{قميص سياسي} يؤكد أن «يورو 2020» أكثر من مجرد بطولة كروية لأوكرانيا

الخريطة الموجودة على قميص اللاعبين تشمل شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا

TT

{قميص سياسي} يؤكد أن «يورو 2020» أكثر من مجرد بطولة كروية لأوكرانيا

ينص القانون الرابع من قوانين «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)» لعام 2020 - 2021 صراحة على أنه: «يجب ألا تحتوي الأدوات الرياضية أو أي شيء يتعلق بالرياضة، على أي شعارات أو بيانات أو صور سياسية أو دينية أو شخصية». في الحقيقة؛ يبدو هذا القانون واضحاً بما فيه الكفاية، فهو ينص صراحة على أنه لا وجود لأي شيء سياسي. لكن على عكس ذلك؛ تحمل كل جوانب اللعبة إشارات سياسية، فـ«دقيقة الصمت» قبل المباريات تكون سياسية، والنزول على الركبة قبل المباريات يحمل إشارة سياسية؛ رغم أنه ليس بالمعنى الذي ينذر بنهاية العالم الماركسي، كما يشير بعض النقاد والمتحدثين الأكثر سخافة! كما أن ارتداء قمصان عليها زهرة الخشخاش يعدّ أمراً سياسياً.
وتحدث هذه الأشياء بشكل خاص في البطولات التي تضم المنتخبات الوطنية؛ نظراً لأن الدول سياسية، فكل اختيار للصور يتم من قبل ممثل للدولة هو بالضرورة أمر سياسي، حتى لو كان هذا التسييس يكمن فقط في تجنب الأمور السياسة الأكثر وضوحاً وصراحة، مثل الأعلام والشارات والأطقم الرياضية. ويعكس اللونان الأصفر والأزرق في قميص منتخب أوكرانيا علم البلاد، الذي اشتُق في حد ذاته من ألوان مملكة غاليسيا - فولينيا في القرن الثاني عشر، ويمثل سماء زرقاء فوق حقل للقمح. قد يبدو هذا أمراً جيداً وطبيعياً للغاية، لكن بسبب تلك السهول الخصبة على وجه التحديد كانت أوكرانيا جذابة للغاية للغزاة ومن الصعب للغاية الدفاع عنها. وبسبب المجاعة التي حدثت في عامي 1932 و1933 والتي أدت لوفاة ملايين الأوكرانيين، أصبحت هناك أهمية قصوى لصورة حقل القمح.
لكن من الواضح أن «الاتحاد الدولي لكرة القدم» أو «الاتحاد الأوروبي لكرة القدم» لا يستطيعان إصدار تشريعات ضد الفرق التي ترتدي ألواناً لها معنى بالنسبة لهم، لذا؛ فإن القانون الرابع يعترف بصعوبة تعريف مصطلح «سياسي»، ويسرد أمثلة مختلفة لما يمكن حسبانه غير مناسب: إشارات إلى أشخاص، أو أحزاب، أو منظمات، أو مجموعات، أو حكومات، أو أي منظمة تمييزية، أو أي شيء من المحتمل أن تسيء أهدافه أو أفعاله إلى عدد كبير من الأشخاص؛ أو أي عمل أو حدث سياسي محدد.
لكن الشيء المفقود بشكل ملحوظ في هذا القانون هو عدم وجود أي إشارة إلى الخريطة، وهو أمر يبدو معقولاً ومنطقياً تماماً، فكيف يمكنك أن تمنع بلداً من إظهار صورة لحدوده؟ لكن المشكلة تكمن في أن الحدود غالباً ما تكون محل نزاع. فالخريطة الموجودة على قميص منتخب أوكرانيا في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2020 تشمل شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014، ودونباس ولوهانسك، حيث تدور حرب في الوقت الحالي. وقال أندري بافيلكو، رئيس الاتحاد الأوكراني لكرة القدم، إن الهدف هو «إضافة قوة للاعبين؛ لأنهم سيقاتلون من أجل أوكرانيا بأكملها».
ورغم أن هذا الأمر يبدو سياسياً واستفزازياً بشكل واضح وعن عمد، فإن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم قد وافق عليه. لكن السؤال المطروح الآن هو: ما البديل؟ فالاتحاد الأوروبي لكرة القدم ليس من صلاحياته وضع تشريعات أو قوانين تتعلق بالحدود الوطنية، كما أنه لو اتخذ قراراً بمنع المنتخب الأوكراني من ارتداء هذا القميص؛ فإن ذلك سينظر إليه على أنه بيان سياسي في حد ذاته؛ رغم أنه لن يكون من المفاجئ أن يضيف الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال الفترة المقبلة الخرائط إلى قائمة الرموز المحظورة!
