رحيل زين الدين زيدان عن ريال مدريد يناسب كلا الطرفين

المدرّب الفرنسي هو من قرر المغادرة... والنادي طوى الصفحة كأنه كان ينتظر القرار

لاعبو ريال مدريد في ختام مباريات الدوري الإسباني الذي انتزع بطولته نادي أتلتيكو مدريد (أ.ب)
لاعبو ريال مدريد في ختام مباريات الدوري الإسباني الذي انتزع بطولته نادي أتلتيكو مدريد (أ.ب)
TT

رحيل زين الدين زيدان عن ريال مدريد يناسب كلا الطرفين

لاعبو ريال مدريد في ختام مباريات الدوري الإسباني الذي انتزع بطولته نادي أتلتيكو مدريد (أ.ب)
لاعبو ريال مدريد في ختام مباريات الدوري الإسباني الذي انتزع بطولته نادي أتلتيكو مدريد (أ.ب)

قال المدير الفني الفرنسي زين الدين زيدان: «ذات يوم أكون داخل النادي، وذات يوم أخرج منه، ثم أعود إليه مرة أخرى، ثم نتعادل أو نخسر وأرحل مجدداً». كان زيدان قد أدلى بهذه التصريحات في أوائل شهر فبراير (شباط) الماضي، وكان ذلك أيضاً جزءاً من السبب وراء رحيله عن النادي بعد 4 أشهر تقريباً. ففي اليوم الذي قرر فيه الرحيل، وعندما كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً تقريباً، توجه المدير الفني لريال مدريد بسيارته إلى المدينة الرياضية لريال مدريد في فالديباس، لكن بحلول الوقت الذي غادر فيه بسيارته بعد نحو ساعتين، كان قد أصبح رسمياً المدير الفني السابق للنادي الملكي!
لقد تكرر هذا الأمر مرة أخرى، بعدما استقال زيدان من تدريب الفريق قبل ذلك. وكان المدير الفني الفرنسي قد أخبر بعض اللاعبين في الليلة السابقة بهذا القرار. وصدر بيان النادي الذي يؤكد رحيل زيدان بعد ظهر اليوم مباشرة، وكان بياناً لطيفاً مقتضباً، حيث وصل طوله إلى 102 كلمة فقط. وفي الوقت الحالي، لا توجد خطط لعقد مؤتمر صحافي أو إقامة حفل وداع للمدير الفني الفرنسي، وقد اختارت وسائل الإعلام الخاصة بالنادي طي هذه الصفحة، حيث أعقب البيان صمت مدروس. وكان اللاعب الوحيد الذي استطاع زيدان أن يودعه شخصياً هو لوكاس فاسكيز الذي يخضع لتدريبات لإعادة تأهيله في فالديبيباس.
لقد كان البيان قصيراً، لكنه قال ما يكفي، ونجح في إيصال الرسالة الرئيسية التي يرغب في إيصالها، وهي أن الرحيل كان قرار زيدان، وليس النادي، وأن النادي احترم رغبة المدير الفني الفرنسي، ووافق على رحيله في هدوء. وبعد ذلك، لم يذكر البيان اسم زيدان مرة أخرى. وتعد هذه هي المرة الثالثة التي يرحل فيها زيدان عن ريال مدريد: المرة الأولى لاعباً، ثم مرتين مديراً فنياً. وفي كل مرة، كان القرار من جانب واحد، وكان التعاقد بينه وبين النادي لا يزال مستمراً، وكان التنازل من جانب زيدان عن أي راتب لا يزال مستحقاً لدى النادي، وهو ما يعني أنه ترك كثيراً من الأموال. وقد قال زيدان في وقت سابق من هذا الشهر: «سوف أجعل الأمر سهلاً للغاية على النادي».
لكن هذا لا يعني أن الأمر يتعلق به فقط، أو أنه لم يشعر بأنه قد دُفع للرحيل، فزيدان لم يتخذ هذه القرارات من فراغ، فالنادي مسؤول بالطبع عن وصول الأمور للدرجة التي تجعله يرغب في الرحيل. وعلاوة على ذلك، لم يتفاجأ النادي برحيل زيدان، فقد كان يعرف أن ذلك سيحدث عند مرحلة ما. وعلى الرغم من أن النادي لا يرحب بفكرة أن شخصاً آخر هو من يحدد ما سيحدث بعد ذلك، فإنه قد استعد لذلك أيضاً. لقد بدأ النادي يبحث عن مدير فني بديل، وكان لديه تفاؤل بأنه سيتعاقد مع ماسيميليانو أليغري، لكن أليغري قرر العودة إلى يوفنتوس، ما يجعل مواطنه أنتونيو كونتي الذي ترك إنتر ميلان بعد أيام معدودة على قيادته للقب الدوري المحلي للمرة الأولى منذ 2010، وهو من أبرز المرشحين لخلافة زيدان. وهناك مرشحين آخرين، مثل ماوريسيو بوكيتينو، ويأمل النادي أن يوافق أي منهم على تولي قيادة الفريق. وهناك أيضاً راؤول الذي يتولى تدريب الفريق الرديف بالنادي.
