أفلاطون في صقلية... تحويل الملك إلى فيلسوف

مرّ بسلسلة من الثورات العنيفة التي وصلت إلى ذروتها في إعدام معلمه سقراط

أفلاطون
أفلاطون
TT

أفلاطون في صقلية... تحويل الملك إلى فيلسوف

أفلاطون
أفلاطون

كان أفلاطون يناهز الأربعين عام 388 ق.م. كان قد شهد انقلاباً أقلوياً، استعادة ديمقراطية للسلطة، وإعدام معلمه المحبوب سقراط على يد محلفين من مواطني أثينا التي ينتمي إليها. فكر أفلاطون في شبابه بالدخول في عالم السياسة الأثينية المضطرب، لكنه قرر أن إصلاحاته لدستور المدينية وممارساتها التربوية كانت بعيدة جداً عن احتمالات التطبيق. بدلاً من ذلك، كرس نفسه للمسار الفلسفي، ولكنه احتفظ باهتمام أساسي بالسياسة، مطوراً في نهاية الأمر ما يمكن اعتباره أشهر مقولاته: أن العدالة السياسية والسعادة البشرية تتطلبان من الملوك أن يكونوا فلاسفة أو من الفلاسفة أن يكونوا ملوكاً. باقترابه من الأربعين، زار أفلاطون مدينة ميغارا اليونانية، ومصر، وقوريني (شحات في ليبيا)، وجنوب إيطاليا، والأكثر أهمية بينها، سرقسطة التي تتحدث اليونانية على جزيرة صقلية.
في سرقسطة التقى أفلاطون شاباً قوياً ذا توجه فلسفي اسمه دايون، وهو نسيب ديكتاتور سرقسطة، مجنون العظمة، المتهتك دايونيسيوس الأول. سيصبح دايون صديقاً دائماً لأفلاطون يتبادل معه الرسائل. وأدت تلك العلاقة إلى إدخال أفلاطون في البلاط الخاص للسياسة السرقسطية، وهناك قرر أن يختبر نظريته حول ما إذا كان الملوك يمكنهم أن يصيروا فلاسفة - أو الفلاسفة ملوكاً - لتزدهر العدالة والسعادة معاً أخيراً.
كانت لسرقسطة شهرة بوصفها مرتعاً للفساد والفجور، وكان أن اصطدمت قناعة أفلاطون بواقع الحياة السياسية في صقلية. كان البلاط في سرقسطة ممتلئاً بالشكوك والعنف والولع بالملذات، وكان دايونيسيوس الأول مهووساً بالخوف من أن يتم اغتياله، لذا رفض أن يُقص شعره بسكين وأمر أن يُحرق بالفحم. كان يجبر زواره - حتى ابنه دايونيسيوس الثاني وأخاه ليبتينيس - بأن يثبتوا أنهم غير مسلحين بأن تتم تعريتهم ويُفحصوا ويغيروا ملابسهم. لقد ذبح ضابطاً لأن الضابط حلم بقتله، وقتل جندياً لأنه أعطى ليبتينيس رمحاً ليرسم خريطة على التراب. لم يكن ذلك مرشحاً للقب الفيلسوف - الملك.
ولم تنجح خطة أفلاطون. لقد أغضب دايونيسيوس الأول بنقده الفلسفي لهيمنة البحث عن الملذات في بلاط سرقسطة، حين جادل في أنه بدلاً من الحفلات الماجنة والخمر على المرء أن يبحث عن العدالة والاعتدال ليحقق السعادة الحقيقية. مهما كانت حياة المستبد مترفة سيظل عبداً لرغباته طالما هيمن عليه البحث الدائم عن المتع الحسية. قال أفلاطون للطاغية معلماً أن العكس صحيح: الإنسان المستعبد لشخص آخر يمكن أن يحتفظ بالسعادة إن هو امتلك روحاً عادلة ومتزنة. ثم انتهت زيارة أفلاطون إلى صقلية بمفارقة كئيبة: باع دايونيسيوس الأول أفلاطون للعبودية. بدا له أنه إن كان اعتقاد أفلاطون صحيحاً فإن بيعه ليكون عبداً لن يكون ذا أهمية طالما، بتعبير كاتب السير اليوناني بلوتارخ، «أنه لن يرى في ذلك أذى، لكونه الإنسان نفسه الذي كانه من قبل؛ سيستمتع بالسعادة وإن فقد حريته».
