سرديات السجن والترويع الجسدي

بولص آدم يقدم مثالاً لها في «باصات أبو غريب»

سرديات السجن والترويع الجسدي
TT

سرديات السجن والترويع الجسدي

سرديات السجن والترويع الجسدي

من بديهيات السرد والنقد أن الأمكنة عنصر مهم من عناصر العمل السردي، وهي في دراسات ما بعد الحداثة موضوع من الموضوعات الفكرية المكتنزة بالدلالة وذات الأثر العميق في الحيوات الإنسانية المختلفة مما تجلى في كتابات باشلار وكشوفات فوكو من بعده. وفي القصة القصيرة تتجلى مشاهد السرد من خلال المكان المختار مسرحاً لتجسدها، مبرزة تفاصيلها وحيثيات دلالاتها وما يتبلور عنها من معالجات جمالية.
وكلما كان المكان محدداً كان التعاطي السردي مع الأحداث وتوجيه القصص أكثر تركيزاً وعمقاً. وإذا كان السجن بوصفه مؤسسة انضباط وعقاب هو أكثر الأمكنة تمثيلاً للترويع والترهيب بسبب ما فيه من انغلاق وعزلة، فإنه أيضاً الأكثر مداً بالأفكار التي تصلح أن تكون قصصاً مكثفة بالدرامية وغنية بالرمزية. وهذا التلاؤم بين الضيق المكاني والتكثيف الدرامي إنما يناسبه جنس القصة القصيرة. ورغم ذلك، فإن استثمار السجن قصصياً كمنطلق للأحداث ما زال قليلاً إن لم نقل نادراً لدى غالبية قصاصينا.
لعل السبب يكمن فيما تتطلبه واقعية السجن من معايشة حقيقية للتفاصيل اليومية التي تجري داخل زنازينه وردهاته، حتى أن الاعتقاد ظل سائداً بأن من يكتب قصة موضوعها السجن عليه أن يخوض مرارة الحبس ويذوق ويلات الاعتقال ومآسيه، وعندها فقط يتمكن من تحويل لحظة ما إلى مادة قصصية مشوقة فنياً وذات تأثير نفسي.
بيد أن من المهم في سرديات السجن التركيز على دلالتي السجن الواقعية والرمزية اللتين بهما نعرف أن الحبس خلف القضبان هو الحياة حين تنعدم فيها مقومات العيش. ذلك أن كلاً من السجن والحياة تتهددهما سلطتان لا مفر منهما: المراقبة التي تعني المحاسبة والتلصص والتجسس، والعقاب الذي يجعل وظيفة الحبس مضادة للحياة ونقيضاً للحرية، كما يجعل الحياة مشابهة للسجن في عدوانيته التي تستبد بالأجساد وتحطمها.
لكن كيف يوفق القاص بين إحساس السارد بالمراقبة وبين ممارسته القص معاقَباً على جريمة لم يرتكبها أو ارتكبها؟ وما المكسب المتصور للسارد أن يحققه وهو يحكي عن فاعلية العقوبة عند كل من المسجونين والسجانين؟
لعل من بديهيات اتخاذ السجن موضوعاً واقعياً ومكاناً سردياً أن يكون السجين هو هذا المركز الذي حوله تدور العناصر الأخرى، فيبدو السجين مثيراً للاهتمام القصصي بينما يغدو المجرم هو العنصر الأقل إثارة لهذا الاهتمام، وتكون العبودية هي العقوبة الأكثر قسوة من الموت في حسابات المفارقة ومقتضيات العقوبة. وكلما كانت لحظات العبودية مكثفة ومتراصة صار السارد أكثر وحدة وانعزالاً في تمثيل نفسه والتعبير عن محنته وحيداً حتى أن فكرة الظفر بالحياة والنجاة من العقاب ستبدو أكثر إخافة وإزعاجاً من فكرة الموت من دون عقاب.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن لا قوانين في السجن تهدد جهازه الرقابي، فإن واقعية الترويع ستغدو متحققة في الإساءات الجسدية، لأن لا قانون يضبطها كما لا روابط في أذهان المحكوم عليهم أفراداً أو جماعات تجمع بين المعاقبة على الجريمة والإساءة للأجساد. وهو ما نجد مثاله في قصص «باصات أبو غريب» للكاتب العراقي بولص آدم والصادرة عن دار نينوى بدمشق 2021 وقد استهلت بجملة خارج قصصية أو ميتاسردية دالة تقول: «مجموعتي القصصية هذه تمثل الكتاب الثالث من واقعيتي الوحشية».
