«قمة الرياض 2020»... إذكاء روح استئصال الفساد في العالم

ترحيب دولي بإطلاق المبادرة السعودية لإنشاء شبكة عالمية لإنفاذ قوانين النزاهة

رئاسة السعودية خلال استضافة وزراء مكافحة الفساد في دول العشرين فبراير الماضي بحضور المنظمات الدولية (الشرق الأوسط)
رئاسة السعودية خلال استضافة وزراء مكافحة الفساد في دول العشرين فبراير الماضي بحضور المنظمات الدولية (الشرق الأوسط)
TT

«قمة الرياض 2020»... إذكاء روح استئصال الفساد في العالم

رئاسة السعودية خلال استضافة وزراء مكافحة الفساد في دول العشرين فبراير الماضي بحضور المنظمات الدولية (الشرق الأوسط)
رئاسة السعودية خلال استضافة وزراء مكافحة الفساد في دول العشرين فبراير الماضي بحضور المنظمات الدولية (الشرق الأوسط)

لم يتوقف السعي في السعودية في مكافحة الفساد وتوابعه الكارثية على النمو والتنمية البشرية والاقتصادية على محيطها الداخلي فحسب، وإنما تعدى ذلك إلى المساهمة في دورها العالمي لحماية المجتمع الدولي من آثار الآفة الخطرة على المجتمعات.
وشهدت «قمة قادة» مجموعة العشرين خلال البيان الختامي تخصيص توصية مستقلة بمكافحة الفساد، في وقت بادرت رئاسة السعودية قبل انعقاد القمة بمبادرة عالمية تُعنى بإنشاء شبكة عمليات عالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد، التي تأتي لتكون مُكملة للمنصات والشبكات القائمة في مجال التعاون الدولي غير الرسمي، منها الشبكة العالمية لإنفاذ القانون، وشبكة موظفي إنفاذ القانون، التابعتان لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وشبكة (الإنتربول).
وقال القادة في البيان الختامي: «بكوننا قدوة يحتذى بها في مجال مكافحة الفساد حول العالم... نرحب بالاجتماع الوزاري الأول لمجموعة العشرين لمكافحة الفساد، وسنستمر في العمل على تعزيز النزاهة العالمية في الاستجابة للجائحة، ونؤيد دعوة مجموعة العشرين إلى اتخاذ إجراءات لمكافحة الفساد ومواجهة جائحة فيروس (كورونا) المستجد». ولقيت مبادرة الرياض إشادات وترحيبا دوليا، تقديرا للدور والأهمية الكبيرتين لهذه الخطوات في حفظ أمن ومقدرات الأوطان.

تاريخ المكافحة

السعودية لها باع طويل في الحرب على الفساد بكافة أنواعه، وأرست الكثير من القوانين والأنظمة التي من شأنها خلق وتوفير بيئة صحية مجتمعيا وبيئة للأعمال، حيث أنشأت الكثير من اللجان التابعة للوزارات المعنية لمحاربة كافة أشكال الفساد والجرائم بصورة عامة. في شهر مارس (آذار) من عام 2011 ظهرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على العلن، حيث هدفت إلى حماية المال العام، ومحاربة الفساد، والقضاء عليه، وتطهير المجتمع من آثاره الخطيرة، وتبعاته الوخيمة على أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتطال الحياة الاجتماعية ومستقبل الأجيال.
وقامت الرياض بأنشطة مقدرة في سبيل مكافحة جرائم الفساد، إذ في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019، صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبتوصية من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، بضم هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

نقطة التحول

وشكلت الحقبة التي أشرف عليها ولي العهد السعودي نقطة تحول في محاربة الفساد، ليس على مستوى السعودية فحسب، وإنما المنطقة برمتها، إذ نُفذ الوعد الذي قطعه الأمير محمد بن سلمان بأنه «لن ينجو من الفساد أحد؛ كائنا من كان»، وهو ما طبقته الجهات المعنية، وأصدرت قرارات بإجراء تحقيقات في عدة قضايا من أعلى المستويات حتى أدناها؛ سعيا وراء إعادة حقوق الدولة والمجتمع. ولقيت هذه الإجراءات إشادات دولية ثمنت هذه الخطوات التي من شأنها الدفع قدما بأحد أبرز اقتصادات العالم الناشئة، وبالتالي انعكاسها على الاقتصاد الدولي.

