الوحدة ومكابداتها... شعرياً

محمد سالم في ديوانه الفائز بجائزة «القاهرة للكتاب»

الوحدة ومكابداتها... شعرياً
TT

الوحدة ومكابداتها... شعرياً

الوحدة ومكابداتها... شعرياً

لماذا يلجأ الشاعر إلى السخرية من ذاته والتقليل من شأنها إلى حد التحقير أحياناً، هل نحن بصدد مرثية تتجاوز حدود الرثاء التقليدي، أم أنه نوع من اللعب مسكون بما هو أبعد من الفانتازيا وشطح الخيال ونوازع البوح والاعتراف، لتظل المسافة رخوة بين الذات وموضوعها، قابلة للمساءلة والحذف والبتر والإضافة أيضاً.
تطل هذه الأسئلة والهواجس بقوة وتشكل مداراً للرؤية في ديوان «سيرة رجل تافه ووحيد» للشاعر محمد سالم، الفائز بجائزة معرض القاهرة للكتاب هذا العام. ثمة فجوة من فقدان الثقة وانعدام الحوار، بين الذات الشاعرة وواقع العالم من حولها، وهو واقع متجهم، ممعن في الصمم والخواء، تغيب فيه أنفاس البشر، وتبدو مجرد صدى لذكريات متهرئة وأحلام عابرة، ولا يجد الشاعر ما يؤنس وحدته سوى أن يشاكس الأشياء، يفتش في ظلالها عن شيء يخصه، ورائحة تشبهه. ربما من خلالها يجد ما يشاركه همومه وانفعالاته ونزقه، أو على الأقل يخفف من أعباء الوحدة، ولو بالتسلية الساخرة المرة.
بهذه الروح، يعي الشاعر المشهد، ويعيشه ككرة من المطاط ترتطم بالحائط ثم ترتد إليه. وهكذا، دواليك، حتى يتعب الاثنان، أو لا يجد أحدهما ما يصنعه للآخر، فينسحب في هدوء مرتضياً برشاقة الهزيمة والسخرية من كل شيء. فلا بأس إذن أن يسخر من حجرته، بعد أن ضاقت بأنفاسه، وفقدت ميزتها كرحم مكاني يحتويه... يقول في مستهل الديوان، وفي نص يشكل مناط الجدارة الشعرية بين نصوصه وصفحاته التي تزيد على المائة صفحة:
«ضقتِ أيتها الحجرة
وصرتِ تثورين لأتفه سبب
فما رأيك أن أخلصك الآن من أشيائك القديمة
أو أن يلين قلبك ونقتسمها
كي يستطيع الهواء أن يجد طريقاً لرئتيكِ
ما رأيك؟
ماذا تريدين؟
المقعد؟
حسنٌ، لا أحد يزورني
ولطالما اشتكى من الوحدة
لكن احذري، ساقه المكسورة لم تتحمل همومي.
السرير أيضاً؟!
أيتها الطماعة، كيف أقنع إغفاءاتي المضطربة أن تبحث عن بديل
وماذا ستفعلين في الكوابيس التي تنخر عظمه؟!
لا بأس، احمليه
فقط حين تُخرجين الوسادة للشمسِ احرصي
كي لا يفر حلمٌ جميلٌ مر بالخطأ».
لا يسعى الشاعر إلى أنسنة الأشياء والتقاط مفارقاتها العابرة، أو تحميلها بما تنأى عنه من الدلالات والرموز، فهي محملة بكل هذا، وفقاً لوظائفها ومهامها الحياتية الواقعية، ثم إنها كائنات لها وجودها، وحيواتها الخاصة، وحيزها المكاني والزماني أيضاً، لذلك يبرز الوعي بالذات الشاعرة، وكأنها ثمرة من ثمرات اللغة والطفولة تحتاج للرعاية حتى لا تشيخ وتذبل، وتفقد نضرة الحياة، وروح المرح والسخرية.
