أهداف بـ«نيران صديقة» تثير الضحك أحياناً وتجلب الدموع في أغلب الأحيان

من مارك كروسلي إلى سيرخيو ريغيلون... 1000 هدف عكسي في الدوري الإنجليزي الممتاز

TT

أهداف بـ«نيران صديقة» تثير الضحك أحياناً وتجلب الدموع في أغلب الأحيان

تُقابل الأهداف العكسية في عالم كرة القدم بمزيج من الضحك والدموع. فعندما سدد سيرخيو ريغيلون الكرة بشكل مذهل في مرمى هوغو لوريس، كان هذا هو الهدف العكسي رقم 37 في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، والهدف رقم 1000 الذي يأتي بنيران صديقة في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو الأمر الذي يجعلنا نحتفل بالوصول إلى هذا الرقم التاريخي. وبالتأكيد لم تكن هناك حاجة إلى أي لجنة تحكيم لتقرير ما إذا كان ريغيلون هو أخر من لمس الكرة أم لا، لأن الأمر كان واضحاً للغاية! وتعليقاً على ذلك، نشر المهاجم الإنجليزي السابق غاري لينيكر تغريدة على موقع «تويتر»، قال فيها: «عندما يتعلق الأمر بالأهداف التي تأتي بنيران صديقة، فهذا هدف عالمي من ريغيلون».
لم يكن أول هدف عكسي في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز بنفس جمال الهدف الذي أحرزه ريغيلون، لكنه كان كارثياً بالقدر نفسه. فكان حارس مرمى نادي نوتنغهام فورست، مارك كروسلي، قد تصدّر عناوين الصحف بعد إنقاذه ركلة جزاء من غاري لينيكر في المباراة النهائية لكأس الاتحاد الإنجليزي عام 1991، وأصبح الحارس الوحيد الذي يتصدى لركلة جزاء من لاعب ساوثهامبتون ماثيو لو تيسيير في عام 1993، لكن الهدف الذي سجله في سبتمبر (أيلول) 1992 كان مذهلاً حقاً، حيث استقبل كروسلي الكرة بكل هدوء وبشكل مريح بعدما عادت إليه من رأسية بسيطة من زميله كولين هندري. ولم يكن كروسلي تحت أي ضغط، لكنه تدحرج بشكل غريب ولسبب غير مفهوم وألقى بالكرة في الشباك.
وتذكر كروسلي ما حدث في وقت لاحق، قائلاً: «كنت فتى صغيراً وكنت أرتكب كثيراً من الأخطاء. لم أكن أعلم أن هذا هو أول هدف بنيران صديقة في الدوري الإنجليزي الممتاز، وسيصبح سؤالاً مشهوراً في المسابقات. أنا دائماً أجيب عن هذا السؤال بشكل صحيح!»، وعندما نتحدث عن الكوارث التي ارتكبها حراس المرمى، فلا بد أن نشير إلى حارس مرمى أستون فيلا، بيتر إنكيلمان. فبعد عشر سنوات من خطأ كروسلي، كان إنكيلمان مسؤولاً عن خطأ كارثي. وسيظل يوم الاثنين الموافق 16 سبتمبر (أيلول) 2002 محفوراً إلى الأبد في ذاكرة مشجعي برمنغهام سيتي، حيث شهد هذا اليوم إقامة أول لقاء لهذا النادي أمام أستون فيلا في الدوري الإنجليزي الممتاز. كان برمنغهام سيتي متقدماً بهدف دون رد من توقيع كلينتون موريسون، ولم يكن يتبقى على نهاية المباراة سوى 13 دقيقة، عندما لعب أولوف ميلبيرغ رمية تماس في اتجاه إنكيلمان، الذي سمح للكرة بشكل غير مفهوم بالمرور من بين قدميه ودخول مرمى أستون فيلا.