الدور العالمي

المكانة المهمة للمملكة العربية السعودية إقليميا ودوليا حتّم عليها تجنب الاكتفاء بأدوار داخلية، والمضي قدما نحو المساهمة في دور دولي، حيث كثفت الرياض جهودها المضنية في مكافحة الفساد من خلال مشاركة تجاربها مع دول العالم وأبرمت الكثير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.
وتبرز من بين أهم تلك الجهود، تلك التي أصدرتها للعالم عبر رئاسة السعودية لمجموعة العشرين والتي أذكت به فتيل استئصال الفساد من خلال إطلاق مبادرة عالمية. وتُعنى مبادرة السعودية بإنشاء شبكة عمليات عالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد، التي تأتي لتكون مُكملة للمنصات والشبكات القائمة في مجال التعاون الدولي غير الرسمي منها الشبكة العالمية لإنفاذ القانون، وشبكة موظفي إنفاذ القانون، التابعتان لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وشبكة (الإنتربول).
ولقيت المبادرة إشادات وترحيبا دوليا تقديرا للدور والأهمية الكبيرتين لهذه الخطوات في حفظ أمن ومقدرات الأوطان، بحسب وصفهم.

ثمرة الجهود

استثمرت السعودية رئاستها لقمة دول مجموعة العشرين بوضع مكافحة الفساد أحد المحاور الرئيسية للقمة لأول مرة، حيث استضافت الكثير من اللقاءات وورش العمل المعنية بأفضل السبل لمكافحة الفساد.
ونتيجة للجهود السعودية شدّد وزراء مكافحة الفساد في دول مجموعة العشرين على أهمية الهيكل الدولي القائم لمكافحة الفساد، ولا سيما الالتزامات والتعهدات المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، بالإضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، واتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن مكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية وما يتصل بها من وثائق، وكذلك المعايير المُنبثقة عن مجموعة العمل المالي (FATF). وتتضمّن جميع هذه الإجراءات مجموعة متينة من التدابير التي يجب على الدول أن تتخذها لمنع ومكافحة الفساد، وعمليات غسل الأموال، والجرائم الاقتصادية الخطيرة الأخرى ذات الصلة.

المثال المحتذى

ووثقت الرياض جهودها في إصدار بيان ختامي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي صدر عن اجتماع وزاري لوزراء مكافحة الفساد في دول مجموعة العشرين استضافته السعودية، برئاسة مازن الكهموس رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد وبمشاركة ورؤساء وفود دول أعضاء المجموعة، والدول المشاركة، ورؤساء المنظمات الإقليمية والدولية؛ لمناقشة الالتزامات المناطة نحو استمرار دول العشرين في أن تكون مثالا يُحتذى به في الحرب العالمية ضد الفساد.
وأكدت الرياض وشركاؤها من دول العالم على ضرورة اجتثاث الفساد، ما اعتبرته رئاسة السعودية نجاحا بارزا وسط إجماع دول أقوى عشرين اقتصادا عالميا على رسائل كافية ووافية راعت فيه الوقت الذي يمُر فيه العالم بهشاشة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة نتيجة لجائحة فيروس «كورونا» المستجد، وهو ما دعا «دول مجموعة العشرين» إلى التشديد على التهديدات المتزايدة للفساد، والتأثير الخطير الذي تُشكله هذه الآفة على النمو الاقتصادي، والتنمية المستدامة، وجودة الاستثمار والابتكار، والثقة المُتبادَلة بين الحكومات والشعوب، معربين عن تعاطفهم العميق عن الخسائر المأساوية في الأرواح والمعاناة التي تسببت بها الجائحة.

