جوردان هولسغروف: أبي علّمني أن كرة القدم تعتمد على القوة... وطوّر من مهاراتي

لاعب منتخب اسكوتلندا تحت 21 عاماً يتحدث عن رحلته من إدنبرة إلى الدوري الإسباني عبر ريدينغ

هولسغروف انتقل من ريدينغ الإنجليزي للعب في إسبانيا (نادي ريدينغ)
هولسغروف انتقل من ريدينغ الإنجليزي للعب في إسبانيا (نادي ريدينغ)
TT

جوردان هولسغروف: أبي علّمني أن كرة القدم تعتمد على القوة... وطوّر من مهاراتي

هولسغروف انتقل من ريدينغ الإنجليزي للعب في إسبانيا (نادي ريدينغ)
هولسغروف انتقل من ريدينغ الإنجليزي للعب في إسبانيا (نادي ريدينغ)

بعد نهاية أول مباراة احترافية كاملة له، تلقى جوردان هولسغروف رسالة من شقيقه الأكبر يحاول فيها أن ينسب الفضل لنفسه على ما فعله هولسغروف للتو في تلك المباراة. يقول اللاعب الاسكوتلندي الشاب عن شقيقه، أران: «لقد أرسل لي لقطة من رسالة سابقة كان قد أرسلها لي، وكتب تحتها يقول (انظر، هذا ما قلته لك، وهذا ما حدث بالضبط). قبل المباراة، كان شقيقي قد أرسل لي رسالة نصية يقول فيها (إذا اقتربت من المرمى بنحو 25 ياردة، يتعين عليك التسديد على الفور).
لقد كنت أفكر في القيام في ذلك بالفعل، وبمجرد أن أصبحت قريبا من المرمى سددت الكرة بقوة، فأنا دائما ما أثق في قدراتي».
واستقرت الكرة داخل الشباك. يقول هولسغروف ، الذي لم يكن قد لعب سوى ست دقائق فقط قبل تلك المباراة وكان يشعر بالضيق الشديد لذلك: «طلب مني المدير الفني أن أستحوذ على الكرة وأن أساعد زملائي في الفريق على اللعب بشكل جيد وأن أخلق الفرص لهم داخل الملعب». لقد كانت هذه المباراة بمثابة بداية جيدة لهولسغروف ، لكن المشكلة كانت تكمن في أن الفريق كان متأخرا بالفعل بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدف وحيد قبل ثلاث دقائق من نهاية المباراة، وكان الهدف الذي أحرزه يعني تقليص النتيجة إلى أربعة أهداف مقابل هدفين، لكن المباراة انتهت بخسارة سيلتا فيغو بخمسة أهداف مقابل هدفين، ليخرج الفريق من بطولة كأس ملك إسبانيا.
يقول هولسغروف : «لقد سألت نفسي عما إذا كان يتعين علي أن أحتفل بهذا الهدف أم لا. لكن لم يكن بإمكاني الاحتفال بالهدف وفريقي متأخر في النتيجة، لذلك ركضت على الفور نحو منتخب ملعب فريقي». وبعد ثلاثة أيام، لعب هولسغروف الشوط الثاني بالكامل أمام نادي فياريال في الدوري الإسباني الممتاز. ولد هولسغروف عام 1999 في إدنبرة، حيث لعب والده، بول، مع نادي هيبرنيان، فوالده وجده كان يلعبان كرة القدم - لعب بول في 17 ناديًا، في حين لعب جده، جون، في أندية كريستال بالاس، وولفرهامبتون، وشيفيلد وينزداي، وستوكبورت.
يقول هولسغروف ، الذي كان يحلم دائما باللعب في الدوري الإسباني الممتاز: «جعلني والدي أحب كرة القدم منذ نعومة أظافري، فقد نشأت وأنا أشاهد تشافي وإنيستا وعشقت الطريقة التي كانا يلعبان بها. لقد كنا نشاهد الكثير من مباريات الدوري الإسباني، وكنت أعتقد أن هذه النوعية من كرة القدم هي التي تناسبني حقا. وبالتالي، عندما علمت أن لدي عرضا من إسبانيا وافقت على الفور وبدون تردد».