وقد تعني الوحشية أن في الواقع ما هو فوق غرائبي أو تحت عجائبي أو ربما هما معاً كنوع من توكيد حقيقة الظلم الذي يطال السجين، ولا يصبح جزءاً من هندسة المكان فحسب، بل يغدو هذا المكان خارجاً على القانون كمؤسسة ليست للإصلاح ـ كما يفترض، بل للجنوح وفيها السجين إنسان إجرامي يحتاج دوماً سلطة عقابية تعيد تنظيم ذاته بالعقوبات وتقنن سلوكه بالقواعد الإجرائية.
هذه المفارقة جسدتها قصص بولص آدم التسع وفيها المكان واحد هو السجن والأجساد الآدمية فيه تتعرض إلى إيذاء واعتداء وإهانة وكأن الحياة هي السجن الذي لا هروب منه إلا إليه، ولا مخرج منه إلا بالدوران حوله. وهذا وحده عقاب فرضه السارد على نفسه مراقباً التجاذب الجسدي بين المتضادات ورائياً كل جسد وهو ينال عقاباً لا نهائياً مقابل الفعل الذي قام به.
وهو ما واجهه السارد السجين في قصة «العنقرجي» نائباً عن المسرودات، يتحدث بلسانها ككائنات ليست آدمية لا تعرف أن تتحرك إلا بأمر السجان (كنا خلف مطبخ السجن ننتظر السجان ليعيدنا ثانية إلى الزنزانة السابعة) ص35.
وإذا كان الإنسان مجرداً عن الفعل، فذلك يعني أنه خارج آدميته، وقد نجح السارد العنقرجي في التعبير عن هذه اللاآدمية رمزياً بالكلب الذي تتكرر صورته داخل القصة (يتربع كومة قشور البطاطا على حافة المزبلة) أو(عاد السجين إلى محله وهو يشيع الكلب بأرق النظرات وأحنها... انتصب الكلب هز ذيله ونبح) أو(لا تهتم هو مجرد كلب)، أما كلمة حيوان فلفظ يشعر السارد السجين بأنه في ظروف أخف كثيراً من غيرها وأرحم.
وما بين المساجين والسجانين وشاة بسببهم تتحول ممرات السجن وحجراته إلى أياد تصفع وأفواه تشتم وآذان تتجسس وتغدو النشرة الإخبارية نشرة إجبارية وتكون فكرة البقاء في الحبس مثل رواية طويلة من الثرثرة لا بد أن تكون لها نهاية.
حتى إذا أُطلق سراح العنقرجي وأُعطي كيس الجوت الذي يحوي أشياءه تكون المفارقة أن الإفراج ليس هو الحرية فلقد شاهد السجان يأتي معه إلى كراج السيارات، وهنا يقرر السارد الذهاب إلى النهر، مخرجاً قطعة الخبز ومطعماً إياها للنوارس (أخرجت الخبز الجاف وضعته قربي انتظرت النوارس ورحت في سابع نومة) (ص 38)، وهو ما يواجهه أيضاً رحيم في قصة «حدث ذات مرة في الممر»، متصوراً السجناء مثل السردين في علب ضخمة. أما السجن فيصفه بالسينما الهندية، حيث لحظة الوصول إلى نهاية الممر لا تعني إطلاق السراح بل تعني مزيداً من الانضباط قبالة إدارة السجن. وحين أشار إليه السجان صاحب المفاتيح بالدخول إلى الزنزانة الجديدة قال رحيم: «كان الحلم وهما وتلك أقسى لحظة» (ص 42).
ومثلما أن السجون أعدت للمعاقبة (لا للإصلاح) تغدو الحياة دستوبيا من الترهيب الجماعي بصور تحفر في الذاكرة كالوشم حتى لا نكاد نميز فكرة الجريمة عن فكرة العقاب والقصاص. وهو ما تؤكده قصة «صندوق بنيامين»، حيث الحياة تلخصها الذاكرة التي هي صندوق ينبغي ألا نغامر بفتحه (كي لا نصطدم بحقيقة كونه فارغاً، وتنتهي حكاية تلك الأشياء التي نعتقد بأنها في صناديقنا) (ص 43)، ويغدو الجنون وحده حافزاً لبنيامين على الاستمرار بطقسه الجنوني مع صندوقه، وهو يغالب الآخرين على عدم فتحه، عارفاً أن الصرخة في داخله إذا انفجرت كانت لغماً.
