قضية تريبير تؤكد أهمية منع تعامل كرة القدم مع المراهنات مطلقاً

سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد حزين لإيقاف مدافعه الإنجليزي 10 أسابيع ويرى ضرورة مراجعة العقوبة

تريبير تعرض للإيقاف 10 أسابيع لمخالفة قواعد المراهنات في إنجلترا لكن الضرر وقع على أتلتيكو (رويترز)
تريبير تعرض للإيقاف 10 أسابيع لمخالفة قواعد المراهنات في إنجلترا لكن الضرر وقع على أتلتيكو (رويترز)
TT

قضية تريبير تؤكد أهمية منع تعامل كرة القدم مع المراهنات مطلقاً

تريبير تعرض للإيقاف 10 أسابيع لمخالفة قواعد المراهنات في إنجلترا لكن الضرر وقع على أتلتيكو (رويترز)
تريبير تعرض للإيقاف 10 أسابيع لمخالفة قواعد المراهنات في إنجلترا لكن الضرر وقع على أتلتيكو (رويترز)

قبل ثمانية عشر عاماً، وبعد وقت قصير من فقدان ميك مكارثي لوظيفته مديراً فنياً لمنتخب جمهورية آيرلندا لأول مرة، اطلعت وبعض الأصدقاء على بعض المعلومات الداخلية المتعلقة بالهوية المحتملة للمدير الفني الذي سيخلفه في منصبه. لقد مضى وقت طويل جداً، بحيث لم يعد يمكنني أن أتذكر كيف أو أين علمنا أن الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم يفكر في تعيين المدير الفني الفرنسي فيليب تروسييه خلفاً لمكارثي.
وكان تروسييه قد قضى 20 عاماً في عالم التدريب، في البداية داخل فرنسا قبل أن يتولى تدريب كل من كوت ديفوار وجنوب أفريقيا والمغرب ونيجيريا وبوركينا فاسو، لكننا الآن نؤكد أنه كان على وشك تولي القيادة الفنية لمنتخب آيرلندا. وبدأت الرهانات بشأن المدير الفني القادم للمنتخب الآيرلندي، وراهنت أنا وأصدقائي على تولي تروسييه المنصب.
وعندما تم تداول أنباء اهتمام الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم بالتعاقد مع تروسييه، زادت احتمالات توليه المنصب بشكل كبير، وأصبح المرشح الأوفر حظاً. وانتظرنا النتيجة بفارغ الصبر حتى تم الإعلان أخيراً، في أواخر يناير (كانون الثاني) 2003، عن تعيين بريان كير مديراً فنياً لمنتخب آيرلندا!
ونظراً لأن كير كان قد سبق أن حقق نجاحات استثنائية مع منتخبات آيرلندا في الفئات العمرية الأصغر، فقد لاقى تعيينه تأييداً كبيراً من الغالبية العظمى من جمهور كرة القدم في آيرلندا. أما أنا وأصدقائي فقد شعرنا بخيبة أمل كبيرة لأن من تولى المنصب ليس الرجل الذي توقعناه. وواصل المدير الفني الفرنسي العمل في مجال التدريب في أماكن أخرى، ويعمل الآن في فيتنام، بعد أن عمل في كل من الصين وتونس واليابان والمغرب وفرنسا وقطر. ورغم أن تروسييه ليس معروفاً إلى حد كبير لمشجعي كرة القدم في أوروبا، فلا يزال اسمه محفوراً في ذهني كمثال لمخاطر التورط في سوق المراهنات الرياضية، حيث يمكن أن يكون الحصول على قليل من المعلومات من المصادر الداخلية أمراً خطيراً للغاية.
وخلال الأسبوع الماضي، أصبح المدافع الإنجليزي الدولي كيران تريبير أحدث لاعب رفيع المستوى يتعلم هذا الدرس. فقد عوقب الظهير الأيمن، الذي يعد ركيزة أساسية في فريق أتلتيكو مدريد الذي يتصدر حالياً جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز، بغرامة قدرها 70 ألف جنيه إسترليني وإيقافه عن ممارسة جميع أنشطة كرة القدم لمدة 10 أسابيع، بعد إدانته بأربع مخالفات لقواعد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم للمراهنات والمتعلقة بانتقاله من توتنهام إلى أتلتيكو مدريد في يوليو (تموز) 2019. ورغم أنه لم يتم نشر أسباب الحكم حتى الآن، يؤكد تريبير أنه لم يراهن أو يشجع أو ينصح أي شخص آخر بالمراهنة أثناء انتقاله إلى العاصمة الإسبانية.
ورغم أنه لا يمكننا أن نتأكد مما حدث بالضبط، يبدو أنه لم تتم إدانته بأكثر من أنه قد كشف لبعض أصدقائه المقربين أنه سينتقل إلى أتلتيكو مدريد، وهو الأمر الذي دفعهم إلى وضع المراهنات في سوق الرهان ذات الصلة، بعد علمهم بأنهم سيكسبون بعض الأموال بسهولة.
وإذا كان هذا هو ما حدث بالفعل، كما يبدو مرجحاً وفقاً لمصادر قريبة من تريبير نفسه، فمن حق اللاعب أن يشعر بأنه قد تعرض للظلم الشديد بعد العقوبات التي فُرضت عليه. لقد كان من المفترض أن يعرف أصدقاؤه الأغبياء أن ما يفعلونه ستكون له عواقب وخيمة على صديقهم، وأن لوائح الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم صارمة لدرجة أنها تمنع لاعبي كرة القدم من إخبار المقربين منهم بانتقالاتهم المهمة التي ستغير حياتهم، حتى بعد توقيع العقود والظهور إلى جانب المدير الفني لأتلتيكو مدريد، دييغو سيميوني، في مؤتمر صحافي!
ويجب أن نفترض أنه قد سُمح لتريبير على الأقل بإطلاع زوجته على تفاصيل انتقاله إلى العاصمة الإسبانية، نظراً لأنه من حقه أن يستشير أم طفليه وإبقائها على اطلاع دائم على أحدث التفاصيل المتعلقة بانتقاله إلى نادٍ جديد. لكن ماذا سيحدث لو أخبرت زوجته شخصاً قريباً منها، ثم قام هذا الشخص بدوره بالحديث مع شخص آخر؟ وماذا لو قام هذه الشخص بنقل المعلومات إلى شخص آخر من مشجعي توتنهام، الذي قرر أن يراهن على رحيل اللاعب؟
وتعني العقوبة الموقعة على تريبير أنه سيغيب عن ما لا يقل عن 13 مباراة مع أتلتيكو مدريد، بل ويُمنع حتى من مشاهدة زملائه في الفريق من المدرجات أو الانضمام إليهم في التدريبات، وبالتالي سيكون لدى اللاعب الإنجليزي الدولي متسع من الوقت للتفكير في الظلم الشديد الذي وقع عليه، وسيكون من الطبيعي والمنطقي أن يتوصل إلى نتيجة مفادها أنه ما كان ليجد نفسه في هذا الموقف الصعب إذا لم يكن هناك من الأساس هذه الأسواق للرهانات التي يستفيد منها القاصي والداني.
ويعتقد دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو أن إيقاف تريبير لمدة عشرة أسابيع يضر بفريقه بشكل ظالم، وطالب بمراجعة وإعادة تقييم هذه العقوبة.
وقال سيميوني: «نعتقد أن هذا ليس عدلاً ونأمل أن يتم تعديله بسبب الضرر الذي لحق بأتلتيكو... النادي ليست له علاقة بهذا الأمر على الإطلاق، لذلك نأمل أن تتم إعادة تقييم العقوبة بطريقة ما، لأن الاتحاد الإنجليزي استفاد من ذلك بينما تضرر أتلتيكو رغم أنه ليست له علاقة بالموضوع ولا يملك تغييره. لكن هذه الظروف الحالية وعلينا التعايش والتأقلم معها».
ويُعد تريبير، الذي يخوض موسمه الثاني مع أتلتيكو، أحد أفضل لاعبي الفريق هذا الموسم، وخاض كل المباريات الـ19 مباراة في الدوري الإسباني ودوري الأبطال هذا الموسم. ومن المقرر أن يحل الكرواتي شيمه فرساليكو محل تريبير في الفريق، إذ خاض 14 دقيقة فقط مع الفريق الأول هذا الموسم كبديل مؤخراً في الانتصار على كارداسار المتواضع فى كأس ملك إسبانيا. لكن بالأكيد أن في لعبة كرة القدم التي تشتهر بعلاقة غير صحية بالمراهنات، فإن انتقالات اللاعبين لأندية جديدة، وهوية المدير الفني الجديد لأي فريق، و«سباق الإقالات» الشهير، تكون بمثابة فرصة لتحقيق مكاسب من المراهنين الذين «لديهم معلومات من الداخل».
وبدلاً من تقديم شكاوى إلى الجهات المختصة عندما يكون هناك اعتقاد بأن الأمور لا تسير بشكل عادل بسبب وجود أشخاص لديهم معلومات عن الخطوات التالية لكيران تريبير أو فيليب تروسييه أو أي لاعب أو مدير فني آخر، ربما يكون من الأفضل أن تتوقف المراهنات التي يساء استخدامها أو تضر بمسيرة بعض اللاعبين أو المديرين الفنيين.