كان ذلك في صيف عام 2019، عندما كان هولسغروف يلعب إحدى المباريات استعدادا للموسم الجديد في إشبيلية مع نادي ريدينغ، عندما شاهده المدير الرياضي لنادي أتليتكو بالياريس، الذي يلعب في دوري الدرجة الثالثة، والذي طلب منه الانتقال للنادي على سبيل الإعارة لمدة موسم. وكان أتليتكو بالياريس يحتل صدارة جدول الترتيب عندما توقف الموسم بسبب تفشي فيروس كورونا، لكن نادي ريدينغ قرر إعادة اللاعب لصفوفه مرة أخرى، وبالتالي لم يشارك هولسغروف مع أتليتكو بالياريس في ملحق الصعود لدوري الدرجة الثانية - فشل أتليتكو بالياريس في الصعود.
لكن الطريقة التي كان يلعب بها أتليتكو بالياريس كانت مختلفة عن تلك الطريقة «الإسبانية» التي كان يحلم بها. يقول هولسغروف ضاحكا: «كنت أتوقع أن أذهب إلى هناك وأرى الفريق وهو يلعب الكرات القصيرة السريعة (تيكي تاكا) طوال الوقت». لكنه تأقلم بسرعة كبيرة وأثار إعجاب الجميع هناك، خاصة أنه يجيد القيام بكل المهام الدفاعية والهجومية للاعب خط الوسط، كما يمتاز بقوة بدنية هائلة. يقول أحد لاعبي نادي أتليتكو بالياريس عن هولسغروف ضاحكا: «يبدو للوهلة الأولى أنه ضعيف البنية الجسدية ونحيف للغاية، لكن يمكنك أن تراه في صالة الألعاب الرياضية وهو يؤدي تمرين الضغط أكثر من أي شخص آخر، فهو يمتلك قوة هائلة في ذراعيه. لم يكن لديه أي فكرة عن التعليمات التكتيكية في البداية، لكن الطريقة التي كان يضرب بها الكرة بكلتا قدميه كانت جنونية!».
ضحك هولسغروف بشدة عندما سمع تلك الكلمات، وقال: «حسنًا، لقد تعرضت للإصابة ثلاث مرات في نفس المكان عندما كنت ألعب في ريدينغ، وكان يقال لي دائما إنني جيد من الناحية الفنية لكنني لست جاهزا من الناحية البدنية. لقد دفعني ذلك إلى العمل القوي من أجل تحسين قدراتي البدنية، فأصبحت مهووسا بالوجود في صالة الألعاب الرياضية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. إنني أريد أن أكون لاعبا متكاملا، وليس مجرد لاعب جيد من الناحية الفنية».
ويضيف: «لقد شاهدت والدي وهو يلعب في أحد دوريات الهواة، لكن ليس لدي ذكريات حقيقية عنه وهو يلعب على المستوى الاحترافي. لقد رأيته وهو يلعب عبر شرائط فيديو بالأبيض والأسود. لقد كان يسدد الكرة بكل قوة، وحتى القدم التي لم يكن يلعب بها بشكل أساسي كانت أفضل من قدمي. لقد قال لي (إذا كنت تريد أن تصبح لاعب كرة قدم، فسوف أساعدك) وقلت له: نعم، أريد أن أصبح لاعب كرة قدم. فقال لي إن هذا هو بالفعل ما يتعين عليه القيام به. لقد كان يصر على أن ألعب بكلتا قدمي، وكنا نقضي ساعات طويلة في التدريب على ذلك في الحديقة، وكنت أتدرب على المرور من الخصم وتطوير مهاراتي. لقد فعلت ذلك لأنني كنت أعرف أنه يتعين علي القيام بذلك حتى أكون لاعبا جيدا».
وفي نادي أتليتكو بالياريس، لم يكن زملاؤه فقط من أعجبوا بالمستويات الرائعة التي يقدمها، بل نال إعجاب المنافسين أيضا، وهو الأمر الذي أتاح له فرصة الانتقال إلى ناد أفضل، حيث كان مسؤولو نادي سيلتا فيغو يتابعونه عن كثب. لكن هل ساعده في ذلك أنه لعب مع أتليتكو بالياريس ضد الفريق الرديف لسيلتا فيغو؟ وهل كانت هذه هي المباراة التي جعلت مسؤولي سيلتا فيغو ينتبهون إلى إمكاناته؟ يقول هولسغروف : «نعم، لأننا قدما أداء كبيرا في تلك المباراة وفزنا بستة أهداف مقابل هدف وحيد».
