مسعود أوزيل... صفقة مدوية أصبحت رمزاً لتراجع آرسنال

كان من المفترض أن يساهم الألماني الدولي القادم من ريال مدريد في عودة «المدفعجية» إلى صفوف الكبار

أوزيل وفينغر وكأس إنجلترا (غيتي)
أوزيل وفينغر وكأس إنجلترا (غيتي)
TT

مسعود أوزيل... صفقة مدوية أصبحت رمزاً لتراجع آرسنال

أوزيل وفينغر وكأس إنجلترا (غيتي)
أوزيل وفينغر وكأس إنجلترا (غيتي)

عندما عاد آرسنال من فترة التوقف الدولية في سبتمبر (أيلول) عام 2013، كانت الأجواء بملعب تدريب الفريق تشبه تلك الأجواء التي تشعر بها عندما تذهب إلى المدرسة في أول أيام الدراسة، حيث كان الفريق قد ضم للتو لاعبا من العيار الثقيل وكان هناك شعور بالسعادة الغامرة. وكان هذا اللاعب هو النجم الألماني مسعود أوزيل الذي انضم للمدفعجية قادما من ريال مدريد الإسباني في صفقة كانت بمثابة إعلان نيات من قبل النادي الإنجليزي بأن الفترة القادمة ستكون مختلفة تماما عن السنوات الخمس السابقة وبأن النادي سيدعم صفوفه بأقوى الصفقات وأبرز النجوم من أجل العودة إلى مكانته الطبيعية بين الكبار.
يقول أحد كبار العاملين بالنادي في ذلك الوقت، والذي كان يعمل مع أوزيل يوميا ورآه وهو يتأقلم ويتفاهم سريعا مع زملائه الجدد مثل سانتي كازورلا وتوماس روسيكي: «لقد أحدث انضمامه للفريق ضجة كبيرة، ففجأة تعاقد النادي مع لاعب من العيار الثقيل، وكان هناك شعور بأن الأمور ستتغير مرة أخرى. كان بإمكانك أن ترى الأشياء تسير نحو الأفضل، فقد كان هناك شعور بالحماس الشديد بين الجميع، وشعرنا بأن شيئا ما قادم».
وفي الحقيقة، هناك تناقض صارخ بين ما حدث وقت قدوم أوزيل ووقت رحيله، حيث رحل النجم الألماني في هدوء ودون ضجة تذكر. وبعدما قضى أوزيل سبع سنوات ونصف بقميص آرسنال، رحل إلى نادي فنربخشة التركي وسط شعور بالراحة بين مسؤولي وجمهور آرسنال. إنه ليس شيئا شخصيًا مع اللاعب، لكن الكثيرين في آرسنال في الوقت الحاضر كانوا يتمنون قدوم هذا اليوم بفارغ الصبر، وذلك بسبب الجدل المثار حول هذا اللاعب الذي يتقاضى راتبا كبيرا ولا يشارك في المباريات، وهو الأمر الذي كان يؤثر بالسلب على الأجواء داخل النادي منذ فترة طويلة.
لقد ترك أوزيل إرثا من التناقضات والتشويهات والأوقات العصيبة والسيئة، وأحدث انقساما حادا في الآراء بين جمهور آرسنال. لكن ربما يكون الانطباع الأبرز عن مسيرته مع آرسنال يتمثل في أنه لم يقدم المستويات التي كانت متوقعة منه عندما انضم إلى ملعب «الإمارات». إن مسيرته مع آرسنال تعكس الإحباطات الأوسع نطاقاً التي شهدها النادي خلال السنوات الأخيرة من عهد المدير الفني الفرنسي أرسين فينغر، كما يرى البعض أنه كان عاملا في زعزعة الاستقرار داخل النادي خلال تلك السنوات الأولى.
وكان آرسنال يتابع أوزيل ويسعى للتعاقد معه منذ أن كان لاعبا في فيردر بريمن. ورغم أن البعض كانوا يشككون، في ذلك الوقت، في قدرة اللاعب على التحمل وفي بعض مواقفه الشخصية، فقد تبددت تلك الشكوك تماما عندما تألق أوزيل بقميص ريال مدريد وأصبح لاعبا عالميا.
وفي الحقيقة، لم يكن أوزيل على رادار آرسنال بجدية عندما اتصل خورخي مينديز، وكيل الأعمال الشهير والمنتشر في كل مكان، بالمسؤول عن التعاقدات بآرسنال آنذاك، ديك لو، وأشار إلى أن ريال مدريد بحاجة إلى الأموال للتعاقد مع النجم الويلزي غاريث بيل، وأنه مستعد لبيع كريم بنزيمة وأنخيل دي ماريا. ودائما ما كان أنخيل دي ماريا محط اهتمام فينغر، وبالنظر إلى أن آرسنال كان يحاول آنذاك التعاقد مع لويس سواريز وغونزالو هيغواين، فقد أخذ الفكرة على محمل الجد وسارع بإرسال وفد إلى إسبانيا لعقد مباحثات مع مسؤولي ريال مدريد، لكنهم شعروا بالإحباط والغضب عندما قيل لهم إن هذه الاقتراحات ليست مطروحة على الطاولة من الأساس. وبدلاً من ذلك، عُرض عليهم التعاقد مع أوزيل، الذي لم يكن يشارك كثيرا مع النادي الملكي.
يتذكر لو ما حدث قائلا: «لقد شعرنا بالصدمة». ويقول عن انضمام أوزيل إلى آرسنال مقابل 42.5 مليون جنيه إسترليني: «بدأت الأمور تتضح والمفاوضات تسير نحو النجاح خلال تلك الأيام الأربعة أو الخمسة الأخيرة. من الطبيعي أن تكون متحمسا للغاية عندما تبرم صفقة بهذا الحجم. لقد كان هناك كثير من التوتر، لكننا كنا نعلم أنه سيساعدنا على التطور والتحسن، وأعتقد أنه فعل ذلك بالفعل».
