شبح بوكيتينو يطارد سولسكاير... ويونايتد يدفع ثمن الإدارة الفاشلة

المدير الفني النرويجي يتعرض لضغوط كبيرة بعد الخروج من «أبطال أوروبا»... والتغيير ضروري من أجل معركة المستقبل

TT

شبح بوكيتينو يطارد سولسكاير... ويونايتد يدفع ثمن الإدارة الفاشلة

أصبحت الأمور تدور في دائرة مفرغة ومألوفة بالنسبة للمدير الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير، حيث يُمكن لمانشستر يونايتد تحت قيادته أن يحقق الفوز، بل وأحياناً يفوز بعد تقديم مستويات رائعة، وعادة ما يكون السبب في ذلك هو النجم البرتغالي برونو فرنانديز أو النجم الإنجليزي الشاب ماركوس راشفورد، لكن بمجرد أن يخسر الفريق تبدأ المطالبات على الفور - خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي - بإقالة المدرب من منصبه.
وعادةً ما تكون المطالبات بإقالة سولسكاير مصحوبة بالإشارة إلى المدير الفني السابق لتوتنهام، ماوريسيو بوكيتينو، الذي لا يتولى تدريب أي فريق في الوقت الحالي، الذي ينظر إليه الكثيرون على أنه الخليفة المنتظر للنرويجي. لقد كان هذا هو الوضع الفعلي خلال معظم فترات العام الحالي - سولسكاير يتعرض لانتقادات كبيرة، ومطالبات بتعيين بوكيتينو على رأس القيادة الفنية للشياطين الحمر بدلاً منه.
لقد انتظر بوكيتينو لبعض الوقت دون أن يتولى تدريب أي فريق، لكن يبدو من الواضح أنه لا يريد أن يعمل سوى في نادٍ كبير، وهو الأمر الذي يعتقد أنه يستحقه تماماً بعد العمل الرائع الذي قام به مع توتنهام. ولا يعني ذلك بالضرورة أنه سيتولى قيادة مانشستر يونايتد - فهناك اهتمام أيضاً من جانب ريال مدريد - لكنه يعلم تماماً أن أصحاب النفوذ في ملعب «أولد ترافورد» كانوا يريدون التعاقد معه في عام 2016 عندما كانوا يبحثون عن بديل للمدير الفني الهولندي لويس فان غال. وتجب الإشارة إلى أن هذا كان قبل أن يحقق بوكيتينو نتائج رائعة مع توتنهام. وفي نهاية المطاف، فضل مانشستر يونايتد الخيار الأكثر أماناً من خلال التعاقد مع مدير فني لديه خبرات كبيرة؛ وهو البرتغالي جوزيه مورينيو.
ويجب أن نعلم أن بوكيتينو ليس في عجلة من أمره، خصوصاً أنه لا يزال يتقاضى راتبه من توتنهام، الذي أقاله من منصبه في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، بعد أول فترة من تراجع النتائج منذ وقت طويل. ومن المؤكد أن المدير الفني الأرجنتيني كان يمكنه العودة لعالم التدريب الآن، نظراً لأنه تلقى بالفعل العديد من العروض، لكنه لم يحصل حتى الآن على العرض الذي يجعله يشعر بالرضا.
لقد حقق بوكيتينو كثيراً من الإنجازات مع توتنهام هوتسبير، حيث كون فريقاً قوياً للغاية وجعل النادي يحتل مكانة ثابتة بين المراكز الأربعة الأولى في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، ولم يفقد حماسه وشغفه بمرور الوقت. وبالتالي، فإن المدير الفني الأرجنتيني يملك كل المقومات التي تجعله المرشح الأبرز لخلافة سولسكاير في «مسرح الأحلام».
وتجب الإشارة إلى أن أي مدير فني لمانشستر يونايتد سيكون مطالباً بتحقيق الفوز في كل أسبوع. قد لا يكون هذا منطقياً في عالم كرة القدم الآن، لكن كرة القدم على مستوى النخبة لا تهتم بمثل هذه التفاصيل. ولو كان مانشستر يونايتد قد خسر في مباراة الديربي الأخيرة أمام مانشستر سيتي - التي انتهت بالتعادل السلبي - لازدادت الضغوط أكثر على سولسكاير، ولازدادت المطالبات بالتعاقد مع بوكيتينو، الذي أصبح يمثل شبحاً للمدير الفني النرويجي.
