أرمسترونغ: ما يحققه ساوثهامبتون من نجاح نتاج جهد وعرق ودموع

لاعب خط الوسط الاسكوتلندي كان له دور كبير في الانتصار على ليفربول ويأمل بإنجاز مع بلاده بكأس الأمم الأوروبية

أرمسترونغ لاعب ساوثهامبتون يشتت كرة في مواجهة ليفربول لينتزع فريقه انتصاراً مثيراً (إ.ب.أ)
أرمسترونغ لاعب ساوثهامبتون يشتت كرة في مواجهة ليفربول لينتزع فريقه انتصاراً مثيراً (إ.ب.أ)
TT

أرمسترونغ: ما يحققه ساوثهامبتون من نجاح نتاج جهد وعرق ودموع

أرمسترونغ لاعب ساوثهامبتون يشتت كرة في مواجهة ليفربول لينتزع فريقه انتصاراً مثيراً (إ.ب.أ)
أرمسترونغ لاعب ساوثهامبتون يشتت كرة في مواجهة ليفربول لينتزع فريقه انتصاراً مثيراً (إ.ب.أ)

رغم النتائج الجيدة التي يحققها ساوثهامبتون في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، وآخرها الانتصار المثير على ليفربول المتصدر بهدف وحيد، لا يشعر المدير الفني للفريق، رالف هازنهوتل، بالراحة، ودائماً ما يحذر لاعبيه من أن الشعور بالرضا والتراخي سوف تكون له تداعيات وخيمة. لكن نهاية عام 2020 كانت بمثابة الوقت المناسب للتفكير أيضاً في التقدم الملحوظ الذي أحرزه الفريق في الآونة الأخيرة.
وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن ساوثهامبتون يأتي في المركز الرابع بين أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، من حيث تحقيق الفوز في أكبر عدد من المباريات خلال الـ12 شهراً الماضية، بعد أندية ليفربول ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد. ووضع الفوز على حامل اللقب متصدر جدول الترتيب ساوثهامبتون على مسافة قريبة من المراكز الأربعة الأولى، حيث يحتل المركز السادس برصيد 29 نقطة، بفارق الأهداف فقط عن توتنهام الرابع.
ورغم الفشل في تحقيق أي فوز خلال المباريات الأربع الأخيرة قبل مواجهة ليفربول، فإن رجال المدرب النمساوي هازنهوتل أثبتوا أنهم مقاتلين في مواجهة حامل اللقب، ونجحوا في الزود عن مرماهم لأكثر من 88 دقيقة، بعد أن تقدموا بهدف مبكر سجله داني إنغز بعد مرور دقيقتين فقط من البداية.
ويعتمد هازنهوتل على طريقة (4-2-2-2)، والضغط العالي على المنافسين، وهي الطريقة التي ساعدته على قيادة لايبزيغ الألماني للتأهل لدوري أبطال أوروبا. وتؤدي هذه الطريقة إلى «خنق» الفرق المنافسة، إن جاز التعبير، كما أن لاعب خط الوسط ستيوارت أرمسترونغ يلعب دوراً بارزاً في تطبيق هذه الطريقة بأفضل شكل ممكن داخل المستطيل الأخضر.
يقول أرمسترونغ: «هناك كثير من الجري، وكثير من الطاقة، وكثير من الدم والعرق والدموع، لكن عندما تخرج من الملعب وأنت فائز على فريق مثل ليفربول، ولديك نقاط المباراة الثلاث، فإنك تشعر بأن الأمر يستحق كل هذا العناء. لقد أكد المدير الفني على أنه يتعين على كل شخص أن يبذل قصارى جهده ليكون جزءاً من هذا النظام. كنت أعلم منذ البداية أن الطريق لن يكون سهلاً، وكانت بداية صعبة بالتأكيد، لكن أهم شيء هو الإصرار والعزيمة والمثابرة». ويتميز النجم الاسكتلندي بالتواضع الشديد ومنتهى إنكار الذات، لكن بعيداً عن أسلوبه اللطيف وسلوكه الهادئ، فإنه أحد أهم أسلحة هازنهوتل داخل الملعب. وكان أرمسترونغ قد انضم إلى ساوثهامبتون قبل عامين ونصف بحثاً عن تحدٍ جديدٍ بعد 4 مواسم رائعة بقميص سلتيك، حقق خلالها كثيراً من الإنجازات والأرقام القياسية، كان من بينها عدم الخسارة لمدة 585 يوماً، والفوز مرتين بالثلاثية، بصفته جزءاً من «الفريق الذي لا يقهر» تحت قيادة بريندان رودجرز. ولم يذق أرمسترونغ طعم الخسارة في مباراة الديربي الاسكتلندي بين سلتيك ورينجرز، وهو يقول عن ذلك: «لقد كانت مباريات رائعة، وأجواء رائعة يستمتع بها أي لاعب، وهو شيء سأعتز به إلى الأبد، فأنا أمتلك ذكريات رائعة بشأن هذه المباريات، وأدرك أنني محظوظ جداً لأنني لم أخسر أي مباراة في الديربي».
وقبل الصعود للفريق الأول لنادي دندي يونايتد الذي لعب له بجوار نجم ليفربول الحالي آندي روبرتسون، التحق أرمسترونغ بالجامعة المفتوحة للحصول على شهادة في القانون. لكن بعد 3 سنوات من ذلك، أدى انتقاله لسلتيك إلى انشغاله في وسط الأسبوع بخوض مباريات دوري أبطال أوروبا، والسفر إلى ملاعب شهيرة، مثل «كامب نو» الخاص ببرشلونة، أو «حديقة الأمراء» معقل سان جيرمان الفرنسي.
