مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

ربيعة ريحان تستعيدها في مرايا «الخالة أم هاني»

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية
TT

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

يتسع فضاء الحكي ويتنوع عبر تخوم الماضي والحاضر ويبرز بتقاطعات سردية شيقة، كسيرة لطفولة الزمن والحياة، في رواية «الخالة أم هاني» للكاتبة ربيعة ريحان، الصادرة أخيراً عن «دار العين» بالقاهرة.
تدور الرواية في فضاء شبكة من العلاقات والأنساب العائلية المحيِّرة والمعقَّدة، تلمّ شتاتها بطلتها «أم هاني» بروح من بداهة الفطرة والخبرة الحميمة المرحة، والتقاط ما وراء الملامح والصور. فمنذ البداية وعلى مدار 326 صفحة وحتى الختام، تتجول الخالة بعينيها الزبرجيدتين وجمالها الفاتن الغض واسمها الأندلسي الأصيل، في مسارات السرد كنهر دافق لا يكفّ عن العطاء.
امرأة أمية في عباءة الثمانين تسكن في الضواحي الشعبية، بالكاد تعرف الأرقام، أدمنت النظر إلى تمثال محمد الخامس فوق حصانه الأبيض في بهو البلدية الفسيح بمدينة آسفي، وما يمثله في الوجدان العام كرمز للاستقلال ومكافحة الاستعمار الفرنسي للبلاد. تقف الخالة مشدوهة أمامه، وتتأمله من زاوية خاصة، حتى أصبح الأمر بمثابة هواية تحرص عليها وهي في الطريق لزيارة ابنة خالتها وأسرتها في بيتها المنيف (الفيلا) الذي يشي بترف أرستقراطي. لكنّ هذه الزيارة المعتادة سرعان ما تتحول إلى صراع من الألفة، بين أمومة مفتقَدة تمثلها الخالة العاقر صاحبة الميراث القاسي والمرير من اليتم، خصوصاً بعد وفاة والديها وأخويها الصغيرين، وهي طفلة، والتنقل للعيش عند الخالات والعمات، ما دفع بها إلى خمس زيجات صادمة مرّت بها في حياتها، وبين أمومة مزدوجة، تجسّدها «شيماء» الساردة الأساسية، حيث تتبناها الخالة كابنة لم تنجبها وهي بعد طفلة لم تتجاوز خمس سنوات، امتثالاً لوصية جدة شيماء لأمها، وهي على فراش الموت بأم هاني: «قالت لها بعد جهد وهي تنظر لعينيها، وتمسك بكفها: عار بنت خالتك عليك. خدي بالك منها يا ابنتي، ولا تتركيها وحدها فهي يتيمة. وهكذا منحتني أمي ألواناً إضافية، وعيشاً عبر خُطى، هنا وهناك، في بيتنا مرة وفي بيت الخالة مرات».
أسئلة ساذجة وبريئة في عين طفلة تستعيدها شيماء من غبار تلك اللحظة فيما يشبه النجوى الداخلية: «هل فكّرت والدتي في الأمر ملياً وهي تعرضني على أم هاني؟ ألم يراودها الإحساس الأمومي بأنها ستفقدني ولن تراني، أكنت رخيصة إلى ذلك الحد الذي سمح لها بأن تأخذني لتتبناني، وتضع حياتي بموازاة حياتها المتقلبة؟ لماذا لم تفعل ذلك بأختي لمياء الصغيرة، آخر العنقود التي تحب النوم ولا تستيقظ للذهاب إلى المدرسة إلا بالشجار؟». لكن سرعان ما تنقلب هذه الأسئلة إلى إحساس عارم بالنعمة، فتحب شيماء أم هاني، تتعلق بها وتتباهى بسعادتها بتلك النزوة غير المعهودة من أمها «نزوة امرأة عاقلة ووفية»... يعزز هذا ما تضمره الأم من حب مخلص للخالة، وتعاطف مع ظروفها القاسية، ثم إنها ابنة خالتها، على عكس الأب موظف البنك عاشق الفرنسية، الذي يضجر من اللغة العربية، فلا يبالي بها، ودائماً يصدمها بمشاعره الجافة تجاهها، خصوصاً حين تكون في زيارة لهم، كما أنه وافق على مضض على ذهاب ابنته شيماء للعيش معها، مشترطاً ألا تناديها «ماما».