مقالات ذات صلة

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

رياضة عالمية فريق برشلونة (رويترز)

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

يتطلع فريق برشلونة للعودة لطريق الانتصارات عندما يستضيف فريق جيرونا بعد غد السبت في الجولة التاسعة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية سيميوني قال إن فريقه لعب بشكل سيء أمام لاس بالماس (رويترز)

سيميوني: الدفاع جزء من أسلوبنا... نحتاج لاعبين يفهمون ذلك

أبدى دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد أسفه إزاء الأداء السيئ لفريقه بعد أن تلقت آماله الضعيفة في إحراز لقب دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم ضربة قوية

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية لاعبو برشلونة خلال الإعداد لمواجهة اتلتيكو الصعبة بالكأس (ا ب ا)

قمة نارية بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس إسبانيا اليوم

على وقع صراع ثلاثي ناري على صدارة الدوري الإسباني لكرة القدم، يصطدم برشلونة أول الترتيب بأتلتيكو مدريد الثالث في ذهاب نصف نهائي الكأس اليوم، في حين يحل ريال

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لاعبو الريال خلال التدريبات الأخيرة (إ.ب.أ)

ديربي مدريد يشعل صراع الصدارة على وقع أزمة «التحكيم»

يقف ريال مدريد أمام مهمة معقدة وصعبة تحتم على لاعبيه التركيز عندما يواجهون أتلتيكو مدريد السبت، من أجل الحفاظ على صدارتهم للدوري الإسباني لكرة

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية انشيلوتي اعترف أن الريال في وضع صعب (إ.ب.أ)

أنشيلوتي قبل القمة الإسبانية: نحن في حالة طوارئ!

اعترف المدرب الإيطالي لنادي ريال مدريد متصدر الدوري الإسباني، كارلو أنشيلوتي، بأن فريقه «في حالة طوارئ» عشية ديربي حاسم نسبياً أمام ضيفه وجاره ومطارده المباشر

«الشرق الأوسط» (مدريد)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.