ومن جهته، لم يكن أوزيل يريد الرحيل عن ريال مدريد، حيث كان يشعر بأن الرحيل عن النادي الملكي يعد خطوة للوراء، خاصة أن الأمر كان مفاجئا بالنسبة له لأن بطل الدوري الإسباني لم يخبره بأنه يريد الاستغناء عن خدماته. لكنه سرعان ما تأقلم على الأجواء الجديدة مع آرسنال، وساعده على ذلك أن الفريق يضم زميليه في المنتخب الألماني لوكاس بودولسكي وبير ميرتساكر، إلى جانب زميله المقرب كازورلا. وقد تم تبديد جميع المخاوف المتعلقة بلياقته البدنية وقدرته على اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز من خلال التمريرات الحاسمة والأهداف التي كان يصنعها، والأرقام والإحصائيات التي أشارت، على الأقل خلال أول موسمين أو ثلاثة مواسم، إلى أنه لا يواجه مشكلة في معدلات الجري خلال المباريات.
قد يبدو أوزيل ضعيفًا من الناحية البدنية بالفعل، وحتى المسؤولون داخل النادي تفاجأوا من ظهوره بانتظام في الإحصائيات المتعلقة بأقل لاعبي آرسنال ركضا داخل الملعب. وفي الوقت نفسه، حظي النجم التشيلي أليكسيس سانشيز بإشادة كبيرة بسبب القدرات الكبيرة التي أظهرها فور وصوله للنادي في الموسم التالي. وفي تلك الأثناء، كان أوزيل يصنع الأهداف ويقدم التمريرات الحاسمة بشكل مستمر، وكان مستوى آرسنال يتطور ويتحسن بمرور الوقت، رغم أن النادي أهدر فرصة سانحة لتتويج جهوده الطموحة عندما فشل في منافسة ليستر سيتي على الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في موسم 2015 - 2016.
ولا يوجد إجماع على الأسباب التي أدت إلى تدهور العلاقة بهذا الشكل بين أوزيل وآرسنال. من المؤكد أن هناك ندرة في المعلومات بشأن الأسباب التي أدت إلى قيام المدير الفني الإسباني ميكيل أريتيتا باستبعاد أوزيل تماما من خططه هذا العام. وتشير معظم النظريات إلى أن أسباب الخلاف تعود إلى العقد الذي وقعه أوزيل مع آرسنال في بداية عام 2018، بعد مشاحنات كبيرة، والذي يحصل بمقتضاه على راتب أسبوعي يبلغ 350 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا. لقد كان فينغر مصرا على بقاء أوزيل بأي شكل من الأشكال، رغم أن أوزيل لم يقدم المستويات التي تستحق ذلك، سواء في ذلك الوقت أو بعد ذلك.
وقال فينغر في عام 2019: «في معظم الوقت الآن نعتقد أنه عندما نتعاقد مع لاعب لمدة خمس سنوات فإنه سيكون لدينا لاعب جيد لمدة خمس سنوات. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه سيقدم أفضل ما لديه مع الفريق، لأنه قد يكون في منطقة الراحة الخاصة به في تلك الفترة». لقد بذل فينغر قصارى جهده من أجل مساعدة أوزيل على تقديم أفضل ما لديه داخل المستطيل الأخضر، وتغاضى عن كثير من الأمور عندما بدأ مستوى اللاعب في التراجع، وخاصة في المباريات التي يلعبها الفريق خارج ملعبه. لكن أوزيل كان يلعب من أجل المتعة فقط، ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن إحدى سمات العقد الأخير لفينغر في منصبه كانت تتمثل في ضعفه تجاه اللاعبين الذين يميلون إلى الاستعراض وتقديم لمحات مهارية على حساب الجوانب والخطط التكتيكية، وهو الأمر الذي كان ينطبق على أوزيل إلى حد ما.
يقول أحد المسؤولين بنادي آرسنال: «لقد عرف أرسين فينغر كيف يتعامل مع أوزيل، سواء كلاعب أو كشخص، وكان أوزيل يحترمه حقًا. لقد كان هناك تفاهم كبير بينهما، وكان فينغر يمنحه حرية التحرك داخل الملعب دون كثير من القيود، وأعتقد أن أوزيل بحاجة إلى ذلك. يمكنك أن تلزمه ببعض الأمور المحددة، لكن مع لاعبين من هذا القبيل يتعين عليك أن تمنحهم هذه الحرية للتحرك والتعبير عن أنفسهم داخل الملعب. لقد فهمه فينغر جيدا وكان يعرف طبيعة شخصيته».
وفي المقابل، كان رحيل فينغر – الذي جاء بعد أشهر قليلة من توقيع أوزيل لعقده الجديد – بمثابة لحظة حاسمة في مسيرة اللاعب مع آرسنال، حيث لم يلعب أوزيل بشكل أساسي تحت قيادة المدير الفني الجديد أوناي إيمري، الذي أسقطه من حساباته ووصفه بأنه «مثل أي لاعب آخر». وبالتالي، لم يكن يخفى على أحد أن أوزيل كان يشعر بحزن شديد، وفي الوقت نفسه كانت غرفة خلع الملابس بالكامل تعاني من الاضطراب والمشاكل. من المفهوم أن الشراكة بين سيد كولاسيناتش وشكودران موستافي في وسط الملعب لم تكن جيدة في كثير من الأحيان، لكن يجب الإشارة أيضا إلى أن عددا محدودا ممن عملوا عن قرب مع أوزيل في عهد فينغر كان لديهم تحفظات على شخصية النجم الألماني.