لقد كان سولسكاير هو المدير الفني المؤقت المفضل لدى الجميع، حيث كانت مسيرته مع الفريق عندما تولى القيادة خلفاً لمورينيو تقترب من الكمال، ولم يعكر صفو هذه المسيرة إلا الخسارة أمام آرسنال في الدوري الإنجليزي الممتاز، ثم الخروج من الدور ربع النهائي لكأس الاتحاد الإنجليزي عقب الهزيمة أمام وولفرهامبتون واندررز - وكانت هاتان المباراتان قبل تعيينه مديراً فنياً دائماً في مارس (آذار) 2019. لكن حتى في ذلك الحين، كان هناك من يشكك في قدرة سولسكاير على قيادة الفريق وكان يطالب باستمراره مديراً فنياً مؤقتاً حتى نهاية الموسم.
ومنذ تعيين سولسكاير مديراً فنياً دائماً وهو يواجه كثيراً من الضغوط والانتقادات، ربما باستثناء الفترة التي أعقبت استئناف الموسم الذي كان قد توقف بسبب تفشي فيروس كورونا، عندما استعاد لاعبو مانشستر يونايتد عافيتهم ولياقتهم وكان الفريق يقدم مستويات جيدة ويحقق نتائج ممتازه قفزت به إلى المركز الثالث في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز.
وغالباً ما يقدم مانشستر يونايتد أداء جيداً عندما يلعب بسرعة، كما أن النجم البرتغالي برونو فرنانديز لديه القدرات والإمكانات التي تساعده في قيادة الفريق بشكل جيد للغاية داخل الملعب. وحتى نكون منصفين، يجب أن نشير إلى أن سولسكاير قد نجح في تطوير أداء الفريق عما كان عليه تحت قيادة كل من ديفيد مويس ولويس فان غال وجوزيه مورينيو. وكان من الواضح أن مانشستر يونايتد يعاني من نقص حاد في اللياقة البدنية في أول جولتين من الموسم الحالي، لكن سرعان ما استعاد الفريق عافيته وبات قادراً على خلق الفرص - باستثناء المباراة المملة التي خسرها على ملعبه أمام آرسنال بهدف دون رد.
ومنذ فترة التوقف الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حصل مانشستر يونايتد على 16 نقطة من 21 نقطة متاحة، ولا يبتعد عن صدارة جدول الترتيب سوى بخمس نقاط، مع العلم بأن له مباراة مؤجلة.
لكن لا يبدو أن هناك من يتحدث بهذه الطريقة. وبدلاً من ذلك، يتعرض لسولسكاير لضغوط هائلة وسط المطالبات بإقالته وتعيين بوكيتينو بدلاً منه. ولا يكفي أن يقول مجلس إدارة النادي إنه يقف وراء سولسكاير بكل قوة، لأن المدير الفني النرويجي يتعرض لضغوط هائلة تجعله غير قادر على العمل بهدوء وتؤثر عليه في نهاية المطاف.
لقد أصبح الأمر يبدو كما لو كانت الانتصارات التي يحققها الفريق هي مجرد وسيلة لإبعاد الذئب عن الباب، والبقاء على قيد الحياة، وليس لبناء فريق قوي ووضع خطة طويلة الأجل. وعندما يحدث ذلك لأي مدير فني، فإنه لا يمكنه التفكير في المستقبل ووضع تصور على المدى الطويل.
لكن شعور جماهير مانشستر يونايتد بالتشاؤم يعود في الأساس إلى الطبيعة الفوضوية التي يظهر عليها الفريق في كثير من المباريات. وتريد الجماهير أن يقدم الفريق مستويات ثابتة ويتحكم في زمام الأمور أمام المنافسين، وأن تكون هناك رؤية واضحة لما يحدث داخل النادي. لكن ربما يكون من الصعب الشعور بتلك الأمور تحت قيادة سولسكاير، لأننا غالباً ما نرى الفريق وهو يلعب كرد فعل وليس كمبادر ومتحكم في إيقاع المباريات. وعندما لا يعتمد الفريق على الهجمات المرتدة السريعة، فإنه يجد صعوبات هائلة في اختراق دفاعات الفرق المنافسة. وعلى الرغم من أن مانشستر يونايتد تحت قيادة سولسكاير قد أظهر القدرة على العودة في بعض المباريات بعدما يكون متأخراً في النتيجة، فإن هذا الأمر لا يعد شيئاً ثابتاً ومستمراً، وإنما نراه على فترات بعيدة.