يقول أرمسترونغ ضاحكاً: «كنت أسهر في بعض الأيام حتى وقت متأخر من الليل لكي أكتب بعد المقالات والأبحاث المستعجلة؛ ربما لم أكن جيداً في ذلك، لكني أنجزتها في نهاية المطاف».
وبالنظر إلى هذه الصفات الرائعة التي يمتلكها أرمسترونغ، لم يكن من الغريب أن يلعب دوراً كبيراً في غرفة خلع الملابس بنادي ساوثهامبتون، جنباً إلى جنب قائد الفريق جيمس وارد براوز، والمدافع جاك ستيفنز الذي يتولى أمر فرض العقوبات على اللاعبين الذين لا يلتزمون بالمواعيد أو يتركون عدة التدريب داخل الملعب بعد انتهاء التدريبات. يقول أرمسترونغ مبتسماً: «يتعين علي أن التزم الصمت، فأنا كالشرطي الذي يتعين عليه أن يحافظ على سرية المعلومات؛ كل ما يمكنني قوله هو أن جيمس وارد براوز مخبر».
ويقول أرمسترونغ إنه لم يكن يبحث يوماً ما عن القيام بمثل هذا الدور، لكنه يرى أن ذلك يعكس ثقة المدير الفني فيه، موضحاً: «ربما يكون أفضل ما في الأمر أن هذا يظهر وجود عنصر الثقة».
ويأمل أرمسترونغ أن يلعب دوراً بارزاً مع منتخب بلاده في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2021، حيث تلعب اسكتلندا أمام إنجلترا بعد التأهل لأول مرة لبطولة كبرى منذ 23 عاماً. وكان أرمسترونغ أحد الركائز الأساسية في صفوف المنتخب الاسكتلندي الذي تأهل لدوري أبطال أوروبا، بعد الفوز على صربيا بركلات الترجيح في بلغراد. ورغم أن أرمسترونغ يركز بشكل كامل في الوقت الحالي على المباريات التي يلعبها ساوثهامبتون، فإنه يدرك تماماً أهمية اللقاء المرتقب ببين اسكتلندا وإنجلترا، في إطار مباريات المجموعة الرابعة لكأس الأمم الأوروبية، على ملعب ويمبلي، في الثامن عشر من يونيو (حزيران) المقبل.
وفي المرة الأخيرة التي التقى فيها المنتخبان، على ملعب «هامبدن بارك» في يونيو (حزيران) 2017، انتزع المنتخب الإنجليزي، بقيادة مدافع ساوثهامبتون رايان بيرتراند، هدف التعادل في الوقت المحتسب بدل الضائع. يقول أرمسترونغ عن ذلك: «ما زلت أتعرض للانتقادات لأنني لم أشتت الكرة بعيداً بالدرجة الكافية، فوصلت إلى لاعبي المنتخب الإنجليزي الذين تناقلوها لتصل في نهاية المطاف إلى هاري كين الذي وضعها في المرمى، لذلك هناك شعور بالمرارة لاستقبال هذا الهدف».
ويضيف: «نأمل أن نثأر عندما نذهب إلى ملعب ويمبلي الصيف المقبل. لقد انتظرت اسكتلندا طويلاً لكي تتأهل إلى بطولة كبرى، وأعتقد أنه يمكنك رؤية السعادة والراحة والفرح بعد تحقيق هذا الإنجاز في نهاية المطاف».
وقد لاحظ هازنهوتل تحولاً كبيراً في عقلية لاعبي ساوثهامبتون في الآونة الأخيرة، ويعتقد أرمسترونغ أن الفريق أصبح قادراً على جمع النقاط من المباريات التي كان من الممكن أن يخسرها في السابق. ودائماً ما يرفض هازنهوتل الحديث عن أي توقعات بشأن وصول الفريق لمراكز أعلى في جدول الترتيب، لكن إلى أي مدى يتوقع أرمسترونغ أن يصل ساوثهامبتون؟ يقول اللاعب الاسكتلندي الدولي: «إنني أشارك هازنهوتل الرأي فيما يتعلق بعدم الحديث عن أي توقعات. نحن نعلم مدى إيماننا بأنفسنا، ومدى قوة أدائنا في بعض الفترات خلال الموسم الحالي. إننا نتطلع للوصول إلى أفضل المراكز الممكنة، ونأمل في أن نقدم المستويات التي تساعدنا على ذلك».
وبالتأكيد الفوز على ليفربول، ومشهد المدرب هازنهوتل وهو يجثوا باكياً من التأثر بعد اللقاء، يعطي شعوراً لجماهير ساوثهامبتون بأن الفريق قادر على انتزاع مركز مؤهل لبطولة أوروبية الموسم المقبل.
ودخل ساوثهامبتون مواجهة ليفربول من دون أن يحقق أي فوز على منافسه بطل المسابقة في آخر 4 مباريات (3 تعادلات وخسارة)، لكنه فك أخيراً عقدته المستعصية. وكان ساوثهامبتون، مفاجأة الموسم الحالي، قد خسر في آخر 6 مباريات ضد ليفربول في الدوري، ومنيت شباكه بـ17 هدفاً، وسجل هدفين فقط.
وقال هازنهوتل الذي تولى منصبه في 2018: «عندما تشاهد لاعبي فريقك يقاتلون بكل قوة لديهم، فهذا يجعلني أشعر بفخر شديد. يحتاج المرء إلى مباراة مثالية أمام ليفربول، وأعتقد أننا فعلنا ذلك».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.