انضم هولسغروف في البداية لفريق الرديف بنادي سيلتا فيغو، وشارك مع الفريق الأول لأول مرة في كأس ملك إسبانيا، قبل أن تتوالى المشاركات بعد ذلك.
وأعرب هولسغروف عن إعجابه الشديد بنجم خط الوسط الإسباني داني باريخو، مشيرا إلى أنه «لاعب ذكي أحب مشاهدته، ويتعامل مع الكرة بذكاء شديد». ويقول اللاعب الاسكوتلندي عن انتقاله إلى إسبانيا: «إنها خطوة للأمام توسع آفاقك، كما أنها تجربة جديدة تمامًا تجعلك تتعلم لغة جديدة. أنا محظوظ لأنني اتخذت هذه الخطوة في الوقت المناسب لأن الأمر سيصبح أكثر صعوبة الآن [مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي]».
ويضيف: «لم يكن المدير الفني لنادي أتليتكو بالياريس يتحدث أي كلمة باللغة الإنجليزية، لكن ذلك ساعدني على تعلم اللغة الإسبانية.
إنني أحضر الكثير من الدروس وأقضي ساعات طويلة على موقع دولينغو لتعلم الإسبانية. لقد فهمت الكلمات والعبارات المتعلقة بكرة القدم بسرعة، وأنا الآن أفضل كثيرا. لقد كان الأمر صعبا للغاية في بعض الأوقات، فعندما كنت ألعب في أتليتكو بالياريس وأرتكب بعض الأخطاء كان الناس يتحدثون إلي باللغة الإسبانية لكنني لم أكن أفهم منهم شيئا، وهو الأمر الذي كان يجعلني أعاني بشدة وأشعر بإحباط كبير في حقيقة الأمر.
لكن ذلك جعلني مصرا على تعلم اللغة حتى يمكنني التغلب على تلك التحديات».
ويتابع: «من حيث اللغة، أصبح الأمر أسهل الآن في الفريق الأول عما كان عليه في نادي أتليتكو بالياريس أو في الفريق الرديف لسيلتا فيغو، لأن هناك العديد من اللاعبين الذين يتحدثون اللغة الإنجليزية، مثل إيمري مور، وجوزيف إيدو، وأوكاي يوكوسلو، الذي يلعب الآن لنادي وست بروميتش ألبيون على سبيل الإعارة، ودينيس سواريز. لكنني أحاول التحدي باللغة الإسبانية أيضًا، حتى يمكنني التعامل مع جميع اللاعبين، وليس عددا محدودا من اللاعبين».
يقول هولسغروف : «من المؤكد أن تفشي الوباء قد زاد الأمور صعوبة. لقد كنت محظوظًا لأن عائلتي جاءت إلى هنا قبل فترة أعياد الميلاد - لم أستطع العودة بسبب قواعد الحجر الصحي - وهو أمر مهم حقًا. لقد كان الأمر صعبا، لأنني كنت في بلد أجنبي وليس معي أي شخص. لكن هذه هي كرة القدم وهذا هو ما أريد أن أفعله».
ويقدم هولسغروف مستويات جيدة للغاية جعلته معشوقا لجماهير سيلتا فيغو، التي تعبر عن إعجابها الشديد بلمسته السهلة وتحكمه الرائع في الكرة وقدرته على المرور من لاعبي الفرق المنافسة. وبسؤاله عما إذا كان يتوقع أن يكمل مسيرته بالكامل في إسبانيا، رد هولسغروف قائلا: «بالتأكيد أحب ذلك، لكن بالنسبة لي الآن لا توجد خطة لذلك، فأنا أستمتع فقط بما أقوم به».
ويختتم حديثه قائلا: «كان حلمي دائمًا أن ألعب في أحد الدوريات الكبرى. لقد شاركت مع الفريق الأول بالفعل، وآمل أن أشارك في عدد أكبر من الدقائق والمباريات. أريد فقط الاستمرار في اللعب، ولا أفكر فيما سيحدث بعد ذلك».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.