وبعد فترة وجيزة من وصول زميله السابق في الفريق ميكيل أرتيتا كمدير فني، عاد أوزيل للمشاركة في المباريات وتقديم أداء جيد، بما في ذلك التمريرة الحاسمة التي أحرز منها ألكسندر لاكازيت هدف الفوز ضد وستهام، فيما اتضح بعد ذلك أنها آخر مباراة له مع الفريق. ولا تزال الظروف المحيطة باستبعاد أوزيل من الفريق غامضة، لكن أرتيتا أخبر لاعبيه فور توليه قيادة الفريق أنه سيلعب بطريقة تعتمد على الضغط العالي على حامل الكرة، وبالتالي ربما لم يكن من الغريب أن يتم استبعاد أوزيل، نظرا لأنه تخطى الثلاثين من عمره ويعاني من مشاكل بدنية لا تساعده على اللعب بهذه الطريقة التي تتطلب بذل مجهود بدني كبير.
من المؤكد أن أوزيل أصيب بخيبة أمل كبيرة بسبب طريقة تعامل آرسنال معه بعد إعلانه عن موقفه فيما يتعلق بمعاملة الصين لأقلية الإيغور المسلمة في ديسمبر (كانون الأول) 2019، كما وجد نفسه في خلاف جديد مع مسؤولي النادي عندما رفض تقليل أجره. لقد كان هناك شعور داخل النادي بأن مستوى أوزيل داخل الملعب يتراجع وبأن المشاكل التي يتسبب فيها خارج الملعب آخذة في التزايد، وبالتالي لم يكن من الغريب أن يشعر النادي بالراحة بعد رحيله.
وبعد رحيله عن آرسنال وانضمامه إلى فناربخشة التركي، قال أوزيل «أود توجيه الشكر للنادي على هذه الرحلة الرائعة على مدار آخر سبعة أعوام ونصف العام. الدعم الذي تلقيته من الفريق والجماهير خلال فترتي هنا كان مذهلا حقا وهو أمر سأكون ممتنا له دائما. ولم يلعب أوزيل، والفائز بكأس العالم مع ألمانيا، منذ مارس (آذار) الماضي». وقال أرتيتا في بيان «مسعود كان قلب العديد من اللحظات الرائعة في هذا النادي على مدار السنوات منها الفوز
بكأس الاتحاد الإنجليزي ثلاث مرات. هذه النجاحات ستظل دائما جزءا من تاريخنا. نشكر مسعود ونتمنى له التوفيق في فناربخشة».
وقال أوزيل إنه «سعيد للغاية وسيقدم كل شيء لفناربخشة بعد غياب لأشهر عدة عن الملاعب خلال وجوده مع آرسنال». وقال في مقابلة مع قناة «أون تي في» التركية «أنا سعيد للغاية، ومتحمس جداً. لقد كتب لي الله أن أرتدي قميص فناربخشة. سأرتديه بفخر وسأبذل قصارى جهدي من أجل الفريق»... وأشارت صحف تركية عدة إلى أن إلى أن عقد أوزيل سيكون لمدة ثلاث سنوات، وسيتقاضى ما يصل إلى خمسة ملايين يورو عن كل موسم.
وترك اللاعب الألماني بصمة مع فينغر حيث قاد آرسنال لإنهاء غيابه عن الألقاب عندما نال كأس الاتحاد الإنجليزي في موسمه الأول. لكن أوزيل ابتعد عن المشاركة مع المدربين أوناي إيمري وميكيل أرتيتا الذي قال إن استبعاد اللاعب من التشكيلة «لأسباب متعلقة بكرة القدم».
من جانبه قال فينغر إن صانع اللعب أوزيل يحتاج إلى امتلاك رغبة قوية في لعب كرة القدم والتألق مرة أخرى بعدما وجد الترحاب وأجواء ودية في ناديه الجديد فناربخشة التركي. وقال فينغر: «أنا متأكد أنه يشعر بالإحباط بسبب عدم لعبه. يجب أن يملك رغبة قوية للعب كرة القدم مجددا». وأضاف «مسعود شخص يحتاج إلى أجواء دافئة وأنا أثق بأنه سيجد ذلك في تركيا وبشكل أكبر من أي مكان آخر. بصفة عامة، هو يستطيع تمرير الكرات التي يحتاج إليها الهجوم للفوز بمباريات كرة القدم. إذا فعلوا ذلك بشكل مميز، فسيكون لديهم فرصة للفوز بلقب الدوري».
ويعتقد فينغر أن تأثير أوزيل على المدى القصير سيعتمد على مستوى لياقة اللاعب في ظل ابتعاده طويلا عن الملاعب. وقال المدرب الفرنسي: «إذا كانت لياقته في المران جيدة، فسيحتاج إلى ثلاث أو أربع مباريات للوصول إلى قمة مستواه. الشيء الذي يجيده هو... الرؤية في العمق. هو يرى بسرعة ويقرر بسرعة ويدرك ما يراه بسرعة. هذا الشيء لا يتوفر كثيرا».
وفي النهاية، يجب التأكيد على أن أوزيل وآرسنال لم يقدما ما كان يتوقعه كثيرون عندما انتقل النجم الألماني إلى ملعب «الإمارات»، وكل ما تبقى هو إرث متواضع لأوزيل عبارة عن لمحات فنية استثنائية لا يمكن أن يقدمها سوى عدد قليل من اللاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز. ربما يكون هذا كافيا للبعض، لكنه ليس كافيا للبعض الآخر بكل تأكيد!



طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة
TT

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

لا ترحم ملاعب كرة القدم الكبرى عثرات البدايات، ولا تشفع السير الذاتية لأعتى المدارس التدريبية أمام هدير الغضب الجماهيري وضغوط الإدارات، إذ تظل البطولات العالمية والقارية بمثابة حقل ألغام يعجل بنهاية مغامرات فنية لم تكد تبدأ.

إن الإقالة الفورية التي تعرض لها الفرنسي التونسي صبري لموشي مع منتخب تونس في قلب المونديال الحالي، لم تكن سوى امتداد لظاهرة كروية تاريخية تُعرف بـ«الإطاحة السريعة وسط المنافسات»، حيث تصبح التضحية برأس المدير الفني الخيار الأوحد لمحاولة إنقاذ السفينة من الغرق المبكر قبل فوات الأوان.

زلزال مونديال 2026: لموشي يدفع ضريبة «خماسية السويد» ورينارد طوق النجاة

صبري لموشي (رويترز)

وقد سطر الفرنسي من أصول تونسية، صبري لموشي، اسمه باعتباره أحدث وأسرع المدربين المبعدين في تاريخ كأس العالم الحديث خلال شهر يونيو من عام 2026. وجاء هذا القرار الحاسم والدراماتيكي من قِبل الاتحاد التونسي لكرة القدم عقب انتهاء المباراة الافتتاحية لـ«نسور قرطاج» في دور المجموعات أمام منتخب السويد، حيث فجّرت الخسارة الثقيلة والمذلة بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، والأداء الدفاعي الكارثي، موجة غضب عارمة عجلت بصدور قرار الإقالة، ليسارع الاتحاد بالتعاقد مع الخبير المونديالي الفرنسي هيرفي رينارد بديلاً له، ليتولى قيادة المنتخب في المباراتين المصيريتين المتبقيتين بدور المجموعات أمام اليابان وهولندا.

هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

فرنسا 1998: بيريرا يغادر «الأخضر» بقرار في منتصف الطريق

المدرب البرازيلي كارلوس ألبرتو بيريرا (إكس)

هذا السيناريو القاسي يعيد إلى الأذهان ما حدث في يونيو من عام 1998، عندما شهد المونديال الفرنسي إقالة المدرب البرازيلي المخضرم كارلوس ألبرتو بيريرا من تدريب المنتخب السعودي. ورغم تاريخ بيريرا العريض وتتويجه باللقب العالمي مع البرازيل، فإن الصبر الإداري لم يدم طويلاً، فبعد تجرع خسارة أولى أمام الدنمارك بهدف نظيف، جاء السقوط أمام صاحب الأرض والجمهور المنتخب الفرنسي برباعية نظيفة في الجولة الثانية، ليعلن الاتحاد السعودي إقالة بيريرا فوراً وقبل خوض المباراة الثالثة والأخيرة ضد جنوب أفريقيا، معوضاً إياه بالمدرب الوطني محمد الخراشي الذي قاد المواجهة الختامية في محاولة عاجلة لترميم المعنويات المنهارة.

محمد الخراشي مدرب المنتخب السعودي في مونديال 98

مفارقة تونسية: كاسبرتشاك يذوق مرارة المقصلة مبكراً

المدرب البولندي هنري كاسبرتشاك (ويكيبيديا)

المفارقة التاريخية تكمن في أن المنتخب التونسي نفسه ذاق مرارة هذا الإجراء الاستثنائي في التوقيت ذاته وخلال مونديال فرنسا في يونيو 1998، حين أطيح بالمدرب البولندي هنري كاسبرتشاك في منتصف دور المجموعات. وجاء قرار الاستغناء عن كاسبرتشاك بعد تلقي الفريق خسارتين متتاليتين أمام إنجلترا بهدفين نظيفين ثم كولومبيا بهدف دون رد، حيث رأت الإدارة التونسية حينها أن النهج الفني للمدرب بات عقيماً ولا يلبي تطلعات الجماهير، ليتم استبعاده على الفور وتكليف مساعده المحلي علي السلمي الذي حل بديلاً عنه لتولي المهمة في المباراة الأخيرة للمجموعات أمام رومانيا.

المدرب التونسي علي السلمي (إكس)

زلزال في سيول: الإطاحة بأسطورة كوريا الجنوبية بعد خماسية الطواحين

أسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون (ويكيبيديا)

ولم تتوقف مقصلة مونديال 1998 عند حدود المنتخبات العربية، بل امتدت لتطيح بأسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون من تدريب منتخب كوريا الجنوبية. فبعد مشوار تصفيات مثالي خاضه الأخير، انهار المنتخب الكوري في النهائيات بخسارة أولى أمام المكسيك بثلاثية، ثم هزيمة كارثية بخماسية نظيفة أمام هولندا، مما دفع الاتحاد الكوري لإصدار قرار طرده فوراً في العشرين من يونيو وسط صدمة الشارع الرياضي، وتكليف مساعده كيم بيونغ-سوك بإنهاء المشوار في المباراة الختامية أمام بلجيكا.

الولايات المتحدة 1994: الصدام يطيح بهنري ميشيل من عرين الكاميرون

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

ولم تكن القارة الأفريقية بعيدة عن هذه العواصف التدريبية في المنافسات العالمية، إذ شهدت نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأميركية في يونيو من عام 1994 نهاية مأساوية لولاية الفرنسي المخضرم هنري ميشيل مع منتخب الكاميرون. ورغم الآمال العريضة التي عُقدت على «الأسود غير المروضة»، فإن الانقسامات الداخلية الحادة بين المدرب واللاعبين حول التشكيل والمكافآت، والتي تزامنت مع تعادل مخيب أمام السويد بهدفين لمثلهما وسقوط ثقيل أمام البرازيل بثلاثية نظيفة، دفعت بمسؤولي الاتحاد الكاميروني إلى الإطاحة بميشيل من منصبه بقرار صارم في أوج معمعة البطولة، وإسناد المهمة بشكل عاجل وثنائي للمدربين المحليين جان مانغا أونغوين وجول نيونغا، اللذين قادا المواجهة الأخيرة التي انتهت بخسارة تاريخية أمام روسيا.

سويسرا 1954: أندي بيتي يستقيل في المعسكر ويترك اسكوتلندا بلا قائد

أما الجذور التاريخية لهذه الإقالات الطارئة فتعود إلى مونديال سويسرا عام 1954، عندما شهدت البطولة أقرب الحالات إلى مفهوم الانتحار التدريبي مع الاسكوتلندي أندي بيتي.

بيتي، الذي وجد نفسه مقيداً بقائمة هزيلة ومقننة من 13 لاعباً فقط أرسلها اتحاد بلاده لخوض المنافسات، لم يحتمل تبعات الخسارة الافتتاحية أمام النمسا بهدف نظيف، فتقدم باستقالته على الفور في قلب البطولة وغادر المعسكر غاضباً، تاركاً لاعبي «جيش التارتان» يواجهون مصيرهم بمفردهم ليتجرعوا بعدها هزيمة تاريخية قاسية أمام أوروغواي بسبعة أهداف دون رد.


عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير
TT

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

تحتفظ ذاكرة كأس العالم بصفحات خالدة سطرها جيل من المهاجمين الأفذاذ، الذين لم تكن أهدافهم مجرد أرقام في لوحات الملاعب، بل تحولت إلى صكوك دخلوا بها تاريخ الساحرة المستديرة من أوسع أبوابه. وفي صراع «الأحذية الذهبية» عبر العقود، يظل السؤال الأزلي يتردد مع كل نسخة مونديالية: من يجلس على العرش العالمي، ومن يهدد عروش السابقين؟

ميروسلاف كلوزه (المركز الأول - 16 هدفاً)

لم يكن الألماني ميروسلاف كلوزه أكثر المهاجمين موهبة في جيله، لكنه كان الأكثر فاعلية وحسماً أمام الشباك، حيث نجح عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية (2002-2014) في اعتلاء قمة الهرم المونديالي، متوجاً مسيرته بلقب نسخة 2014 التي شهدت تحطيمه للرقم القياسي التاريخي في معقل البرازيل بالذات، مدفوعاً بذكاء تموقعه داخل منطقة الجزاء وإتقانه الأسطوري للضربات الرأسية.

مهاجم منتخب ألمانيا السابق ميروسلاف كلوزه (د.ب.أ)

رونالدو نازاريو (المركز الثاني - 15 هدفاً)

جسد البرازيلي رونالدو مفهوم «المهاجم المتكامل» أو «الظاهرة» الذي يجمع بين السرعة الخارقة والمهارة الفائقة والإنهاء القاتل، وتمكن عبر ثلاث بطولات فعلية شارك بها من كتابة التاريخ، لا سيما في مونديال 2002 عندما قاد «السامبا» لرفع الكأس الذهبية وتوج هدافاً للبطولة، ليبقى رقمه صامداً لسنوات كرمز للرعب التهديفي الذي عانت منه أعتى دفاعات العالم.

رونالدو نازاريو (أ.ف.ب)

غيرد مولر (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

عُرف الألماني غيرد مولر بلقب «المدفعجي» وكان بمثابة الثقب الأسود داخل منطقة جزاء الخصوم، إذ تميز بقدرة خارقة على التسجيل من أشباه الفرص وبمختلف أجزاء جسده، تاركاً بصمة تاريخية لا تُمحى في نسختي 1970 و1974، حيث أحرز هدف التتويج بلقب كأس العالم الأخير في شباك هولندا، ليظل نموذجاً كلاسيكياً للمهاجم القناص الذي يطوع المساحات الضيقة لخدمة الشباك.

غيرد مولر (1945-2021) هو أسطورة كرة قدم ألماني وأحد أعظم الهدافين في التاريخ (ويكيبيديا)

كيليان مبابي (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

مبابي يحمل كأس العالم بعد فوز منتخب فرنسا عام 2018 (أ.ف.ب)

يمثل الفرنسي كيليان مبابي الإعصار الحديث الذي يهدد العروش المونديالية السابقة، إذ نجح في غضون نسختين فقط (2018) و(2022) في الوصول إلى هدفه الثاني عشر وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مستنداً إلى سرعته النفاثة وثلاثيته التاريخية «الهاتريك» في نهائي ملعب «لوسيل» بقطر، مما يجعله المرشح الأول في السنوات القادمة للانفراد بصدارة هذا السجل التاريخي.

وقد شهدت افتتاحية مباريات «الديوك» الفرنسية في مونديال (2026) حدثاً تاريخياً غير مسبوق، عندما فجر «الفتى الذهبي» طاقته التهديفية في شباك السنغال، فبعد أن هز الشباك في الدقيقة (66) ليفك الشراكة مع «الملك» بيليه ويرتقي مؤقتاً إلى المركز الرابع مكرر برصيد (13) هدفاً واضعاً نفسه على مسافة واحدة مع مواطنه الأسطوري جاست فونتين وغريمه المعاصر ليونيل ميسي، عاد مبابي ليرفض البقاء في تلك المرتبة طويلاً بتسجيله الهدف الثاني له في المباراة هدفه الـ14 تاريخياً ليتجاوز ميسي وفونتين دفعة واحدة، ويقتحم منصة التتويج التاريخية بالصعود إلى المركز الثالث مكرر ليتساوى مع «المدفعجي» مولر، ليصبح على بُعد هدفين فقط من معادلة «الظاهرة» رونالدو (15) هدفاً، وثلاثة أهداف من الجلوس وحيداً على العرش العالمي لميروسلاف كلوزه.