بينما الحياة في قصة «طعنة غامضة» عراك بالسكاكين لا بد فيه من غالب طاعن. وبالفعل طعن زياد الخائن سبهان على مرأى من الحارس وبرج المراقبة. فالسجن هو الحياة ظلاماً وعنفاً وكراهيةً وحبساً حتى ما عاد هناك فرق بين أن يكون الموت في الهواء الطلق أو في سجن انفرادي.
ولأن السجن تجسيد مادي للسلطة العقابية وطريقة رقابية للسيطرة على الأجساد، تساءل ميشيل فوكو: هل السجن مدينة عقابية أو مؤسسة إكراهية؟ وأجاب أن السجن عقاب والغاية من ورائه اثنتان: الأولى إشراك الجميع بعدو اجتماعي واحد، والثانية جعل ممارسة العقاب علنية ورسمية غير مقننة بموجب التشريع بل هي استراتيجية إصلاح مهددة بالانفراط. وهو ما نجد تمثيله واضحاً في قصة «باصات أبو غريب» التي اتخذت المجموعة منها اسمها، وفيها تظهر ثلاثة فواعل: السجان والمساجين والساحة الرصاصية، الأولان يتحركان عليها بتضاد، والثالثة منضبطة بالتضاد الذي يغلب العقاب.
وبرغم محاولة الشخصيتين أنويا وسمير الحلاوي التمرد على هذا الانضباط بأن تخيلا باصات تهبط من السماء تنقل المساجين إلى بيوتهم مباشرة (اصعد أخي استعجل نفر واحد بغداد، بغداد) بيد أن الانضباط سيطر على مشهد التجمع الصباحي في الساحة. لهذا (فضل السجان إبقاء يديه دافئتين في جيبه واكتفى بالقول: اجلس يا حيوان) (ص 50) فساحة السجن ضبطت إيقاع الأحداث لوحدها مكررة مشهد التجمع مجدداً، وكأن شيئاً لم يكن.
والتهميش هو الذي يجعل الانضباط الجسدي فعالاً، تارة باقتران الجسد بالعزل في حجرة، وتارة أخرى باقتران الجسد بالحركة في الساحات والصفوف. وبهذا تتم السيطرة على الجسد المفرد كعنصر لا أهمية لوضعه وتحريكه وإعادة تنظيمه سوى الموقع الذي يشغله والفسحة التي يغطيها وضرورة أن تجري تنقلاته بانتظام وترتيب جيدين، كما في شخصية صاحب «العلاكات» ذي الاسم الحركي (تعبان) الذي خُفض حكمه من الإعدام إلى المؤبد فصار دائم الإثارة لإشاعات العفو العام وكذلك شخصية «دعير» مطرب السجن الذي كان يبكي وهو يغني وشخصية «محمود الذهبي» حائك الكيوات الذي ظل يراقب الحمامة من شق سقف السجن وهي مستغرقة في صنع عشها فراح يحترف صنع الحكايات ويكتبها لرفاق السجن، وشخصية سامر في قصة «موجات إذاعية» الذي مات في السجن ولم ينفعه تاريخ والده عامر سائق القطار الذي أنقذ مساجين كان من الممكن أن يموتوا في القطار المتوجه بهم إلى سجن السماوة.
إن هذا التهميش والتفتيش والمراقبة والإشراف وسائل تزيد من دور السجن في توجيه العقاب سواء بعزل السجين عن العالم الخارجي أو بحرمانه من الحرية، وتجعل السجن مؤسسة كاملة وصارمة ليس لها خارج كما أنها بدون ثغرة. أما الجنوح والإصلاح فتوأمان كما يقول فوكو يتكفلان بكل أوجه الفرد وحالاته كتقوية جسده واستعداده للعمل وسلوكه اليومي وموقفه الأخلاقي وكفاءاته.
ومن ثم، تكون القصة القصيرة قادرة على الإفادة مما في التاريخ الشقي للسجن من شهادات شفهية ووثائق سرية ومذكرات تسجيلية توظف كلها في سبر آفاق تاريخ سردية السجون. وهو ما قام به القاص بولص آدم ببراعة في «باصات أبو غريب».



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».