وعلاوة على ذلك، هناك عبارات «المجد لأوكرانيا» على مؤخرة العنق، و«المجد للأبطال» بالداخل. من الواضح أن مثل هذه العبارات لا تندرج تحت الحظر المفروض على الشعارات «الاستفزازية أو الساخرة أو التحريضية»، وهي عبارة عن تحية عسكرية رسمية في أوكرانيا. ويعود تاريخ هذه العبارات إلى الحركات القومية الأولى في القرن التاسع عشر وحرب الاستقلال الأوكرانية خلال الفترة بين عامي 1917 و1921.
صحيح أن هذه العبارات قد جرى تبنيها من قبل منظمة «القوميين الأوكرانيين» اليمينية المتطرفة، التي ارتكبت فظائع ضد اليهود والبولنديين خلال الحرب العالمية الثانية، لكن هذه العبارات قد استخدمت أيضاً في احتجاجات «الميدان الأوروبي» ضد رئاسة فيكتور يانوكوفيتش المدعومة من الكرملين في 2014. وكان هناك انتقاد لاستخدام هذه الشعارات، ليس فقط من وزارة الخارجية الروسية؛ ولكن أيضاً من الجماعات اليهودية داخل أوكرانيا، وفي النهاية وافق الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على استخدام شعار «المجد لأوكرانيا»، لكنه طلب إزالة شعار «المجد للأبطال».
لكن هذا الأمر يسلط الضوء مرة أخرى على تعقيد التعريف، حيث يمكن أن تكون للرموز والعبارات معانٍ متعددة، ويمكن أن تتغير تلك المعاني بمرور الوقت. ويمكن أن يكون السياق أيضاً أمراً بالغ الأهمية: عندما نشر المدافع الكرواتي دوماجوي فيدا ومساعد المدير الفني أوجنين فوكوييفيتش، وكلاهما كان يلعب مع دينامو كييف، مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل شعار «المجد لأوكرانيا» بعد الفوز على روسيا في دور الثمانية لكأس العالم في سوتشي قبل 3 سنوات، كانت الطبيعة الاستفزازية للعبارة أكثر وضوحاً.
وحذر الفيفا فيدا، كما قام المنتخب الكرواتي بإقالة فوكوييفيتش من منصبه بعد ذلك بوقت قصير. وبالنظر إلى أن كرة القدم لا يمكنها حتى أن تضع تعريفاً محدداً بشأن لمسات اليد، فمن السخف والغباء أن نتوقع أن تتمكن من إصدار تشريعات بشأن الإشارات الدقيقة للشعارات العسكرية الأوكرانية؛ وهو الأمر الذي قد يكون سبباً في منع أي شعارات من أي نوع. لكن الغضب المثار حول قميص المنتخب الأوكراني يشير إلى حقيقة أخرى؛ هي أن بطولة كأس الأمم الأوروبية 2020 بالنسبة لأوكرانيا هي أكثر بكثير من مجرد بطولة لكرة القدم. فالمدير الفني للمنتخب الأوكراني، أندريه شيفتشينكو، الذي خاض في عام 2012 الانتخابات في حزب «أوكرانيا... للأمام»، وهو الحزب الذي انضم لاحقاً إلى كتلة المعارضة ضد يانوكوفيتش، قلل من أهمية هذه القضية إلى حد كبير، لكن أوكرانيا في حالة حرب الآن.
ورغم أن قرعة «يورو 2020» تجعل من غير المرجح أن يلتقي المنتخبان الأوكراني والروسي وجهاً لوجه، فإن هذا المنتخب الأوكراني لديه إحساس واضح بالهدف الذي يسعى لتحقيقه، وفي مثل هذه الظروف تميل الاختلافات الصغيرة التي يمكن أن تقوض الفرق إلى التلاشي. ويجب التأكيد على أن المنتخب الحالي لأوكرانيا أقوى كثيراً من المنتخب الذي خسر جميع المباريات التي خاضها في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2016. قد تكون هناك نقطة ضعف واضحة في مركز حراسة المرمى في ظل وجود أندريه بياتوف، لكن هناك توازن كبير وممتع في خط الوسط، في ظل وجود نجم مانشستر سيتي ألكسندر زينتشينكو، ولاعب أتالانتا رسلان مالينوفسكي، الذي أنهى الموسم بالدوري الإيطالي الممتاز وهو في حالة بدنية وفنية مذهلة، حيث أحرز 6 أهداف وصنع 8 أهداف أخرى في آخر 11 مباراة بالموسم.
وقاد شيفتشينكو أوكرانيا إلى الصعود للمجموعة الأولى بدوري الأمم الأوروبية. ومن الواضح أن أوكرانيا - رغم الهزيمة في المباراة الافتتاحية أمام هولندا بهدف قاتل في الدقائق الأخيرة (2 - 3) - لديها آمال حقيقية في الصعود لدور الستة عشر، وربما الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك. وإذا فعلوا ذلك، فسيكون هناك كثير من الاحتفالات في دونباس ولوهانسك وشبه جزيرة القرم؛ وستكون هناك أوقات يكون فيها حتى لعب كرة القدم أمراً سياسياً!