وعلاوة على ذلك، من الصعب التكهن بشكل مانشستر يونايتد من مباراة لأخرى، بل ومن شوط لآخر، وبات الأمر يبدو كأن الأدوار قد انعكست في مدينة مانشستر، حيث أصبح مانشستر سيتي يتمتع في الوقت الحالي بالاستقرار، وأصبح الفريق له شكل واضح وهوية محددة داخل الملعب، على عكس الوضع تماماً في يونايتد.
وحتى أفضل الانتصارات التي يحققها مانشستر يونايتد يكون السبب فيها هو الروح العالية التي يستمدها اللاعبون من تقاليد النادي الراسخة وعدم الاستسلام، لكن في المقابل يتعرض الفريق لانتكاسات كارثية ويعاني من كوارث دفاعية واضحة للجميع، خصوصاً خلال الموسم الجاري، التي كان آخرها أمام لايبزيغ الألماني في دوري أبطال أوروبا الأسبوع الماضي. وقد أدى كل هذا إلى طرح أسئلة مشروعة حول البراعة التكتيكية والخططية لسولسكاير. فعندما يعاني الفريق من المشاكل نفسها بشكل مستمر ودون إيجاد حلول لها - البدايات البطيئة، والفوضى وعدم التنظيم - تنهار الثقة بالمدير الفني في نهاية المطاف.
هناك بعض الأندية التي يبدو أنها دائماً ما تبحث عن ضحية توجه له أصابع الاتهام في أعقاب أي فشل كبير، ويمكن القول إن مانشستر يونايتد يعد أحد هذه الأندية في الوقت الحالي. وكان الخروج من دوري أبطال أوروبا يعني كثيراً من الأمور ليونايتد وجمهوره، فهو عار بالنسبة لمشجعي النادي، وضربة قوية للميزانية العمومية، وفرصة ضائعة بعد فوز الفريق على باريس سان جيرمان في الجولة الافتتاحية لدور المجموعات. لكنه كان أيضاً فرصة لا تُفوَّت لتوجيه اللوم المستحق للبعض.
وكما الحال دائماً، كان قلب الدفاع هاري ماغواير أول من يستحق توجيه اللوم إليه بسبب المستويات الضعيفة التي يقدمها في الآونة الأخيرة. وعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، أصبح من المعتاد أن نرى قائد مانشستر يونايتد وهو يظهر على شاشة شبكة «بي تي سبورت» الرياضية بعد هزيمة فريقه يحاول الوصول إلى تبرير. وظهر ماغواير مرة أخرى وهو يبدي ندمه الشديد على ما حدث، كأنه طالب بالبحرية ذهب للتجول في غرفة الصواريخ على متن بارجة باحثاً عن بعض الطعام، فإذا به يطلق طوربيداً بطريق الخطأ على تايوان!
لقد بدا ماغواير حريصاً على تحمل نصيبه من اللوم والمسؤولية، ولكي نكون منصفين فإن المدافع الدولي يقدم مستويات سيئة داخل الملعب تجعله يستحق هذا القدر من اللوم بكل تأكيد! كان يتعين عليه أمام لايبزيغ إبعاد الكرة العرضية التي سجل منها جاستن كلويفرت الهدف الثالث والحاسم للفريق الألماني، كما أنه المسؤول عن توجيه وتنظيم خط دفاع فريقه الذي استقبل 27 هدفاً في 16 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا هذا الموسم.
لذا دعونا نلقي بعض اللوم على قلب الدفاع وقائد الفريق. لكن ماذا عن حارس المرمى الإسباني ديفيد دي خيا، الذي كان بطيئاً للغاية في التعامل مع الكرة التي أحرز منها كلويفرت الهدف، الذي أصبح يرتكب كثيراً من الأخطاء على مدار العامين أو الثلاثة أعوام الماضية؟ إن الفرق التي تسعى للمنافسة على البطولات والألقاب لا بد أن يكون لديها حارس مرمى عملاق، وعلى الرغم من أن دي خيا لديه القدرة على التصدي للتسديدات وإنقاذ الفرص الصعبة، فإنه يبدو من نوعية الحراس التي تتألق فقط تحت سقف المرمى، لكنه لا يبالي بما يحدث في المساحات الأخرى من الملعب. لذلك، دعونا نلقي عليه بعض اللوم هو الآخر.
