سيرخيو راموس: أقوى محاربي ريال مدريد يرحل بهدوء

لا يليق بلاعب قدم الكثير للنادي الملكي أن تنتهي مسيرته بمؤتمر صحافي مقتضب يبدو فيه مهزوماً ومنهاراً

راموس وكأس دوري الأبطال بعد الفوز على أتلتيكو مدريد في النهائي بميلان عام 2016 (أ.ب)
راموس وكأس دوري الأبطال بعد الفوز على أتلتيكو مدريد في النهائي بميلان عام 2016 (أ.ب)
TT

سيرخيو راموس: أقوى محاربي ريال مدريد يرحل بهدوء

راموس وكأس دوري الأبطال بعد الفوز على أتلتيكو مدريد في النهائي بميلان عام 2016 (أ.ب)
راموس وكأس دوري الأبطال بعد الفوز على أتلتيكو مدريد في النهائي بميلان عام 2016 (أ.ب)

جاء المدافع الإسباني سيرخيو راموس إلى ريال مدريد لاعباً مراهقاً، ورحل أسطورة كبيرة، بعدما قضى داخل النادي الملكي 16 موسماً، لعب خلالها 671 مباراة، وسجل 101 هدف، وحصل على 4 بطولات لدوري أبطال أوروبا. وفي الحقيقة، يجسد راموس (35 عاماً) هذا النادي بشكل لا مثيل له، لكنه رحل بطريقة لم يخطط لها، بل ربما لم يخطط للرحيل عن هذا النادي على الإطلاق!
وقد كان أول ما قاله تقريباً، في أثناء جلوسه في المؤتمر الصحافي الذي عقد في مركز التدريب بالنادي في فالديباس للمرة الأخيرة: «أود أن أقول إنني لم أرغب أبداً في الرحيل عن ريال مدريد؛ كنت أرغب دائماً في البقاء هنا». وقد تم تنظيم مراسم وداع راموس بشكل قصير، حيث اقتصر الأمر على كلمات وتصريحات قصيرة، وبضع ابتسامات قسرية، وقليل من التصفيق، أمام نحو 20 شخصاً. وكانت الغرفة فارغة تقريباً، إذ لم يكن بها سوى راموس، والمسؤول الإعلامي بالنادي إيميليو بوتراغينيو، والمصور كارلوس كارباخوسا، وجهاز تلفزيون. ولم يحضر رئيس النادي، فلورنتينو بيريز، هذا المؤتمر الصحافي، وهو ما جعل راموس يقول بحدة: «ربما كان من الجيد أن يكون هنا؛ كانت ستتاح له الفرصة للتحدث إذا كان لديكم مزيد من الأسئلة».
ومن الواضح أن بيريز لم يكن يرغب في الظهور علناً في هذه المناسبة، وهناك سؤال يجب طرحه قبل كل شيء: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ لقد اعترف راموس بأنه أخطأ هذه المرة في أثناء المفاوضات الخاصة بتمديد عقده مع النادي، وأنه لم يدرك ذلك حتى فوات الأوان. ويمكن القول إن أكثر عبارة رددها راموس كانت «الموعد النهائي للرد على العرض المقدم». لقد كان هناك موعد نهائي للرد على العرض، وهو ما لم يلتزم به راموس، وشقيقه وكيل أعماله رينيه، أو ربما لم يعتقدا أن هذا الموعد النهائي سيكون مهماً حقاً بالنسبة للاعب في مكانته. ومن المؤكد أن الأمور لم تكن لتسير بهذه الطريقة في ظروف مختلفة.
ووفقاً لراموس الذي قال في عام 2019 إنه يريد الاعتزال في ريال مدريد حتى لو «لعب مجاناً»، لم يكن الأمر يتعلق بالمال، لكنه كان يتعلق بمدة العقد، فقد عرض عليه النادي عقداً جديداً لمدة عام واحد، مع تقليص راتبه الحالي بنسبة 10 في المائة بسبب التداعيات المالية لفيروس كورونا، لكن راموس كان يريد أن يمتد العقد لمدة عامين من أجل استقرار عائلته. وأشار راموس إلى أن رفض هذا العرض «لم يكن رفضاً نهائياً»، بل كان «جزءاً من المفاوضات». كما اعترف بأنه طلب من ريال مدريد المضي قدماً و«التخطيط من دوني»، لكنه أكد أن ذلك لم يكن إعلان خروج أيضاً، لكنها كانت طريقة للقول إنه «لا أحد أهم من النادي»، ولا حتى هو.