حين تجلس على الكرسي فإنك تمارس نوعاً من الوجود المزدوج: وجود الكرسي نفسه في حيزه المكاني، ووجودك أنت المضاف إليه، كقيمة وحركة ودلالة، تتنوع بحسب المزاج، وطبيعة المشاعر العاطفية، فشتان بين هذا الوجود المضاف في حالة السأم والضجر والألم، وبينه في حالة البهجة والمرح والفرح العاطفي والسرور.
في هذا القوس، تستمر اللعبة إذن حتى آخر الشوط، آخر الملل والسأم والضجر، ربما يمتزج المشهد برقته الهاربة، أو يفيض عن شيء آخر، أكثر دلالة ومفاجأة:
الخزانة!
لكنها فارغة
ليس بها سوى صورٍ ممحوة
لم أشأ إيلام جدرانك بالمسامير كي أعلقها
حسنٌ لن أضن بها
نحصي إذن ما تبقى
التواريخ على الحائطِ!
لقد بَعُدَتْ جداً
وغدت باهتة، فلا أستطيع أن أميز الحزين من الفرِحِ
لذلك سأتركها أمانة في عنقكِ
ثم ماذا؟
أظنكِ لستِ بحاجة إلى ماكينة حلاقة صدئة
أو فرشاة أسنانٍ قديمة
ما الذي أبقيتِ لي أيضاً؟
كتباً! مرآة ضريرة!
ذكرياتٍ!
ألا ترين أنها قسمة ضيزى
خذي كل شيء وانزعي السلاسل
أستطيع أن أحمل العتمة بعيداً
أعصب عينيها كي تتوه
وألقيها لأول مقلب للقمامة
أو أربطها بحجر وأقذفها إلى البحر
فقط دليني على الباب
كان هنا باب.
رغم التعليل الخشن في «أعصب عينيها كي تتوه»، يحقق النص من خلال علاقة التوازي بين النفي والإثبات حول حقيقة وجود «الباب» في لطشة الختام نموه الدرامي بسلاسة لغوية، وحساسية شعرية شديدة الإثارة، تضعه في قلب سيمولوجيا العلامة، فالباب ليس مجرد رمز أو دلالة محددة الإطار، إنما علامة عابرة مفتوحة على إمكانية الدخول والخروج، تبلغ ذروتها فنياً بإمكانية عزل العالم ونفيه في قبضة الوحدة، داخل هذا الحيز المكاني الضيق. ما يمنح النص رحابة في المعني، والقدرة على الاتساع زمانياً ومكانياً.
تتداعي أجواء هذا النص المفتاح في أغلب النصوص، لكن بفاعلية شعرية أقل، تراوح ما بين الثقل والخفة، ونثر الحكي ونثر الشعر، فتعاود الذات الشاعرة اللعب مع نفسها ومحاولة صناعة البهجة من نثريات الحياة، متقمصة إيقاع العازف الموسيقي، ومهارة الخباز ومناخات الطفولة، ومن نافذة الاحتياج والوجع الإنساني، تطل على الوحدة، تخشى عليها من الحيرة والتسكع في الطرقات، وكأنها صديق حميم. تطالعنا هذه الأجواء في نص رقم (22) يقول فيه الشاعر:
ستخرجين للشارع أيتها الوحدة
بشعرك الأشعث
وملابسك الممزقة
وأظافرك الطويلة التي طالما نهشت أرواحنا
تسألين كل عابر
أن يرق لكِ
فيمضون
والعيال الذين مات آباؤهم تحت وطأتك
يقذفونك بالحجارة
بتعاويذ تعلمناها من الخوف نُبطل بها حيَلكِ
ونمد أصابعنا في جوفك
ننزع روحك
روحك مصاصة الدماء
كل ألاعيبك انكشفت
ستموتين وحدكِ
حتى اللعنات
لن نصبها عليك
مخافة أن تصحبكِ إلى قبرك