ويأتي بعد ذلك بالطبع لاعب خط الوسط الفرنسي بول بوغبا، الذي «يثير كثيراً من المشاكل» في «أولد ترافورد» بشكل لم نكن نراه عندما كان يلعب مع يوفنتوس الإيطالي. ويتفق الجميع على أن بوغبا لم يقدم الأداء المنتظر منه مع مانشستر يونايتد، بالإضافة إلى أنه يركض بلا مبالاة داخل المستطيل الأخضر، ولديه وكيل أعمال غير محبوب، وكلف خزينة النادي 90 مليون جنيه إسترليني، لذلك فإنه يستحق نصيبه من اللوم أيضاً. ولا يتعين علينا أن نوجه بعض اللوم للظهير الأيمن للفريق، آرون وان بيساكا، الذي يتعامل ببراعة مع المواقف الصعبة والهجمات الخطيرة، لكنه لا يملك القدرة على التنبؤ بما سيحدث - كما ظهر واضحاً خلال الهدف الأول لنادي لايبزيغ.
وفي الوقت نفسه، أعتقد أنه يتعين علينا أن نلوم كلاً من ميسون غرينوود وماركوس راشفورد لفشلهما في استغلال الفرص التي أتيحت لهما أمام المرمى، ونوجه بعض اللوم أيضاً لكل من لوك شو وأليكس تيليس لفشلهما في التعامل بشكل صحيح مع أمادو هايدارا في الهدف الثاني للايبزيغ، وكذلك لفيكتور لينديلوف الذي يواصل تقديم مستوياته السيئة، والأمر نفسه ينطبق أيضاً على لاعب الوسط نيمانيا ماتيتش. ويجب أن نوجه بعض اللوم والانتقادات أيضاً لسكوت مكتوميناي، لأنه لا يفكر أبداً في تمرير الكرة إلى الأمام، ما دام أن هناك فرصة لتمريرها بعرض الملعب!
ويقودنا كل هذا إلى طرح السؤال التالي: كيف يمكن لفريق أن يلعب بشكل جيد ولديه كل هذا العدد من اللاعبين الذين يقدمون مستويات ضعيفة في الوقت نفسه؟ كان سولسكاير، قد أكد من قبل أن «مسؤولية المدير الفني هي أن يجعل جميع اللاعبين مستعدين للعب بشكل جيد»، لكن يبدو أن الحال لم يكن كذلك تماماً، والدليل أن شباك الفريق قد اهتزت بعد مرور 109 ثوانٍ فقط من بداية اللقاء أمام لايبزيغ! وعلاوة على ذلك، تشير الأرقام والإحصائيات إلى أن مانشستر يونايتد كان متأخراً في النتيجة في سبع مباريات من مبارياته التسع الماضية، ويبدو الفريق ضعيفاً من الناحية التكتيكية ومهلهلاً للغاية. عجز المدير الفني النرويجي على تحفيز لاعبيه داخل الملعب يجعله يستحق اللوم أيضاً.
لكن ذلك يجعلنا نطرح عدداً من الأسئلة: من الذي عين سولسكاير على رأس القيادة الفنية لمانشستر يونايتد؟ ومن الذي يصر على إبقائه في منصبه رغم تراجع النتائج؟ ومن الذي قرر التعاقد مع البرازيلي تيليس، وعدم السماح لبراندون ويليامز باللعب لفريق آخر على سبيل الإعارة؟ ومن الذي يقضي معظم فترة انتقالات اللاعبين يلهث خلف مهاجم بوروسيا دورتموند، جادون سانشو، ولا يسعى للتعاقد مع قلب دفاع يحل المشاكل الواضحة التي يعاني منها الفريق؟ ومن المسؤول عن استمرار كل من ماركوس روخو، وجيسي لينغارد، وأوديون إيغالو، وفيل جونز، وخوان ماتا، وإريك بايي، رغم أنهم لا يلعبون مع الفريق؟ ومن كان صاحب فكرة التعاقد سابقاً مع أليكسيس سانشيز؟
ويأخذنا هذا إلى طرح السؤال التالي أيضاً: ما مدى قوة مانشستر يونايتد في الوقت الحالي؟ من المؤكد والواضح أن الفريق يعاني من خلل كبير، لكن سولسكاير ليس المسؤول الوحيد عن الفشل في التعاقد مع قلب دفاع وجناح على مستوى عالٍ خلال فترة الانتقالات الأخيرة. ومن المؤكد أن سولسكاير بحاجة إلى الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، أو على الأقل المنافسة على اللقب بقوة، لكن هل يستطيع الفريق منافسة أندية بقوة ليفربول ومانشستر سيتي؟
من المؤكد أن المسؤول عن مشاكل يونايتد عدم وجود مدير رياضي للنادي رغم ما يتردد منذ عشر سنوات بأنه يرغب ويبحث عن تعيينه دون نتيجة! من الواضح للجميع أن معظم القرارات التي أشرنا إليها سابقاً لم تكن مدروسة، وإنما كانت قرارات متسرعة وفوضوية نتيجة الركود البيروقراطي والإدارة السيئة من عائلة غليزر الأميركية المالكة للنادي، والرئيس التنفيذي، إد وودوارد.