وفي غضون ذلك، تعاقد ريال مدريد مع ديفيد ألابا، وبدأت وسائل الإعلام تتحدث عن اهتمام كثير من الأندية بالتعاقد مع راموس. ولم يقدم ريال مدريد عرضاً ثانياً لراموس الذي لم يشارك في كثير من المباريات في عام 2021 بسبب الإصابة، وتم استبعاده في نهاية المطاف من قائمة منتخب إسبانيا في بطولة كأس الأمم الأوروبية 2020. وبالتالي، لم يكن في موقف قوي، ولم يقدم ريال مدريد عرضاً أفضل، كما توقفت الاتصالات بين الجانبين تقريباً، ولم يكن هناك سوى شعور بعدم الثقة بين الطرفين. وعندما عاد راموس أخيراً إلى ريال مدريد ليقول إنه سيقبل بالعرض المقدم له لعام واحد، كان النادي قد سحب العرض المقدم له لأن الموعد النهائي للرد على العرض كان قد انتهى! من المؤكد أن ريال مدريد كان بإمكانه تقديم العرض مرة أخرى لو كان يرغب في ذلك، وبالتالي فمن المنطقي أن يشك راموس في رغبة النادي من الأساس في التجديد له، لكن الرد كان بارداً للغاية من النادي، حيث قال: «لم يعد العرض مطروحاً على الطاولة؛ لقد انتهى الأمر».
وكانت إذاعة «أوندا سيرو» قد أشارت إلى أن الموعد النهائي لرد راموس على العرض المقدم من ريال مدريد كان في شهر مارس (آذار) الماضي، لكن المدافع الإسباني المخضرم قال: «لم يخبرني أحد بوجود موعد نهائي للرد؛ لقد اعتقدت أنه كان جزءاً من المفاوضات، ولا أعرف لماذا تم وضع موعد نهائي للرد دون إخطاري به. ربما أسأت الفهم، لكنني لم أعرف شيئاً عن هذا الموعد النهائي للرد، وكنت متفاجئاً. لقد قالوا لي إنه لم يعد هناك عرض، وإن الأمر قد انتهى».
وعلى الرغم من أن الطرفين سينفصلان، فقد انهمرت الدموع من راموس بعد أن استعاد ذكريات 16 عاماً قضاها في سانتياغو برنابيو، وقال: «حضرت اليوم الأول مع والدي وشقيقي؛ كنت أبلغ 19 عاماً، مجرد طفل. والآن، لدي عائلتي المذهلة، زوجة وأربعة أطفال»، وأضاف: «وصلت إلى هنا مع عائلتي، وسأتركه مع عائلتي التي كانت دائماً موجودة معي... شكراً لهم لأنهم كانوا إلى جانبي في نجاحاتي وإخفاقاتي. وشكراً لكل شخص حرص على الاحترام، وفي بعض الأوقات على تشجيعي». وأكد: «أود أيضاً أن أشكر الجماهير؛ لسوء الحظ ليس ممكناً بالنسبة لكم الوجود هنا... دائماً سيكون لكم مكان في قلبي».
هكذا، انتهت مسيرة المدافع الإسباني العملاق مع النادي الملكي بعد مسيرة امتدت لـ16 موسماً. لقد بدا الأمر مفاجئاً، لكن كانت هناك بعض المؤشرات على هذا الانفصال. ففي عام 2015، أخبر راموس بيريز بأنه يرغب في الرحيل إلى مانشستر يونايتد، لكن إيكر كاسياس كان قد رحل للتو بطريقة مؤلمة، وبالتالي لم يكن رئيس النادي يرغب في رحيل راموس أيضاً. وقال بيريز، آنذاك، إنه إذا رحل راموس، فإنه سيضطر إلى الرحيل خلفه!
لكن من الواضح أن راموس كان يفتقر إلى الجرأة لإجبار النادي على السماح له بالرحيل، وقد اتضح بعد ذلك أن قرار البقاء كان أفضل له، حيث أصبح قائداً للفريق، وتوج بدوري أبطال أوروبا للسنوات الثلاث التالية على التوالي. لكن في عام 2019، طلب راموس من بيريز السماح له بالانتقال إلى الصين مجاناً. وقال الرئيس علناً إنه لا يستطيع فعل ذلك، ودعا أي ناد يرغب في الحصول على خدمات راموس إلى تقديم عرض للنادي، وقام في نهاية المطاف بتمديد عقد راموس لفترة أخرى.