لحسن الحظ أن أصدقاء أفلاطون افتدوه بسرعة، فعاد إلى أثينا ليؤسس الأكاديمية التي أنتج فيها على الأرجح العديد من أعظم أعماله، ومنها «الجمهورية» و«المأدبة». لكن تدخلاته في سياسة صقلية لم تتوقف. عاد إلى سرقسطة مرتين محاولاً في رحلتيه أن يؤثر في عقل وشخصية دايونيسيوس الثاني بإلحاح من دايون.
هذه الأحداث الثلاثة غائبة بصفة عامة عن فهمنا لفلسفة أفلاطون أو مرفوضة بوصفها اختراعات شاردة لكتّاب سيرته المتأخرين. لكن ذلك خطأ ناتج عن تجاهل الأهمية الفلسفية لرحلات أفلاطون الإيطالية. إن رحلاته إلى صقلية، في حقيقة الأمر، تكشف أن المعرفة الفلسفية تتضمن ممارسة، تظهر ما تملكه الصداقة من قوة هائلة في حياة أفلاطون وفلسفته، وتوحي بأن أطروحة الملك - الفيلسوف عند أفلاطون ليست وهمية بقدر ما هي غير مكتملة.
تعبر عن هذه الأحداث الحاسمة وعلى نحو مقنع رسالةُ أفلاطون السابعة والمهملة غالباً. لقد كانت تلك الرسالة لغزاً للباحثين ابتداء على الأقل بفقهاء اللغة الألمان في القرن التاسع عشر. ولئن قَبلت بصحتها النسبة الكبرى من الباحثين، فإن القلة منحت نظرية الفعل السياسي فيها مكانة بارزة في تحليل فلسفة أفلاطون. بل إن بعض الباحثين، على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، قاموا بمحوها من المعتمد الأفلاطوني، فأشارت أحدث تعليقات أكسفورد إليها بوصفها «الرسالة السابعة المزيفة لأفلاطون» (2015). إن لكل عصر أفلاطونه الخاص به، وبالنظر إلى النزوع إلى الصمت والبعد عن السياسة لدى العديد من الأكاديميين يتضح السبب في إهمال الأكاديميين المعاصرين في الغالب مناقشة ممارسات أفلاطون السياسية. ومع ذلك فإن معظم الباحثين - حتى أولئك الذين يودون لو كانت الرسالة مزيفة - وجدوها صحيحة استناداً إلى دلائل تاريخية وأسلوبية. لو عدنا إلى حكاية الرحلات الإيطالية التي قام بها أفلاطون، والتي يتحدث عنها الفيلسوف نفسه في الرسالة السابعة، سيمكننا أن نعيد إلى الحياة أفلاطون التاريخي الذي خاطر بحياته لكي يجمع الفلسفة والقوة. في حين تركز الرسالة السابعة على قصة الرحلات الثلاث التي قام بها أفلاطون إلى سرقسطة، فإنها تبدأ بعرض موجز لحياته المبكرة. مثل معظم أعضاء النخبة الأثينية، كان طموحه أن يدخل السياسة والحياة العامة. في عشريناته، مر أفلاطون بسلسلة من الثورات العنيفة التي وصلت إلى ذروتها في استعادة الديمقراطية وإعدام معلمه سقراط عام 399 ق.م. كتب أفلاطون: «في حين كنت ممتلئاً بالحماسة للحياة العامة، فإنني حين لاحظت هذه التغيرات ورأيت كيف كان كل شيء متقلباً، أصابني الدوار الكامل في النهاية». توصل إلى أن الوقت كان أكثر فوضوية من أن يسمح بالعمل المفيد، لكنه لم يتخلَّ عن رغبته في التدخل بالحياة السياسية. كان، بتعبيره، «ينتظر الوقت المناسب». وكان أيضاً ينتظر الأصدقاء المناسبين.