القفز من الثالث إلى الخامس... حجب المرتبة الرابعة

ومن عتبة المركز الثالث المشترك حالياً بين غيرد مولر وكيليان مبابي برصيد 14 هدفاً، تقفز الحسابات الرياضية التراكمية مباشرة إلى المركز الخامس لتلغي المرتبة الرابعة تماماً لعدم وجود أحد فيها، فحيث إن المركز الثالث مشغول بـ «اسمين»، فقد استهلكا الخانتين الحسابيتين (3 و4)، ليحل من يليهما في الرصيد وهما ميسي وفونتين بـ13 هدفاً في المركز الخامس.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

ليونيل ميسي (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

توج الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي مسيرته الخيالية بصعوده إلى المركز الرابع التاريخي بعد مونديال استثنائي في قطر 2022، حيث لم يكتفِ برفع الكأس الإعجازية بل سجل 7 أهداف حاسمة في تلك النسخة، ليثبت للعالم أن صانع الألعاب والعبقري الذي يتحكم في إيقاع المباريات يمكنه أيضاً أن ينافس أعتى المهاجمين الصرحاء في عقر دارهم التهديفية.

جاست فونتين نجم كرة القدم الفرنسي الراحل (ويكيبيديا)

جاست فونتين (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

حقق الفرنسي الراحل جاست فونتين إعجازاً كروياً عصياً على التكرار في تاريخ المستديرة، عندما سجل جميع أهدافه الثلاثة عشر في نسخة واحدة فقط وهي بطولة السويد 1958، ليمنح بلاده مركزاً متقدماً ويعلن عن نفسه كصاحب أعلى معدل تهديفي في بطولة منفردة، في محطة تاريخية تقف شاهداً على عبقرية هجومية سبقت عصرها بكثير.

وبذات الصرامة الحسابية، يتحرك قطار التوثيق من عتبة المركز الخامس المشترك بين ميسي وفونتين (13 هدفاً)، ليستهلك هذا الثنائي الخانتين الخامسة والسادسة، وبذلك يتجاوز الترتيب المرتبة السادسة المحجوبة تماماً ويحط الرحال عند المركز السابع حيث يبرز اسم «الملك» البرازيلي الراحل بيليه وحيداً برصيد 12 هدفاً.

بيليه (أ.ف.ب)

بيليه (المركز السابع - 12 هدفاً)

بينما يظل بيليه «الملك» واللاعب الوحيد المتوج بثلاثة ألقاب لكأس العالم، فإن أهدافه الاثني عشر كانت بمثابة اللوحات الفنية التي صاغت أمجاد البرازيل الكروية، حيث بدأ مسيرته مراهقاً مذهلاً في 1958 وختمها بعبقرية مطلقة في 1970، مسجلاً في المباريات النهائية الكبرى ومثبتاً أن النجومية ترتبط بالحضور الحاسم في المواعيد التي تصنع التاريخ.

تستمر قائمة العظماء بأسماء حفرت مكانتها بمداد من ذهب:

ساندور كوتشيس (المركز الثامن- 11 هدفاً)

يعد المجري ساندور كوتشيس صاحب الومضة الهجومية الأكثر رعباً في خمسينيات القرن الماضي، حيث سجل أهدافه الأحد عشر في نسخة واحدة فقط (سويسرا 1954) وخلال خمس مباريات، بفضل ارتقاءاته الخيالية التي منحت لقب «الرأس الذهبي»، ليدون أول ثنائية «هاتريك» في تاريخ البطولة قبل أن تنهي الظروف السياسية مسيرة جيله الذهبي مبكراً.

لاعب منتخب المجر السابق ساندور كوتشيس (ويكيبيديا)

يورغن كلينسمان (المركز الثامن مكرر - 11 هدفاً)

سطر الألماني يورغن كلينسمان قصة نجاح ممتدة على مدار عقد كامل في الملاعب المونديالية، نجح خلالها في توزيع أهدافه الأحد عشر على ثلاث نسخ متتالية بدأها في إيطاليا 1990 بثلاثة أهداف أسهمت في قيادة الماكينات لرفع الكأس العالمية، ثم بلغ ذروة توهجه في أميركا 1994 محرزاً خمسة أهداف من بينها مقصيته الشهيرة في شباك كوريا الجنوبية، قبل أن يختتم مشواره في فرنسا 1998 بثلاثة أهداف أخرى. وقد تميز كلينسمان بأدائه كمهاجم شامل يجمع بين السرعة والذكاء التكتيكي العالي والقدرة على حسم الهجمات من مختلف الوضعيات، فضلاً عن احتفاليته الأيقونية بالارتماء على العشب، ليظل واحداً من الرموز الخالدة التي صاغت أمجاد الهجوم الألماني في العصر الحديث.