وقال إنكيلمان لـ«بي بي سي» عن هذا الخطأ: «كان ينبغي أن تكون هذه أسهل كرة في العالم تتم السيطرة عليها، لكنها تجاوزتني ودخلت الشباك. بصراحة لا أعتقد أنني لمست الكرة. لقد ارتكبت خطأ فادحاً، وهذا هو كل شيء. أنا أعرف القواعد جيداً، فلا يمكن احتساب هدف من رمية تماس إذا دخلت مباشرة إلى المرمى دون أن تلمس أحداً». لكن لسوء حظ إنكيلمان، رأى حكم اللقاء، ديفيد إليراي، أن إنكيلمان قد لمس الكرة واحتسب هدفاً، وهو الأمر الذي أثار استياء إنكيلمان وأسعد الجماهير الحاضرة في ملعب برمنغهام سيتي.
وكان لاعب مانشستر سيتي غاري فليتكروفت أول لاعب بعيداً عن حراس المرمى يسجل هدفاً عكسياً في مرمى فريقه بالدوري الإنجليزي الممتاز، وجاء هذا الهدف بعد أسبوع واحد فقط من الهدف الذي أحرزه كروسلي بنيران صديقة. لقد حاول زميله بيتر ريد تشتيت الكرة من أمام مرمى فريقه بعد ركلة ركنية، لكنها اصطدمت في فليتكروفت قبل أن ترتد في الشباك. وانفعل ريد بقوة على فيلتكروفت، الذي كان لاعباً شاباً في بداية مسيرته الكروية، لكن الحقيقة أن ريد نفسه كان مخطئاً بنفس القدر. وكان هذا هو الهدف الوحيد في المباراة الذي منح ميدلسبره النقاط الثلاث، وهو ما زاد بلا شك من غضب ريد غير المبرر.
لقد اعتاد مشجعو مانشستر سيتي على مشاهدة لاعبيهم وهم يحرزون أهدافاً بنيران صديقة، بقيادة اللاعب الذي يتصدر قائمة هدافي الدوري الإنجليزي الممتاز من أهداف عكسية، باعتباره اللاعب الوحيد الذي سجل أكثر من عشرة أهداف بنيران صديقة، وهو ريتشارد دون. وبالتالي، إذا كان من الممكن إطلاق جائزة سنوية للاعب الذي يسجل أكبر عدد من الأهداف العكسية في موسم ما، فيجب أن يطلق على هذه الجائزة اسم «جائزة ريتشارد دون».
وكان أول هدف عكسي يحرزه دون في ديسمبر (كانون الأول) 2004، حيث كان مانشستر سيتي متقدماً بهدف دون رد على متذيل جدول الترتيب وست بروميتش ألبيون، الذي كان يلعب بعشرة لاعبين منذ الدقيقة السابعة عشرة من عمر اللقاء، وكان نادراً ما يخرج من نصف ملعبه. وفي الدقيقة 85، أرسل بول روبنسون كرة طويلة إلى الأمام، ولم تكن تشكل خطورة تذكر على مرمى مانشستر سيتي، لكن بينما خرج الحارس ديفيد جيمس من منطقة جزائه للتعامل مع الكرة، سددها دون لتذهب باتجاه المرمى ليتابعها روبرت إيرنشو ويضعها في الشباك.
وكرر دون الأمر نفسه بعد بضعة أسابيع، وكان هذه المرة في ديربي مانشستر. لقد شارك دون في الهدف الافتتاحي للمباراة، حيث انقض بقوة على مهاجم مانشستر يونايتد، واين روني، لتصطدم به الكرة وترتد في الشباك. لم يحتسب هذا الهدف باسمه، لكن اسمه ظهر في قائمة مسجلي الأهداف في تلك المباراة في غضون سبع دقائق فقط، حيث قابل كرة عرضية داخل منطقة جزاء فريقه ووضعها في الشباك بينما كان يحاول إخراجها. وعلى الرغم من أن دون أضاف أربعة أهداف أخرى إلى سجل أهدافه من الأهداف العكسية قبل انتقاله إلى أستون فيلا في عام 2009، فقد فاز بجائزة أفضل لاعب في مانشستر سيتي لمدة أربع سنوات متتالية وأصبح قائداً للفريق في عام 2006. وبالتالي، كان من الواضح أن جماهير مانشستر سيتي تسامحه على هذه الأهداف العكسية.
