية السلام لم نلتزم بتمثيل المرأة في المستويات المختلفة للسلطة، ولا أحد يعلم ما هو السبب وراء ذلك، لكننا سنظل نسأل باستمرار عمّا حدث بخصوص تمثيل النساء في أجهزة الحكم المختلفة بالبلاد». كذلك قال واريلي: «كنساء قياديات في الحكومة الانتقالية، فإننا سنواصل الضغط من أجل حصول النساء والأطفال على حقوقهم، في إطار سعينا لتحقيق السلام المستدام بالبلاد».
مما يُذكر أنه سبق أن هدد نشطاء في مجال حقوق المرأة بدولة جنوب السودان، باللجوء للقضاء بسبب قلة التزام أطراف اتفاق السلام بالنسبة التي خصصتها اتفاقية السلام المنشطة لتمثيل النساء في جميع أجهزة الحكم التنفيذية والتشريعية على مستوى المركز وبقية الولايات العشر. في حين يشكل دور المرأة في البلاد مبعث قلق لبعثة الأمم المتحدة هناك، وسط استمرار العنف الطائفي الذي يهدد كل المدنيين، بما في ذلك أعداد كبيرة من النساء والأطفال. ودعا تقرير سابق للأمم المتحدة إلى المساواة بين الجنسين وتعزيز التنمية الدستورية في جنوب السودان، ولا سيما بلد منقسم بسبب الولاءات العرقية والقبلية.
ووفق التقرير الشامل الأول عن «حجم وحشية» العنف في مناطق النزاع في جنوب السودان، الصادر في نوفمبر 2017، فإن حجم العنف ضد النساء والفتيات في جنوب السودان يبلغ ضعف المتوسط العالمي. وأوضح التقرير أن ما يصل إلى 65 في المائة من النساء والفتيات اللواتي أجريت معهن مقابلات، تعرضن للعنف الجنسي أو البدني.
وأخيراً، يرى مثيانق شريلو، رئيس تحرير صحيفة «الموقف» في جنوب السودان، أن موقع المرأة في المناصب السياسية يعكس «انتكاسة كبيرة للحزب الحاكم في جنوب السودان وشعاراته بشأن تمكين النساء، ويعكس في ذات الوقت تراجعاً كبيراً لمواقف الحركة التي تبدو على الأرض أنها تسير إلى الوراء بشكل واضح». ويضيف في مقال له: «لم يجد البعض إجابات وافية بشأن التهميش المتعمد لنساء الحركة في هذا التوقيت الذي يشهد تقدم صفوف بقية النساء في حركة مشار، الغريم الأساسي للحركة التي يقودها الرئيس كير».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.