لكن هذه المرة، لم يكن هناك طريق للعودة، وربما يعود السبب جزئياً في ذلك إلى ما حدث في المرات التي أشرنا إليها عندما كان راموس يرغب في الرحيل. ويتحدث راموس عن علاقته ببيريز بأنها مثل علاقة «الأب والابن»، وأشار إلى أنه حتى «العائلات تشهد بعض النقاشات والخلافات»، لكن من الواضح أن العلاقة بين الطرفين قد شهدت بعض التوترات في الآونة الأخيرة، حيث كان الرجلان اللذان يتمتعان بمكانة كبيرة داخل النادي يشكلان بشكل ضمني (وأحياناً بشكل صريح) تهديداً أحدهما للآخر. وقد اندلعت تلك الصراعات على الملأ في الصحافة، ولم يتم نسيان هذه الخلافات حتى في أفضل اللحظات. وأشار راموس مراراً وتكراراً إلى أنه لا يريد أي مواجهة الآن.
لكن يجب الإشارة إلى أن راموس قد فاز بـ22 بطولة، كما قاد المنتخب الإسباني للفوز بكأس العالم، والفوز بكأس الأمم الأوروبية مرتين، ويعد أكثر اللاعبين مشاركة في المباريات الدولية بقميص المنتخب الإسباني (برصيد 180 مباراة). وعلاوة على ذلك، فإن أهمية راموس لا تقتصر على ما يقدمه داخل المستطيل الأخضر، لكنها تمتد إلى ما هو أكثر من ذلك، فهو رمز كبير، سواء لريال مدريد أو منتخب إسبانيا. وعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، كان راموس ركيزة أساسية في صفوف ريال مدريد، ومن المؤكد أن الأمر سيختلف تماماً عند رؤيته بأي قميص آخر. وقد اعترف راموس بأنه لم يحدد إلى أي مكان سيذهب حتى الآن. وقد قال المدير الفني السابق لريال مدريد زين الدين زيدان، ذات مرة، ملخصاً الأمر: «القيم مهمة للغاية، والقيمة الرئيسية لهذا النادي هي الالتزام، وبذل أقصى جهد ممكن لتحقيق الفوز. وقائدنا راموس يجسد ذلك أفضل من أي شخص آخر، فهو يتمتع بهذا الالتزام وهذا النبل».
وعند نقطة ما في حفل الوداع، أشار راموس إلى «ماركة راموس»، لكي يؤكد أنه يقوم بكل شيء «بشكل كامل»، ويبذل قصارى جهده من أجل الفريق الذي يدافع عن ألوانه. وقال المدافع الإسباني المخضرم: «يعرفني الناس جيداً لأنني لم أخلق دوراً لكي ألعبه، لكنني ألعب كما أنا بطبيعتي»، لكن الحقيقة أن هناك شعوراً بأن راموس قد خلق دوراً خاصاً به أيضاً، فهو لاعب يختلف تماماً عن الآخرين، من حيث الأداء الشرس داخل الملعب، والمكانة الكبيرة التي صنعها لنفسه على مدار سنوات طويلة، وثقته بنفسه وقدراته وإمكانياته. أما خارج الملعب، فإنه يمتلك شخصية مرحة أقل جدية مما يعتقده كثيرون. وتشير الإحصائيات إلى أنه اللاعب الأكثر مشاركة في المباريات، كما أنه الأكثر حصولاً على البطاقات الحمراء أيضاً.
قد لا يكون هناك أي لاعب آخر يتمتع بقوة شخصيته وقيادته وشراسته داخل الملعب وتحمله للمسؤولية. وخلال الفترة التي غاب عنها الجمهور عن الملاعب بسبب تفشي فيروس كورونا، كان يمكنك بسهولة أن تسمع صوته يتردد في أنحاء الملعب وهو يوجه التعليمات لزملائه، حتى لو كان يجلس على مقاعد البدلاء ولا يشارك في المباريات. كل هذه الأمور تجعل نهاية مسيرة راموس مع ريال مدريد بهذا الشكل غريبة للغاية، فلا يليق بهذا اللاعب الأسطورة الذي قدم الكثير للنادي الملكي أن تنتهي مسيرته في غرفة فارغة، ومؤتمر صحافي مقتضب، في الوقت الذي يبدو فيه مهزوماً منهاراً، على غير عادته.
