كيف ساهم غوارديولا ومارسيلو بيلسا في قيادة إنجلترا لنهائي «يورو 2020»؟

وجود مدربين من بين الأفضل في العالم بالدوري الإنجليزي وتطويرهم لقدرات لاعبين ساعد ساوثغيت

ستيرلينغ يهز شباك الدنمارك في نصف نهائي {يورو 2020} (أ.ف.ب)
ستيرلينغ يهز شباك الدنمارك في نصف نهائي {يورو 2020} (أ.ف.ب)
TT

كيف ساهم غوارديولا ومارسيلو بيلسا في قيادة إنجلترا لنهائي «يورو 2020»؟

ستيرلينغ يهز شباك الدنمارك في نصف نهائي {يورو 2020} (أ.ف.ب)
ستيرلينغ يهز شباك الدنمارك في نصف نهائي {يورو 2020} (أ.ف.ب)

بدأت رحلة رحيم ستيرلينغ نحو القمة بمكالمة هاتفية. فبينما كان المنتخب الإنجليزي يشارك في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2016، كان ستيرلينغ يمر بأسوأ تراجع في مستواه على الإطلاق، وكان يتعرض لهجوم عنيف من وسائل الإعلام والجماهير الإنجليزية، ولم يكن يشارك بشكل منتظم مع ناديه مانشستر سيتي. ورغم أن الكثيرين كانوا يطالبون باستبعاد ستيرلينغ في ذلك الوقت، فإن مديره الفني الجديد جوسيب غوارديولا لم يكن كذلك، حيث اتصل المدير الفني الإسباني بلاعبه البائس وطمأنه على مكانه في التشكيلة الأساسية للفريق وبدأ في وضع خطة لإعادته إلى مستواه السابق.
وبطريقة ما، كان أول هدف يحرزه ستيرلينغ مع المنتخب الإنجليزي في يورو 2020 تتويجاً لتلك الخطة. فعندما ركض كالفين فيليبس نحو خط دفاع كرواتيا على ملعب ويمبلي، اكتشف ستيرلينغ الفجوة الموجودة في خط الوسط واندفع نحوها. ولم يكن ستيرلينغ يتحرك بهذه الطريقة في بداية مسيرته الكروية، لكن غوارديولا شجعه على تركيز تحركاته لتكون بشكل مباشر نحو المرمى، وبالتالي أصبح ستيرلينغ أكثر وعياً ويقظة بهذه الفجوات في خطوط الفرق المنافسة، كما أصبح أكثر مهارة في توقيت الجري لاستغلال هذه الفجوات.
وحتى في استقبال ستيرلينغ لتمريرة فيليبس، يظهر تأثير غوارديولا واضحاً مرة أخرى. ففي السابق، كان ستيرلينغ يتحكم في مثل هذه التمريرات بخارج قدمه حتى لا يقطعها لاعبو الفرق المنافسة، لكنه كان يتحرك على الأطراف ويضيع الكثير من الوقت. لكنه الآن، يستقبل الكرة بشكل رائع وينهي الهجمة بلمسة بسيطة وسهلة، ويتحرك بشكل استثنائي، وهو الأمر الذي يجعله الآن واحداً من أفضل اللاعبين الإنجليز.
بعدما مر مرور الكرام بمشاركاته الثلاث السابقة في بطولة كبرى، فرض ستيرلينغ نفسه نجم إنجلترا في مشاركته الكبرى الرابعة، لينسي بذلك الجمهور الإنجليزي خيبة الخروج من دور المجموعات لمونديال 2014، وبعدها بعامين الخروج من دور الـ16 كأس أوروبا 2016 على يد أيسلندا. وكان ستيرلينغ من أكثر اللاعبين عرضة للانتقادات بعد خيبة الخروج من تلك النهائيات، لدرجة أنه وصف نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي بـ«المكروه» مع اضطراره إلى التعامل مع القصص السلبية التي صدرت بشأنه في وسائل الإعلام، منتقدة أسلوب حياته وأموراً أخرى.
لم ينس ستيرلينغ الطريقة التي عومل بها من قبل الصحافة. وفي 2018، وبعد أشهر من مساعدة إنجلترا على الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم من دون أن يتمكن من الوصول إلى الشباك، تعرض للإهانة العنصرية أثناء اللعب مع مانشستر سيتي في ملعب تشيلسي.
واستخدم ستيرلينغ «إنستغرام» لتحدي المؤسسات الإعلامية في تصويرها للاعبين السود الشباب، معتبراً أنها تغذي «العنصرية والسلوك العدواني». ورغم أنه لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، يعتبر ستيرلينغ من عناصر الخبرة في المنتخب الإنجليزي مع 65 مباراة دولية في جعبته حتى الآن، وهو يمثل الشجاعة والضمير الاجتماعي الذي جعل فريق ساوثغيت يحظى بالاحترام داخل وخارج الملعب.
دعونا نتفق على أنه لا يوجد منتخب في العالم يعمل بمعزل عما يحدث في الأندية التي يلعب بها لاعبوه، وأنه لا يوجد لاعب يتحسن ويتطور بمفرده. صحيح أن المدير الفني الحالي للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، يعمل على بث الحماس في نفوس لاعبيه ويضع الخطة المناسبة للمباريات، لكن الوقت الذي يقضيه ساوثغيت مع هؤلاء اللاعبين، حتى أولئك الذين لعبوا تحت قيادته في الفئات العمرية المختلفة للمنتخب الإنجليزي، هو وقت قصير.