مبادئ العشرين

ولم يغفل الوزراء، من خلال اجتماعات الرياض، تأييدهم بما يتماشى مع خطة عمل دول مجموعة العشرين لمكافحة الفساد، المبادئ رفيعة المستوى المُنبثقة عن رئاسة المملكة لدول المجموعة خلال العام 2020 المتمثلة في تطوير وتنفيذ استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد، وتوظيف تقنية المعلومات والاتصالات لتعزيز النزاهة في القطاع العام، وتعزيز النزاهة في عمليات الخصخصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ورحّبت دول مجموعة العشرين بالنهج الجديد لتقرير المساءلة المعني بمكافحة الفساد لدول مجموعة العشرين، الذي يُقدم للمرة الأولى، من العاصمة السعودية، استعراضا معمقا للتقدم الجماعي المُحرز لدول المجموعة في مجالي التعاون الدولي واسترداد الموجودات، الذي سوف يُسترشد به في تحديد مجالات العمل المستقبلية المحتمَلة في هذين المجالين.

العابر للحدود

اهتمت الرياض كثيرا بالتعاون بين الدول فيما يتعلق بالتحقيقات في قضايا الفساد العابرة للحدود وملاحقة مُرتكبيها، بما في ذلك، تلك القضايا التي يُتطلب فيها استرداد عائدات الجريمة، بالإضافة إلى الالتزام بتعزيز آليات التحقيق في قضايا الفساد، والاتصال وتبادل الخبرات في هذا المجال.
وشددت السعودية وشركاؤها على اتخاذ التدابير الإضافية، عند الاقتضاء؛ لمنع إساءة استخدام الكيانات الاعتبارية، وغيرها من الترتيبات القانونية، في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، ويشمل ذلك حينما تكون جريمة الفساد هي الجريمة الأصلية.
وتعهد الجميع بمنع المجرمين من الهروب من العدالة، بغض النظر عن مناصبهم أو مكانتهم الاجتماعية، والتصدي لعمليات إخفاء عائدات الفساد عبر الحدود، ومتابعة تجريم أفعال الفساد الإجرامية وملاحقة مرتكبيها، واسترداد الموجودات المسروقة التي صُودِرَت، وإعادتها، متى ما كان ذلك مُناسبا، وبما لا يتعارض مع القوانين المحلية والالتزامات الدولية.
ولم تغفل المملكة أنّ لكل دولة من دول مجموعة العشرين قانونا وطنيا نافذا لتجريم الرشوة، بما في ذلك رشوة الموظفين العموميين الأجانب، والعمل على تعزيز الجهود الرامية إلى منع الرشوة المحلية والأجنبية وكشفها والتحقيق فيها وملاحقة مُرتكبيها ومعاقبتهم بفاعلية. وبينت بالاتفاق مع دول مجموعة العشرين أن ذلك يتطلب الالتزام بتعزيز نزاهة وكفاءة القطاع العام والخاص، والمنظمات غير الحكومية، والالتزام باتباع نهج قائم على تعدد أصحاب المصلحة في مجالَي منع الفساد ومكافحته. كما اتفقت دول المجموعة من الرياض على تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية والأفراد والجماعات خارج القطاع العام، بما يشمل المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، والمنظمات المجتمعية، ووسائل الإعلام، والقطاع الخاص.

مواصلة الحرب

السعودية ومن باب الحرص على متابعة التطور الدولي في مكافحة الفساد، تحصلت على اتفاق من كافة الدول الأعضاء على متابعة جدول أعمال شامل ومتكامل لمكافحة الفساد، مع مراعاة المبادئ الأساسية لسيادة القانون وحقوق الإنسان، مستذكرين الموقف المتمثِل في عدم التسامح مطلقا مع الفساد.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار.

ووفق نشرة الاكتتاب العامة للشركة، التي مثلت أكبر عملية جمع أموال في تاريخ أسواق المال، فإن صناديق الثروة السيادية والمستثمرين في دول «مجلس التعاون الخليجي» لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية.

جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين، إذ حصل كل من «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، و«جهاز قطر للاستثمار»، و«الهيئة العامة للاستثمار الكويتية»، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منها كتخصيص نهائي. وبدأ تداول أسهم شركة «سبيس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك يوم الجمعة، بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».