لقد اعتدنا رؤيته على مدار فترة طويلة وهو يطوع كل شيء لإرادته داخل المستطيل الأخضر، كما أنه كان صاحب أهم لحظة في تاريخ ريال مدريد، عندما سجل هدفاً قاتلاً برأسية متقنة في الدقيقة 92.48 في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2014. وفي النهاية، يجب أن نشير إلى أن راموس لديه وشم على ضلوعه مكتوب عليه «أنا سيد مصيري»، لكن يبدو أنه لم يكن كذلك هذه المرة! والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الخطوة التالية لراموس بعد الرحيل عن ريال مدريد؟ ارتبط راموس بأندية مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وباريس سان جيرمان وإشبيلية، وحتى برشلونة. وفي الوقت الذي كشف فيه راموس قدراً ضئيلاً عن خططه، كانت مسألة انتقاله إلى برشلونة غير واردة، فيما من غير المحتمل أن يعود إلى النادي الذي شهد بدايته، وهو إشبيلية.
وأوضح راموس خلال المؤتمر الصحافي القصير: «يتعين علينا أن ننظر إلى أندية أخرى. في يناير (كانون الثاني) الماضي، تلقيت عروضاً من أندية أخرى؛ لقد تلقينا مكالمات، لكنني لم أرغب أبداً في المغادرة، وكنت صريحاً في ذلك». وتابع: «لكننا الآن نتطلع لفريق جيد؛ لقد استمتعت بوقتي مع إشبيلية؛ إنه ناد صباي، لكنني لا أعتقد أن إشبيلية ينظر إلى راموس، ولا أعتقد أن راموس ينظر إلى إشبيلية». وبالحديث عن برشلونة، قال راموس: «لا، لن أوقع لبرشلونة؛ هذا مستحيل».
ولا توجد سوى القليل من الأندية الأوروبية التي تستطيع تحمل راتبه الذي قالت صحيفة «ماركا» إنه يصل إلى 12 مليون يورو سنوياً. وربما يكون باريس سان جيرمان هو المكان المناسب لراموس، وبالتأكيد يمكن للفريق الفرنسي الاستفادة من قوة شخصية وخبرة اللاعب الحاصل على لقب دوري أبطال أوروبا 4 مرات لقيادته إلى اللقب القاري. كما أن مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي من الفرق الإنجليزية القليلة التي تستطيع تحمل راتبه المرتفع. لكن سيتي يملك دفاعاً قوياً، وربما يعاني اللاعب الإسباني في أسلوب لعب المدرب جوسيب غوارديولا.
وقد دخل راموس في مفاوضات مع يونايتد في 2015، قبل أن يقرر البقاء في ريال مدريد. وعلى الرغم من أن راتبه ما زال كما هو، فإنه أكبر بستة أعوام، وهناك كثير من الشكوك بشأن حالته البدنية. وقد قال مانويل فلوريس الذي يعيش في إشبيلية، حيث نشأ راموس، إن باريس ربما هي المدينة المناسبة للمدافع الإسباني أكثر من مانشستر لقربها من إسبانيا، حيث تعمل بيلار روبيو (زوجة راموس) مقدمة في التلفزيون.
وأضاف فلوريس: «لا أعتقد أنه سيذهب إلى إنجلترا». وعلى الرغم من شعوره بالفخر لنشأته في المدينة مثل راموس، أشار فلوريس إلى أن المدافع الحاصل على كأس العالم 2010 لم يعد محبوباً مثل الماضي بعد رحيله عن أشبيلية إلى ريال مدريد في 2005. ومع محاولة وسائل إعلام معرفة رأي السكان المحليين في إشبيلية بشأن راموس، كانت هناك حالة من عدم الاكتراث. وقال فلوريس إنه يتمنى عودة راموس إلى إشبيلية، لكن اللاعب قطع الطريق أمام هذا الخيار في خطاب وداعه في المؤتمر الصحافي، كما استبعد انضمامه إلى برشلونة، غريم ريال مدريد. وأكد: «يمكنني نفي ذلك بشكل قاطع، لذا يمكنكم الشعور بالراحة».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.