أصبح فينسينت كومباني القائد الجديد لمانشستر سيتي، وعلى الرغم من أنه لم يكن يحرز كثيراً من الأهداف العكسية مثل سلفه، فإنه أحرز ثلاثة أهداف عكسية من نيران صديقة، من بينها هدف مذهل للغاية. وعندما كان مانشستر سيتي يواجه فولهام خارج ملعبه في ديسمبر (كانون الأول) 2013، سجل كومباني هدفاً ليجعل مانشستر سيتي متقدماً بهدفين دون رد، لكنه قابل كرة عرضية على القائم القريب بقدمه اليسرى ووضعها في الشباك لتحقق التعادل لفولهام.
وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن 52 لاعباً سجلوا في مرمى الفريقين في المباراة نفسها، وكان عيسى ديوب آخر من ينضم لهذه القائمة في المباراة التي انتهت بهزيمة وستهام أمام نيوكاسل يونايتد بثلاثة أهداف مقابل هدفين في وقت سابق من هذا الموسم. وتضم هذه القائمة كثيراً من النجوم اللامعة في عالم كرة القدم، مثل غاريث بيل، وواين روني، وحتى ديفيد بيكهام، الذي سرعان ما قام بتعويض الهدف الوحيد الذي سجله بنيران صديقة في مسيرته في الدوري الإنجليزي الممتاز على ملعب بلاكبيرن في أغسطس (آب) 2001، من خلال إحرازه هدفاً رائعاً من ركلة حرة مباشرة في مرمى الحارس الأميركي براد فريدل.
وكان الهدف العكسي الذي أحرزه كومباني على ملعب «كرافين كوتيدج» واحداً من 49 هدفاً عكسياً شهدها موسم 2013 - 2014 في رقم قياسي لأكبر عدد من الأهداف العكسية في موسم واحد، وهو الموسم الذي شهد إحراز كثير من النجوم الكبار لأهداف عكسية في مرمى فرقهم، مثل ميكيل أرتيتا، وديميتار برباتوف، وهاري كين، ومايكل كاريك، وجون تيري، وكولو توريه. لكن مارتن سكرتل تفوق عليهم جميعاً بتسجيله أربعة أهداف، ليصبح أكثر اللاعبين تسجيلاً للأهداف العكسية في موسم واحد من الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويحتل سكرتل المركز الثاني - بالتساوي مع فيل جاجيلكا وزميله في قلب دفاع ليفربول جيمي كاراغار - خلف دون في قائمة أكثر اللاعبين تسجيلاً للأهداف العكسية في الدوري الإنجليزي الممتاز. وكانت أكثر الفترات صعوبة على كاراغر في سبتمبر (أيلول) 1999، عندما سجل هدفين في مرمى فريقه في المباراة التي انتهت بخسارة ليفربول أمام مانشستر يونايتد بثلاثة أهداف مقابل هدفين. ويحرص زميله الآن في تحليل المباريات على شبكة «سكاي سبورتس»، غاري نيفيل، دائماً على الإشارة إلى أن كاراغر قد سجل كلا الهدفين أمام مدرج «كوب» الشهير على ملعب ليفربول. ويجب أن نشير إلى أن كاراغر لم يسجل سوى ثلاثة أهداف فقط لفريقه على مدار 508 مباريات لعبها في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه في المقابل سجل أربعة أهداف عكسية في مرمى فريقه!
ويحمل نادي ليستر سيتي الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف العكسية في موسم واحد، حيث اهتزت شباكه بثمانية أهداف عكسية من أصل 37 هدفاً منيت بها مرماه في موسم 2003 - 2004. وكلفته هذه الأهداف العكسية ثماني نقاط وأسهمت بشكل كبير في هبوط الفريق إلى دوري الدرجة الأولى. وعلى النقيض من ذلك، نجح كارديف سيتي في اللعب بالدوري الإنجليزي الممتاز لمدة موسمين دون تسجيل أي هدف عكسي. لقد شارك تسعة وأربعون نادياً في الدوري الإنجليزي الممتاز، وكان كارديف سيتي هو النادي الوحيد الذي لم تهتز شباكه بأهداف من نيران صديقة. ويعد إيفرتون أكثر أندية الدوري الإنجليزي الممتاز تسجيلاً للأهداف العكسية، برصيد 53 هدفاً - ستة أهداف أكثر من أستون فيلا.