الألماني يورغن كلينسمان (ويكيبيديا)

لغز الترتيب المحجوب... كيف ألغت حسابات «الفيفا» المركز التاسع؟

في عالم الأرقام والإحصاءات المونديالية، كثيراً ما تفرض «لعبة الكراسي الموسيقية» أحكاماً رقمية صارمة تُلغي مراكز بأكملها من لوائح الشرف، وهو تماماً ما يتجلى في هذا المنعطف من سباق الهدافين التاريخيين لكأس العالم، حيث يختفي «المركز التاسع» تماماً من المشهد. يعود السبب في هذا التواري الإحصائي إلى القواعد الدولية المعتمدة التي تقضي بأنه في حال تعادل لاعبين في مرتبة واحدة كما هو الحال مع كلينسمان وكوتشيس اللذين يتقاسمان المركز الثامن برصيد 11 هدفاً فإن المرتبة الرقمية التي تليها تُحجب تلقائياً لتكافؤ الفرص الشاغرة.

ومن هذا المنطلق الحسابي، يتجاوز قطار التاريخ محطة الرقم تسعة، ليقذف بنا مباشرة إلى «المركز العاشر»، وهو المركز الأكثر ازدحاماً وصخباً في الأرشيف المونديالي، حيث يتشارك في ثناياه ستة فرسان من أساطير اللعبة الذين اصطدمت طموحاتهم بجدار الـ10 أهداف، ليرسموا معاً لوحة كروية امتدت عبر مختلف الأجيال والمدارس الكروية.

غاري لينيكر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

النجم الإنجليزي غاري لينيكر (أ.ب)

يبرز الإنجليزي غاري لينيكر كأحد أذكى قناصي منطقة الجزاء في تاريخ الكرة البريطانية، حيث نال الحذاء الذهبي في مونديال 1986 برصيد 6 أهداف وأضاف 4 أخرى في نسخة 1990، متميزاً ببرود أعصابه أمام المرمى وسجله الأخلاقي الناصع، إذ اعتزل كرة القدم دون أن يتلقى بطاقة صفراء أو حمراء واحدة طوال مسيرته الدولية والمحلية.

توماس مولر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الألماني توماس مولر (ويكيبيديا)

أعاد الألماني توماس مولر تعريف مركز المهاجم في العصر الحديث من خلال ابتكاره لدور «صائد المساحات»، حيث فجر طاقته بخمسة أهداف في مونديال 2010 نال بها الحذاء الذهبي، ثم كرر الرقم ذاته في مونديال 2014 ليقود بلاده لمنصة التتويج، معتمداً على تحركاته الذكية الخالية من الكرة وتوقعه المثالي لأخطاء المدافعين.

غابرييل باتيستوتا (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا (ويكيبيديا)

حمل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا لقب «باتي غول» لشدة وقوة تسديداته المدمرة التي لم ترحم حراس المرمى، ودخل التاريخ كونه اللاعب الوحيد في أرشيف كأس العالم الذي نجح في تسجيل ثلاثية (هاتريك) في نسختين متتاليتين من البطولة (1994 ضد اليونان و1998 ضد جامايكا)، مجسداً بقميص «التانغو» ذروة القوة البدنية والإنهاء الشرس.

تيو فيلو كوبيلاس (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو (ويكيبيديا)

يعتبر تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو وأحد أعظم لاعبي خط الوسط الهجومي في تاريخ أميركا الجنوبية، حيث وزع أهدافه العشرة بالتساوي بإحرازه 5 أهداف في مونديال 1970 و5 أخرى في مونديال 1978، مبهراً العالم بمهارته الفائقة في المراوغة وتنفيذه للركلات الحرة الملتفة التي سكنت شباك كبار حراس المرمى.

غرزيغورز لاتو (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الجناح السريع لمنتخب بولندا غرزيغورز لاتو (ويكيبيديا)

قاد الجناح السريع غرزيغورز لاتو منتخب بولندا إلى عصرها الذهبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتوج هدافاً لمونديال 1974 برصيد 7 أهداف ليقود بلاده للمركز الثالث، قبل أن يعزز رصيده في نسختي 1978 و1982، مستغلاً سرعته النفاثة وانطلاقاته من الأطراف لضرب الدفاعات والتسجيل بكفاءة المهاجم الصريح.

هلموت ران (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

يحتل الألماني هلموت ران مكانة أسطورية مقدسة في الذاكرة الكروية لبلاده، فهو المدفعجي الذي سجل هدف الفوز التاريخي في نهائي مونديال 1954 ضد المجر في المباراة الشهيرة بـ«معجزة بيرن»، وتابع توهجه في مونديال 1958 برصيد 6 أهداف كاملة، ليؤكد إرثه كلاعب المواعيد الكبرى الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن في اللحظات القاتلة.

ويبقى السؤال معلقاً فوق العشب الأخضر، هل يصمد عرش كلوزه أمام طموح مبابي الجارف، أم أن مونديال 2026 سيعيد كتابة التاريخ ويغير ملامح نادي العظماء؟


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.