وتكمن المشكلة التي يواجهها مانشستر يونايتد - من نواحٍ كثيرة - في أن هذا النادي ليس نادياً عادياً، لكنه نادٍ عملاق وغني للغاية وناجح للغاية، وبالتالي فإن ما يحدث الآن لا يتناسب على الإطلاق مع نادٍ بهذا الحجم وبهذه الإمكانات الهائلة. بحلول عام 2013، كان مانشستر يونايتد قد أصبح علامة تجارية عالمية بفضل مدير فني عبقري يتحكم في كل شيء، وهو السير أليكس فيرغسون. وبالتالي، كانت هناك حاجة إلى بناء هيكل كامل قادر على أن يحل محل المدير الفني الاسكوتلندي القدير عندما قرر التقاعد، وليس مجرد البحث عن شخص آخر يشغل منصب المدير الفني للفريق.
من المؤكد أن كل نادٍ يخطئ، وكل عمل تجاري يواجه كثيراً من الصعوبات والتحديات، لكن مانشستر يونايتد كان بحاجة إلى هيكل إداري كامل وعدد من العقول الذكية التي تضع استراتيجية واضحة، لا تقلل الأخطاء فحسب، ولكن تتعلم منها أيضاً وتحاول تجنب حدوثها مرة أخرى في المستقبل.
والآن، ربما يكون جمهور مانشستر يونايتد هو الأمل الأخير للنادي للخروج من هذه الظروف الصعبة. لقد شهد العقد الماضي إقالة 110 من المديرين الفنيين من مناصبهم في الدوري الإنجليزي الممتاز. وحتى الآن في عام 2020، لم يرحل سوى مدير فني واحد من منصبه وهو نايغل بيرسون الذي كان يتولى القيادة الفنية لنادي واتفورد. مما لا شك فيه أن هذا أمر جيد على عدة مستويات، لكن هذا يجعلنا نتساءل عما إذا كان السبب وراء ذلك هو إقامة المباريات دون جمهور، وبالتالي لا توجد ضغوط كبيرة على مجالس الإدارات وصناع القرار في الأندية.
وتجب الإشارة في هذا الصدد إلى المقولة الشهيرة بأن الجمهور هو من يحدد مصير المديرين الفنيين في نهاية المطاف. فلو كانت المباريات تقام على ملعب «أولد ترافورد» وسط حضور جماهيري غفير، فإن صوت الجمهور كان سيمثل مؤشراً قوياً للغاية على حالة الغضب والإحباط والملل بين عشاق مانشستر يونايتد. ومن المؤكد أن هذا الجمهور لم يكن ليبقى صامتاً بعد انهيار الفريق وتلقيه خسارة مذلة أمام توتنهام هوتسبير بستة أهداف مقابل هدف وحيد.
ورغم أن حلم دوري أبطال أوروبا قد انتهى لموسم آخر، فإن الفريق لا يزال ينافس على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز، حتى إن كانت الأرقام والإحصائيات والمستويات التي يقدمها تشير إلى صعوبة ذلك. أما على المدى المتوسط، فلا يوجد مفر - سواء عاجلاً أم آجلاً - من تغيير المدير الفني، ووضع استراتيجية واضحة. ورغم أن مانشستر يونايتد لم يخسر حاضره بعد، فإن المعركة من أجل المستقبل ربما تكون قد بدأت بالفعل!


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.