ومن المثير للسخرية أن دون قد بدأ مسيرته الكروية في إيفرتون، لكنه لم يسجل أي هدف في مرمى فريقه خلال المواسم الخمسة التي قضاها في «غوديسون بارك». وبعد رحيله عن مانشستر سيتي، واصل دون هوايته في تسجيل الأهداف العكسية الغريبة، مسجلاً ثلاثة أهداف أخرى بنيران صديقة خلال السنوات الثلاث التي لعبها بقميص أستون فيلا. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2014، سجل هدفه العاشر والأخير بنيران صديقة في كوينز بارك رينجرز ضد ليفربول. لكن لكي نكون منصفين يجب أن نشير إلى أن دون لم يكن اللاعب الوحيد الذي سجل هدفاً عكسياً في تلك المباراة، حيث سجل ستيفن كولكر وستيفن جيرارد هدفين عكسيين في اللقاء الذي انتهى بفوز ليفربول بثلاثة أهداف مقابل هدفين.
وواجه سندرلاند سوء حظ غريب في المبارة التي خسرها أمام تشارلتون بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد في فبراير (شباط) 2003، حيث لم يستقبل هدفاً أو اثنين بنيران صديقة، لكنه استقبل ثلاثة أهداف عكسية في غضون سبع دقائق فقط في شوط المباراة الأول! وقال المدير الفني لسندرلاند، هوارد ويلكينسون، بحزن بعد نهاية المباراة: «ليس هناك الكثير الذي يمكنك القيام به حيال ذلك. إنه أمر لا يمكن تصديقه، فأنا لم أشارك على الإطلاق في أي مباراة، أو أشاهد أي مباراة، يحرز فيها فريق ثلاثة أهداف في مرماه!».
بدأت القصة في الدقيقة 24، عندما وضع ستيفن رايت حداً لهجمة داخل منطقة الجزاء بوضع قدمه وتغيير اتجاه الكرة لتسكن شباك فريقه. ويبدو أن هذا الأمر قد أثار حفيظة زميله في الفريق مايكل بروكتور، الذي سرعان ما سجل هدفين آخرين في مرمى فريقه في مشهد غريب للغاية. وكانت هذه الخسارة تعني هبوط سندرلاند للمركز الأخير في جدول الترتيب. لم يحصل سندرلاند على أي نقطة من مبارياته الـ12 المتبقية، لينهي الموسم برصيد 19 نقطة، الذي كان أقل عدد من النقاط يجمعه أي فريق في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز في ذلك الوقت. ولم يسجل سندرلاند سوى ثلاثة أهداف فقط في آخر ست مباريات على ملعبه، أي ما يعادل الثلاثة أهداف العكسية التي سجلها في مرماه في ظهيرة ذلك اليوم المشؤوم في شهر فبراير.
وبعد عشر سنوات على تلك الأهداف العكسية الثلاثة في مباراة واحدة، وبالتحديد في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، وجد سندرلاند نفسه يلعب مرة أخرى في الدوري الإنجليزي الممتاز ويخسر بثمانية أهداف نظيفة أمام ساوثهامبتون، والغريب في الأمر أن ثلاثة أهداف من هذه الأهداف الثمانية جاءت بنيران صديقة أيضاً، وسجلها لاعبو سندرلاند، سانتياغو فيرجيني، ووليام بريدكت، وباتريك فان أنهولت.
وإذا كان دون هو من يتصدر قائمة اللاعبين الأكثر تسجيلاً للأهداف العكسية، فإن مدافع كريستال بالاس، توني بوبوفيتش، يأتي في الصدارة من حيث أجمل الأهداف العكسية، حيث سجل هدفاً رائعاً للغاية في مباراة فريقه أمام بورتسموث في سبتمبر (أيلول) 2004، قبل بضعة أشهر فقط من افتتاح دون لسجل أهدافه العكسية. لقد أحرز بوبوفيتش هذا الهدف بكعب القدم وبطريقة أكروباتية رائعة. ولو كان بوبوفيتش قد سجل هذا الهدف في مرمى الفريق المنافس لوصف بأنه لاعب عبقري. في الواقع، لم يختلف الأمر كثيراً عن الهدف الجميل الذي أحرزه ريغيلون في مرمى فريقه، حيث سينضم الهدفان إلى قائمة أجمل الأهداف العكسية عند الاحتفال بأول ألف هدف بنيران صديقة في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.