أحبت شيماء عالم الخالة، شبّت وترعرعت في كنفها، وأحسّت بأنها أصبحت مصدر سلام وحماية لها، حيث بدأ الجميع يتخلون عن نظراتهم المتدنية وأوصافهم المقززة لها، وأصبحوا ينادونها بـ«الخالة أم هاني»، وواصلت تعليمها بدأب، حتى درست التاريخ وتخرجت في الجامعة.
توفر فكرة الأمومة المزدوجة كقيمة معيشة، مساحة من الترحال في النص، والذهاب والإياب منه وإليه، كأنه مجموعة من المرايا والمحطات المتجاورة. تعززها لغة سردية سلسة، مفتوحة على حيوية المحكي الشفاهي اليومي ابن الروح الشعبية بتوتراتها العفوية الأليفة، والفصيح، ابن التراث في رسوخه السهل الممتنع، كما تلوّن مناخات السرد بنثار خاص من المحبة، يتوزع في مناخ الرواية بين كائنين (الأم والخالة) يشتركان في الصفة نفسها، ويبدوان أحياناً في سباق خفيّ على حب الابنة. التي تنصّب من نفسها «الصوت المعارض» لكل ما يحاك من أراجيف، خصوصاً على ألسنة نساء العائلة، فهي مادة التندر والمزاح المفضلة في مسامراتهن ولقاءاتهن، تشتد وتيرته حين تكون الخالة حاضرة، فتنبري شيماء بالرد والدفاع المستميت عنها، كأنها تدافع عن نفسها. يؤجج ذلك شخصية الخالة المتمردة الصلبة، وأطوارها ونوادرها الغريبة واعتدادها بذاتها، وقدرتها على السخرية والتهكم من الجميع، وشراستها ضد من يحاول التحرش بها. ناهيك بجمالها الذي لم يجر عليه الزمن. فدائماً لديها بصيرة ثاقبة وحاضرة، تضع عناوين وإشارات تلقائية مرحة وساخرة لنثريات الواقع المعيش، مفكِّكةً عقده وفواصله السميكة في البشر والأشياء بنزق طفولي باذخ. ورغم وعيها بالانتماء لشجرة هذه العائلة المترفة في أرستقراطيتها النمطية، لكنها دائماً تحتفظ بمسافة بينها... تسكن في الضواحي في المناطق الشعبية الهامشية، لا تعرف القراءة ولا اللغة، لكنها تعرف أن المكان ليس مجرد حوائط وجدران صلدة، إنه كائن حي يتنفس، تجب رعايته والحفاظ على بهائه ونظافته، كما أن تراكم الخبرة أكسبها منطقاً حياً من الفطرة، تستخدمه كلما لزم الأمر، وتركنه جانباً خشية أن تعتريه رخاوة الثرثرة وفساد الكلام.
تحت هذه المظلة تتوغل «شيماء» في طوايا الخالة، وبحكم المؤانسة والعشرة ترسم ملمحاً من شخصيتها المتقلبة: «حين يكون مزاج الخالة سيئاً، من الأفضل ألا يقترب منها أحد، (المود) التي تكون عليه يجعلها تُبدي طرائق مغيظة، من أجل ألا تُقتحَم، ألّا ينغص أحد عليها عزلتها، وعندما يصر الآخرون على العكس، كانت تتظاهر بأنها لا ترى، ولا تسمع، ثم تهرول بطريقة هزلية إلى الجانب الآخر من الطريق، مدّعية أنها ليست هي، رغم بريق الزبرجد في عينيها الساحرتين»... حدث هذا مع خالها وهو ينادي عليها في الشارع كي يسلم عليها، فهرولت مسرعة، وكادت تستغيث برجال الشرطة، مدّعية أن رجلاً يطاردها، مما يخلف رذاذاً من السخرية المرحة، يعد أحد مقومات السرد الشيقة في الرواية.
تتابع شيماء: سألتها مرة ضاحكة: «ألا توجد طريقة أنسب لاتّقاء اقتحام الناس، ألا يكفي أن تعتذري مثلاً، تقولي إنكِ في حاجة إلى السير وحدك، والإنصات إلى مخك؟! أبداً أخرج من بيتي لأتمشى فأجدهم في وجهي»... أدركت شيماء بفطنتها أن وراء كل هذا سراً في حياة الخالة، وحين حاولت أن تغريها بالبوح والفضفضة: «افتحي قلبك سرك في بئر، في الحفظ والصون»... ردت عليها: «ماذا نفعل بالأسرار المخبأة في البئر، وفي ماذا ستفيدنا؟».