لقد كان زيدان يتحدث بكل شجاعة وعلى الملأ منذ فترة، وقد نفى مؤخراً التقارير التي تشير إلى أنه أبلغ اللاعبين قبل نهاية الموسم بأنه سيرحل، حيث قال: «لماذا أقول لهم ذلك الآن؟»، لكن كان ذلك بالتأكيد هو تفسير بعضهم لكلماته. وفي وسائل الإعلام أيضاً، كانت هناك تلميحات قوية بشكل متزايد، وكان المدير الفني يتعرض لكثير من الأسئلة بشأن مستقبله أكثر من أي وقت مضى. وقد قرر المدرب الفرنسي الخروج عن صمته للكشف عن أسباب رحيله عن ريال مدريد للمرة الثانية، مبرراً القرار بعدم «حصولي على الثقة التي أنا بحاجة إليها» لمواصلة مهامه في النادي الملكي. وفي الرسالة المفتوحة التي نشرتها، الاثنين، صحيفة «أس» بشكل حصري، قال: «لقد قررت الآن المغادرة، وأريد أن أشرح الأسباب بشكل صحيح؛ لقد رحلت ليس لأني أريد التهرب من المسؤولية أو لأني تعبت من التدريب».
لكن هذا الأمر لم يكن حديثاً، ففي اللحظة التي عاد فيها مديراً فنياً في مارس (آذار) 2019، لم يكن زيدان مقتنعاً على الإطلاق بأي شيء يحدث من حوله سوى أنه اضطر للعودة لقيادة الفريق. وحتى قبل ذلك، عندما رحل عن النادي وهو في القمة في مايو (أيار) 2018، بعد الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا 3 مرات متتالية، فإنه لم يتخذ قرار الرحيل لأنه أمضى فترة طويلة في النادي، أو لأن هذه هي اللحظة المثالية للرحيل. ولدى عودته مرة أخرى، كان زيدان في موقف قوي، لكن ذلك لم يكن ليدوم إلى الأبد، وحتى الفوز بالمباريات نفسه لم يضمن له ذلك!
وقد قال زيدان، في فبراير (شباط) الماضي، بعد إصابته بفيروس كورونا: «لقد تم حبسي لمدة أسبوعين، كما لو كنت في قفص، وأشعر أنني في مشاجرة». لقد تم عزل زيدان في منزله خلال تلك الفترة، وكان يشاهد مباريات ريال مدريد وهو يعاني، حيث ودع الفريق بطولة كأس الملك أمام نادي أكويانو الذي يلعب في دوري الدرجة الثالثة، وخرج من كأس السوبر أمام أتليتك بلباو، وبدا أنه لن يكون قادراً على مواصلة المنافسة على لقب الدوري الإسباني الممتاز، وكان يحقق نتائج سيئة في دوري أبطال أوروبا، حيث خسر مرتين أمام شاختار دونيتسك الأوكراني، وكان يواجه احتمال الخروج من المسابقة من دور المجموعات للمرة الأولى.
لقد أحرز الفريق بعض التقدم بالطبع، وعاد زيدان للاعتماد مرة أخرى على الحرس القديم، ونجا من أزمة أخرى. وطالب المدير الفني الفرنسي، في مؤتمر صحافي، باحترام المجموعة الموجودة من اللاعبين، وقال: «أنا غاضب». لقد كان زيدان في تلك الفترة أكثر غضباً مما يمكن لأي شخص أن يتذكر، وكان يركز في الغالب على مطالبه بأن يحصل هذا الجيل الذي قدم الكثير للنادي على فرصة أخرى للدفاع عن اللقب، لكنه أكد بعد ذلك أنه ستكون هناك تغييرات في المستقبل، ويبدو أنه كان يشير ضمنياً إلى أنه هو شخصيا سيكون جزءاً من هذه التغييرات. ويبدو أن هذه التغييرات ستشمل قائد الفريق سيرخيو راموس الذي يريد تمديد عقده، لكنه لم يوقع على عقد جديد حتى الآن.
وقال زيدان للصحافيين: «هناك كثير من الحديث عن كثير من الأشياء، وحول تغيير المدير الفني، لكننا سنقاتل حتى النهاية، ونستحق الاحترام. أخبرني في وجهي بأنك تريد التخلص مني، وليس من خلف ظهري»، وكان من الواضح للجميع أن زيدان لا يدلي بهذه التصريحات للصحافين وحدهم، لكنه يوجه رسالة إلى أشخاص آخرين. يقال دائماً إن زيدان يعرف النادي جيداً، وهذا صحيح، سواء بالمعنى الإيجابي أو السلبي، فهو يعرف جيداً أن الشائعات والانتقادات لا تأتي دائماً من العدم، وكان يعرف جيداً أن التقارير التي كانت تتحدث عن إقالته بعد الهزيمة ضد شاختار لم تكن تقارير زائفة؛ إنه يدرك تماماً من أين تأتي هذه الإشاعات والتقارير، ويعرف أن بعض الأبواق تحمل أصواتاً معينة من داخل النادي إلى الخارج، لتوجه له الانتقادات بشكل غير مباشر، وبالتالي كانت هناك أجواء من عدم الثقة بينه وبين المسؤولين.
لقد تعهد زيدان بأن يقاتل بكل شراسة من أجل الفوز بشيء ما، وأن يسمح لهؤلاء اللاعبين الذين حقق معهم الكثير -والسماح لنفسه أيضا- بأن يضيفوا ألقاباً جديدة إلى الألقاب الـ11 التي فازوا بها معه بصفته مديراً فنياً، والتي تصل لمعدل بطولة كل 24 مباراة. لقد تنافسوا معاً، لكن زيدان رأى أن الوقت قد حان للرحيل. وفي الحقيقة، هذا القرار يصب في مصلحة الطرفين. ومع اقتراب الموسم من نهايته، وفي ظل عدم وجود لقب يحتفل الفريق بالفوز به، أو يجعل زيدان يرحل وهو في القمة هذه المرة، سُئل المدير الفني الفرنسي عما إذا كان ريال مدريد يمكن أن يتحسن تحت قيادة مدير فني مختلف، ليرد قائلاً: «بكل تأكيد»!


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.