وتؤنس وحدتك».
تتحول السخرية هنا إلى علامة، تنشط فوق سطح الطفولة، وبقوة العلامة تتجرد الصورة الشعرية من النمطية الذهنية، وتصبح شكلاً من أشكال اللعب المغوي، وتتسع طاقة الصورة بصرياً، فهناك صوت لحركة العناصر والأشياء في النص، يدفعها إلى تمثل حسية أبعد، مفتوحة على براح الحواس، كما تتسع المسافة بين الدال والمدلول، وتصبح مسرحاً للعب بين الذات وموضوعها، كأنهما في صراع مكشوف، من أجل أن تبقي حرية النص هي التي تحدد ضربتي البداية والنهاية. يطالعنا ذلك في نص رقم (2) مشكلاً عتبة تمهيدية لهذا النمو الساخر المرح... يقول الشاعر فيه:
«أنا صانع البهجة الذي كلما فرغتُ من العمل
أجمع صغاركم
أصنع لهم عرائسَ العجين
وغابة لا تأكلهم وحوشها
الغابة التي يصنعها المجانين
أصنع لهم آباء طيبين
ظهورهم مستقيمة
وأمهات بعيون لم يطفئها الحزن»
لا تنفصل الأنثى المفتقدة برمزيتها المتنوعة عن هذه الأجواء أيضاً. فتنعكس عليها ما تخلفه الوحدة من وحشة، ويبدو حضورها دائماً كأنه غياب يشبه الحضور. بل كأن الوحدة أنثى... يقول في نص رقم (4):
«الأمر ليس بهذه البساطة
أستيقظ فلا أجدكِ
أمور كهذه لم تعد تناسبكِ
ولا أظنك على سفر
أو – لا قدر الله - قد هربتِ
أحذيتك بكاملها
ولم تتركي - مثل هاربات الدراما - ورقة
ولم تكتبي
لم تكتبي
ما الذي كنت ستكتبين لو أنك فعلتِ
(تركت لك عكازة أبيك)
مثلاً؟
أبي أضاعها
تعلمين كان يهش بها على غنمه
حاصرته الذئاب وانقضت على عكازتيه
فآوى إلى ركن قصي وبكى».
لكن، يشوب حضور الأنثى نظرة أحادية، فغالباً ما تتحول الى مرآة تنعكس عليها الأشياء كما ترسمها الذات الشاعرة وتريدها وتتمناها. لذلك تبدو حريتها وصورتها محددتين مسبقاً، وصدى لصوت الشاعر، لا تنفك عن ذكرياته وأحلامه وصراعاته المتوهمة، كما لا تسعى النصوص إلى اكتشاف ما يكمن وراء هذه الصورة، بل تصفها وكأنها المسئولة عن خراب العالم: (أنتِ لا تحبين إلا نفسكِ/ قاسية وبلا قلب تقريباً/ تعلمين أن طاغية يعتقل الآن بلداً بكامله/ كل يوم يجرهم في طوابير). ومع ذلك لا يتمنى الشاعر سوى أن تموت بعده بدقائق، لأنه يكره الوحدة والظلام... كما في نص رقم (34):
«ماذا تفعلين بعد موتي
بالتأكيد لن تكوني وحيدة
وتعيسة
سوف تظلين كما أنت محاطة بالمحبين
ولست غبياً لأدعوك على العشاء
ثم أقترح عليك أن نتخلص من العالم
بانتحار ثنائي
فأنا أعرف أنك تحبين الحياة جداً
لذلك دعوت الله أن يلحقك بي بعد عدة دقائق
لأنني أكره الوحدة والظلام».
ورغم ذلك، يحمل الديوان طاقة شعرية متدفقة، وشاعراً له رؤيته ورائحته الخاصة، أحسب أن أعماله القادمة ستكون أكثر إثارة للدهشة والأسئلة.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.