إن منتقدي أفلاطون ودايون يفهمون الفلسفة فقط من زاوية أداتية - من حيث هي وسيلة إلى تحقيق التأثير السياسي في النهاية. افترضوا أن القوة هي الخير الأعلى الذي يمكن للإنسان تحقيقه. كانوا بذلك يمهدون لدعوى توماس هوبز في كتابه «الوحش» (ليفاياثَن، 1651) أن البشر يمتلكون «رغبة دائمة لا تهدأ في امتلاك القوة سعياً إلى السلطة، رغبة لا تهدأ إلا بالموت». ولكن بالنسبة لأفلاطون، ليست القوة هدفاً وإنما الوسيلة الكامنة لخير أسمى. كما يتضح من أمثولة الكهف في «الجمهورية»، يسحر الفلاسفة جمالُ الأشكال: يريدون أن يبقوا في مملكة الديمومة والكينونة الخالصة التي يجدونها في العالم الأعلى. يجب دفعهم للعودة إلى ظلام الكهف وظلاله؛ لا لأنها سترفع من درجة متعتهم الفردية إلى أقصاها، وإنما لأنها ترفع من شأن المدينة ككل. غير أن موظفي بلاط سرقسطة كسبوا المعركة. بعد إقامة أفلاطون بأربعة أيام اتهم دايونيسيوس الثاني دايون بـ«التخطيط ضد الاستبداد» ونفاه. أمضى دايونيسيوس الثاني الوقت محاولاً كسب إعجاب أفلاطون، لكنه فشل في إيقاظ أي رغبة لديه في الفلسفة. بتعبير أفلاطون نفسه:
«تحملت كل هذا، متمسكاً بالهدف الأصلي الذي جئت من أجله، متأملاً أن يرغب على نحو ما في الحياة الفلسفية؛ لكن مقاومته لها كانت أقوى مني. لقد هبط الفيلسوف إلى عالم الظلال، بينما لم يصعد المستبد إلى الضوء».
قام أفلاطون برحلته الأخيرة إلى صقلية حين كان في السبعين من عمره. اضطرته فلسفته مرة أخرى إلى فعل شيء. كانت لديه فرصة لمساعدة دايون الذي كان دايونيسيوس الثاني قد نفاه، ولربما احتفظ بالأمل في أن رغبة الملك في الفلسفة ستستيقظ. جاءت الدعوة هذه المرة من أرخيتاس التارينتي، فيلسوف جنوب إيطاليا. وإن من المدهش أن أفلاطون، بعد حياة مليئة بالمصاعب في سرقسطة، أبحر مرة أخرى إلى صقلية، مواجهاً مخاطر البحر والقراصنة، واحتل مكانه في بلاط دايونيسيوس الثاني. ظل الملك مذهولاً بهالة الفلسفة، بل إنه كتب عن أفكار أفلاطون الفلسفية (وإن امتلأت كتابته بسوء الفهم والسرقة).
لكي يتأكد عما إذا كان دايونيسيوس الثاني مهيأً للنهوض بممارسة الفلسفة، اختبره أفلاطون بتأكيد ما تنطوي عليه الفلسفة الحقيقية من صعوبة حادة وتغيير في أسلوب الحياة:
«أولئك البعيدون عن أن يكونوا فلاسفة حقيقيين وليس لديهم سوى غطاء من الأفكار، مثل الرجال الذين تلوّح الشمس أجسادهم، عندما يرون كثرة ما يتطلبه طلب المعرفة، وكم عليهم أن يبذلوا من جهد عظيم، وتنظيم لحياتهم اليومية، ليتناسب مع الهدف الذي يسعون إليه، سيستنتجون أن المهمة صعبة؛ وهي كذلك لأنهم ليسوا مهيئين لذلك المسار». فشل دايونيسيوس الثاني في نهاية المطاف لأنه أراد أن يحول الفلسفة إلى أداة لتكون وسيلة أخرى للسلطة. لقد تأسس اختبار أفلاطون على إيمانه المتواصل بممارسة الفلسفة - وليس استعمالها - وهي مسار يقتضي التخلي عن المتع الحسية والسلطة من أجلها. يصف أفلاطون هذا المسار بالتفصيل:
«فقط حين... تحتك الأسماء والتعريفات والتصورات المرئية وغيرها وتُختبر في تداخلاتها، ويطرح التلميذ والمعلم أسئلة وإجابات بنية طيبة وبلا حسد، فقط عندئذٍ، حين يكون العقل والمعرفة النهايتين القصويين للجهد الإنساني، يمكن لهما أن يضيئا طبيعة الموضوع».
هنا مرة أخرى تكون المقابلة بين أفلاطون وهوبز مفيدة. فبينما يرى هوبز سوء النية و«الحسد» سمتين للطبيعة البشرية لا يمكن التخلص منهما، يرى أفلاطون أن إزالتهما شرط مسبق لممارسة الفلسفة ومن ثم للازدهار البشري.
هكذا لم يتحول دايونيسيوس الثاني إلى فيلسوف، ومات دايون في صراع أهلي دمر سرقسطة في نهاية المطاف. رغبة دايونيسيوس في تحويل الفلسفة إلى أداة جعلته يبحث عن المعرفة بوصفها مظهراً احتفالياً وأداة للهيمنة. لكنه تراجع حين طالبه الفيلسوف بدلاً من ذلك بتغيير كلي لحياته.
في نهاية الأمر، انسجمت المواجهات بين الفيلسوف والملك في صقلية مع المشهد المجازي للكهف في «الجمهورية»: دايونيسيوس الثاني يسعى للصعود من ظلال السياسة إلى ضوء الفلسفة بينما يسير أفلاطون في الاتجاه المعاكس، هابطاً من وضوح الفلسفة إلى ظلال السياسة. القول إن أفلاطون «فشل» في هداية دايونيسيوس الثاني إلى الفلسفة قول مضلل. ربما يكون من المنطقي أكثر أن نلاحظ أن الملك نفسه فشل، لكن حتى هذا يفرض على إرث العصور القديمة مفهوماً فردانياً لتشكل الشخصية. لم تكن شخصية دايونيسيوس الثاني مما صنعه هو؛ لقد شكله تعليمُه البسيط، حياته الباذخة والطبيعة المرتزقية للمحيطين به. إلقاء اللوم على أفلاطون لعدم تمكنه بصورة عجائبية من إلغاء كل ذلك التأثير أشبه بلوم المظلة الشمسية لأنها لم تعمل كالباراشوت. ما كان أساسياً بالنسبة لأفلاطون لم يكن تحقيق هدفه السياسي، وإنما ممارسته لفلسفته الحقيقية...
ربما يكون السبب الرئيسي بالنسبة لأفلاطون في أن الفلاسفة يجب أن يكونوا ملوكاً هو أنهم يستطيعون التأثير في طبيعة التعليم. بعض مقترحات أفلاطون حول كيفية عمل ذلك في «الجمهورية» ليست مقنعة (كما في فكرة تجريد الأطفال من معرفة والديهم لكي يكون الصغار أكثر مرونة). لكن التعليم بوصفه استثماراً للروح وممارسة للفلسفة، التي تتضمن القدرة على جعل ما يسميه هوبز «رغبة فردانية في القوة» ثانوية بالنسبة للمسعى الاجتماعي نحو العدالة، يظل ذلك هدفاً ضرورياً وملحاً.
في «ولادة المأساة» (1872) يعلن فريدريك نيتشه: «المعرفة تقتل الفعل؛ الفعل يستدعي حجاب الوهم». ما زلنا نعيش تحت ظلال هذا الاعتقاد. عصرنا المتطرف في فردانيته وتخصصه يجيز الفصل بين المعرفة والقوة، حيث يتبع الأكاديميون أحدهما ويمارس السياسيون الآخر. رسالة أفلاطون السابعة تقدم رؤية مختلفة باستدعاء العلاقة الحميمة والضرورية بين الفلسفة والسياسة، المجمتع والعدالة، الصداقة والمعرفة. فوق ذلك تعلمنا أن الفعل يتطلب المعرفة، والمعرفة الفعل.

*روميو (أستاذ الفلسفة في كلية إيراسموس) وتيكوزبيري (طالب دراسات عليا في الكلاسيكيات في جامعة ستانفورد)
موقع «آيون» (Aeon)



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.