مقالات ذات صلة

جاك كولز «كشاف» يستخدم لعبة «فوتبول مانجر» للعثور على لاعبين لمنتخب غينيا بيساو

رياضة عالمية منتخب غينيا بيساو المغمور يأمل الاستفادة من ابناء الجيل الثاني لمواطنيه المغتربين بأوروبا (غيتي)

جاك كولز «كشاف» يستخدم لعبة «فوتبول مانجر» للعثور على لاعبين لمنتخب غينيا بيساو

قاد جاك تشارلتون جمهورية آيرلندا للوصول إلى الدور ربع النهائي في كأس العالم. فعندما تم تعيينه مديرا فنيا للمنتخب في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، بدأ يبحث

ريتشارد فوستر (لندن)
رياضة عالمية كين (يمين) يسجل هدفه الثاني من ثلاثية فوز أنجلترا على أيطاليا (ا ب)

9 منتخبات تضمن تأهلها لـ«يورو 2024» وإيطاليا تنتظر معركة مع أوكرانيا

مع ختام الجولة الثامنة لتصفيات كأس أوروبا (يورو 2024) المقررة الصيف المقبل في ألمانيا، تأكد تأهل 9 منتخبات إلى النهائيات هي إنجلترا والنمسا وبلجيكا وإسبانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوق يدفع بورقة من فئة عشرة يوروات بسوق محلية في نيس بفرنسا (رويترز)

اليورو يسجّل أدنى مستوى له مقابل الدولار منذ 20 عاماً

سجّل اليورو، اليوم (الثلاثاء)، أدنى مستوياته مقابل الدولار الأميركي منذ نحو 20 عاماً وبلغ 1.0306 دولار لليورو متأثراً بالتوترات المرتبطة بالطاقة في أوروبا وقوة العملة الأميركية التي تستفيد من السياسة النقدية المشددة للاحتياطي الفيدرالي. وارتفع الدولار قرابة الساعة 08.50 بتوقيت غرينتش بنسبة 1.03 في المائة مسجّلاً 1.0315 للدولار مقابل اليورو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أشخاص يسيرون أمام مكتب صرافة في موسكو (إ.ب.أ)

الروبل الروسي يصعد أمام اليورو إلى أعلى مستوى في 7 سنوات

تواصل العملة الروسية ارتفاعها أمام العملتين الأميركية والأوروبية، وتم تداول الدولار اليوم دون 53 روبلاً، فيما جرى تداول اليورو عند مستوى 55 روبلاً وذلك للمرة الأولى في نحو سبع سنوات. وبحلول الساعة العاشرة و42 دقيقة بتوقيت موسكو، تراجع سعر صرف الدولار بنسبة 1.52% إلى مستوى 95.‏52 روبل، فيما انخفض سعر صرف اليورو بنسبة 1.92% إلى 18.‏55 روبل، وفقاً لموقع «آر تي عربية» الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الرياضة اتحاد الكرة الإنجليزي وشرطة العاصمة مسؤولان عن فوضى المباراة النهائية ليورو 2020

اتحاد الكرة الإنجليزي وشرطة العاصمة مسؤولان عن فوضى المباراة النهائية ليورو 2020

قالت لويز كيسي «عضو مجلس اللوردات البريطاني» في تقريرها الشامل عن الأحداث التي وقعت خلال المباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية 2020 على ملعب ويمبلي في 11 يوليو (تموز): «أنا لست بصدد إلقاء اللوم على بعض الأفراد. لذا، إذا كان الناس يبحثون عن تقرير يحاول تحويل بعض الأفراد إلى كبش فداء، فلن تجدوا ذلك. كانت هناك إخفاقات جماعية حددتها وكانت واضحة. وهناك أيضاً عوامل مخففة أصفها في التقرير بأنها (عاصفة كاملة) جعلت من الصعب للغاية إدارة هذه المباراة النهائية». وبعد صدور التقرير الصادر من 129 صفحة، يبدو من غير المحتمل أن كلمات كيسي ستوقف الأشخاص الذين يتطلعون إلى تحميل فرد ما مسؤولية ما حدث.

بول ماكينيس (لندن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.