في كل هذا لا تنصرف الرواية عن النظر إلى الواقع ومحاولة استكناه تحولاته وتقلباته، فبعين تمتزج فيها بداهة الجغرافيا بوقائع التاريخ، ترصد الرواية الواقع المزري في الأحياء الشعبية الفقيرة الهامشية، كاشفة فداحة البون الشاسع واللا إنساني الذي يظللها اجتماعياً وطبقياً، وفي رقعة زمنية تستعيد أجواء النصف الأول من القرن العشرين حتى تخوم اللحظة الحاضرة وزمن الميديا والإنترنت. كما تكشف عبر شجارات الشخوص، ومكائدهم الضاجّة بالسخرية والنميمة عن مدى التناقض والتشقق في واقعهم العائلي ومحيطهم الاجتماعي، حيث فضاء المجتمع المغربي، بعاداته وتقاليده وأعرافه العتيقة، وهو ما يثير صراعاً مكبوتاً ما بين إرث ينتمي للماضي بثباته ورسوخه، وإرث ينتمي للحاضر بحيويته وانفتاحه على آفاق المغامرة والتجريب... في هذه الفجوة الزمنية يبرز زمن الخالة كنقطة وصل حية ومتنامية بين الزمنين، وأكثر انفتاحاً على تخوم اللحظة الحاضرة، ما يجعلها بمثابة المثال الهارب من زمن وواقع النسوة الثرثارات، بل من شيماء المسكونة بهوس التوازن في لعبة المتناقضات، فرغم سنّها التي تخطت الثلاثين لم تَخُض تجربة حب واحدة.
أيضاً نلمح ظلالاً لصراع خفيٍّ بين العائلات، محكوم بسياقات تاريخية واجتماعية، بين المهاجرين والوافدين، وأسياد الأرض في مدينة آسفي بتاريخها العريق وموقعها الجغرافي المتميز، وهو صراع هوية: يبرز فيه سؤال «مَن أنت؟» كتميمة وجود وتميز مراوِغة، تشاغب من خلالها «صباح» أستاذة الفلسفة تلاميذها، وترى السؤال نوعاً من التعصب والهبل. فالفرح بالمكان يتجسد بمعايشته والحفاظ عليه وتنميته جمالياً وإنسانياً، وليس بالنكش في جذور ماضٍ عفا عليه الزمن.
تبلغ الرواية ذروتها بحنوٍّ بالغ الرهافة مشكِّلة خلاصة مسامرات الخالة لمرايا ماضيها وحاضرها، ومؤانستها لطفلتها المتبناة، التي كبرت في طفولة الزمن والحياة، كاشفةً لها في سياق تحقيق صحافي قررت شيماء أن تُجريه معها عن وقائع زيجاتها الخمس، والمناطق المحرَّمة الملتبسة والشائكة التي عاشتها في ظلالها، وكيف لم تصل إلى الحب وتستمتع به كما هو معتاد، وكما وعدتها مسبقاً بأنها سوف تكشف لها عنه في أوانه حين تكبر، وتصبح مؤهلة لاستيعابه... تطوي الخالة دفترها وهي تحكي بشجن آسر عن لحظة الحب الوحيدة في حياتها، عن ثمرتها المحرَّمة التي توحَّدت بها جسداً وروحاً، ولم تدم سوى أسبوع فقط؛ لحظة فارقة، ابنة المصادفة المحضة مع ابن جارتها الطالب الشاب النابغة في دراسته، والذي خانته عبقريته، فانطفأت روحه وشبابه، وأصبح منزوياً في حجرته، فاقداً أي شهوة للحياة. بضغط ملحٍّ من أمه تفك الخالة أسره، وتعيده إلى طبيعته بجمالها الفاتن، ثم يَلقى حتفه في حادث سير. ليظل هذا العقد غير المكتوب المنفلت من قبضة الزمان ديناً في عُنق الخالة، وهو السر الكامن وراء تعطرها وتجملها في ثوبها الأسود الأنيق مثل شابة في ليلة العرس، كلما همّت بزيارته بين الحين والآخر في مقابر «بويس» الفقيرة القابعة في أطراف المدينة.
هكذا، بذبذبة درامية شفيفة تصل هذه الرواية الممتعة إلى لطشتها الأخيرة فكأننا نعيش زيارة أُمٍّ محروقة على فلذة كبدها، وعاشقة اختصرت العمر كله في بضعة أيام، لكن حلمها لم يستطع أن يعبر الشارع بأمان.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.