وبالتالي، يمكننا أن نقول، من نواح كثيرة، إن المنتخب الحالي لإنجلترا يدين بالكثير لغوارديولا وماوريسيو بوكيتينو ومارسيلو بيلسا ودييغو سيميوني، مدربي أندية النخبة الذين طوروا مهارات وقدرات اللاعبين على مدى شهور وسنوات على أرض التدريب.
ويعد كايل ووكر مثالاً آخر على اللاعبين الذين تطور مستواهم بشكل ملحوظ تحت قيادة غوارديولا. لقد أصبح ووكر، عندما كان يلعب في صفوف توتنهام تحت قيادة بوكيتينو، أحد أفضل الظهراء في أوروبا من الناحية الهجومية. لكن غوارديولا كان لديه رؤية مختلفة تماماً، وبالتالي تحول ووكر خلال المواسم القليلة الماضية إلى آخر خط دفاع للفريق بفضل سرعته الفائقة وذكائه في التحرك والتمركز.
وقد رأينا ذلك بصورة عملية داخل الملعب بعد مرور تسع دقائق من مباراة الدور نصف النهائي ضد الدنمارك، عندما مرر توماس ديلاني الكرة إلى الظهير الأيسر يواكيم ماهل، الذي تقدم بالكرة ليجد ووكر يطارده بسرعة هائلة ويستخلص الكرة منه في نهاية المطاف. إن قدرة ووكر على إفساد الهجمات المرتدة للخصم - وهي المهارة التي اكتسبها بشكل كبير خلال وجوده مع نادي مانشستر سيتي تحت قيادة غوارديولا - أصبحت مهارة لا غنى عنها في الطريقة التي يعتمد عليها ساوثغيت مع المنتخب الإنجليزي.
ويمكنك أن نحكي الكثير من القصص المماثلة للكثيرين من لاعبي المنتخب الإنجليزي. فعلى سبيل المثال، بدأ كيران تريبيير التألق مع نادي توتنهام، لكنه ارتقى إلى مستوى جديد تحت قيادة سيميوني في أتلتيكو مدريد، فلم يعد مجرد ظهير جيد، لكنه أصبح قائداً وأحد أفضل العقول التكتيكية الأكثر ذكاءً في الفريق. وعلاوة على ذلك، تطور مستوى لوك شو في مانشستر يونايتد تحت قيادة المدير الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير، الذي شجعه على القيام بالواجبات الهجومية بشكل أفضل.
وينطبق الأمر نفسه أيضاً على بوكايو ساكا في آرسنال تحت قيادة ميكيل أرتيتا، الذي دفع به في البداية في العديد من المراكز المختلفة، قبل أن يقرر في نهاية المطاف الاعتماد عليه في الثلث الأخير من الملعب لاستغلال مهاراته في تفكيك دفاعات المنافسين. ويمكننا هنا أن نطرح هذا السؤال: كم عدد المديرين الفنيين الذين كان يمكنهم بناء خططهم الهجومية على مهاجم غير معروف يبلغ من العمر 21 عاماً، كما فعل بوكيتينو مع هاري كين في موسم 2014 - 2015؟ إن الجين المشترك الذي يمر عبر العديد من هؤلاء اللاعبين، هو وجود مدير فني قدير يساهم في تطوير قدراتهم وإمكانياتهم، مثل بوكيتينو وغوارديولا وسيميوني، وغيرهم، الذين يتحدثون بصراحة عن تعلمهم الكثير من المدير الفني الأرجنتيني القدير مارسيلو بيلسا وأفكاره.
وفي حين أنه من المبالغة أن نصف المنتخب الإنجليزي بقيادة ساوثغيت بأنه منتخب مارسيلو بيلسا، فإن المدرسة التدريبية لبيلسا - التحلي بالشجاعة عند امتلاك الكرة والتمرير السريع والسلس، والتسامح مع الأخطاء الفردية، والتركيز على التحولات السريعة والنهج القاسي للياقة البدنية - واضحة بشكل كبير للغاية، ليس في منتخب إنجلترا فقط وإنما في معظم المباريات على مستوى النخبة، وبالتحديد بالطبع في كالفين فيليبس، لاعب خط وسط ليدز يونايتد الذي أصبح القلب النابض للمنتخب الإنجليزي تحت قيادة ساوثغيت.
ومن الصعب للغاية الآن أن تجد منتخباً يلعب بهوية واضحة تميزه عن الآخرين، حيث بات هناك تشابه بين الجميع الآن، وخير مثال على ذلك أن جميع لاعبي الأرجنتين والبرازيل، باستثناء لاعب واحد أو اثنين، في المباراة النهائية لكأس أمم أميركا الجنوبية (كوبا أميركا) يلعبون في أوروبا. لقد أصبحنا جميعاً رأسماليين عالميين الآن، ندور بشكل أكثر إحكاماً حول البطولات الكبرى في أوروبا الغربية وجاذبيتها التي لا مفر منها.
لذلك، بالنظر إلى نفوذ الدوري الإنجليزي الممتاز وجودة المديرين الفنيين الذين يمكن جذبهم لهذه المسابقة، فربما كان من المنطقي أن يؤدي ذلك إلى أن تصل كرة القدم الإنجليزية إلى القمة في نهاية المطاف. هذا لا ينقص أي شيء من قيمة ساوثغيت أو البنية التحتية الرائعة في مركز «سانت جورج بارك» أو اللاعبين أنفسهم. لكنني أود أن أشير ببساطة إلى أنه في عالمنا المتصل بلا حدود، فإن ما نعتقد أنه نجاح إنجليزي أو موهبة إنجليزية أو استثمار إنجليزي قد يأتي من مكان آخر!



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.