شعرية العمى في الخطاب الروائي

«عن لا شيء يحكي»... رواية كابوسية عن عالم متجرد من الإنسانية

شعرية العمى في الخطاب الروائي
TT

شعرية العمى في الخطاب الروائي

شعرية العمى في الخطاب الروائي

تقودنا رواية «عن لا شيء يحكي» للروائي طه حامد شبيب 2019، إلى الحديث عن شعرية العمى (Poetics of Blindness)، كما تتجلى في الخطاب الروائي في عدد من الروايات العالمية والعربية، منها رواية «بلاد العميان» (Country of the Blinds) للروائي ه. ج. ويلز المكتوبة عام 1904، ورواية «العمى» للروائي البرتغالي ساراماغو، الحائز على جائزة نوبل للآداب، وسرديات الروائي الأرجنتيني المعروف بورخيس، فضلاً عن روايات عربية متفرقة منها للكاتب الكبير طه حسين «الأيام»، ورواية نبيل سليمان الموسومة «تاريخ العيون المطفأة» وغيرهما.
في هذه الروايات تكون الشخصية المركزية أو بطل الرواية شخصية عمياء، وقد يكون مؤلفها أعمى، كما هي الحال في حالتي بورخيس وطه حسين. وتظل الإشكالية المركزية تتمثل في رصد كيفية تعامل البطل الأعمى مع العالم الخارجي، وما هي المجسات التي يمتلكها، والتي تمكنه من إدراك المحسوسات والمرئيات والمجردات المحيطة به، والتي تؤهله لتجاوز هذه الحالة والتكيف معها. وهنا تتجلى مقدرة الروائي لسردنة حالة العمى، وردود أفعالها، وموصوفاتها، لبناء بنية سردية دالة تمتلك مقومات شعريتها الخاصة.
وتنهض رواية «عن لا شيء يحكي» على قاعدة بناء الشخصية المركزية (Protogonist) في الرواية لحمادي الأعمى، الذي لا يمكن أن نصفه بالبطل (Hero)، وإنما بشكل أدق بالبطل المضاد (Anti Hero)، لأنه بسبب عماه لا يمتلك مؤهلات البطل المعروفة، لأن العمى يفرض عليه مجموعات من الإكراهات والمحددات التي تحجّم مواصفات الشخصية الروائية، وتشكل صورة البطل فيها. لكننا سنكتشف أن حمادي، البطل الضد في هذه الرواية يتحدى عماه، ويحاول أن يخلق له بديلاً سردياً، عندما يصبح رائياً في عتمة العمى، حتى أنه بامتلاكه للبصيرة (Insight) التي يفتقد لها البعض يصبح قادراً على اكتشاف حقائق غابت عن الكثير من المبصرين.
يستهل الروائي سرده، دونما مقدمات أو تمهيد، ويضعنا داخل الحبكة السردية الأساسية للرواية: «بعد كأسه الثانية، انقلب كلامه إلى الفصحى. هكذا هو حمادي: حين ينتشي، مجرد انتشاء، وحتى قبل أن يثمل، يصير يتحدث الفصحى، ممزوجة ببعض العامية»، (ص ٥). والحبكة في الرواية هي لعبة سردية متقنة بين طرفين: حمادي الأعمى وأربعة من شباب المدينة الذين أصبحوا ندماءه اليوميين، أثناء جلسات سمرٍ متواصلة يروي لهم فيها حمادي حكايته الطويلة، التي يعترف أنها حكاية «عن لا شيء».
وثنائية الراوي والمروي له هنا تذكرنا بثنائية السرد في «ألف ليلة وليلة»، حيث ثنائية شهرزاد/ الراوية، وشهريار/ المروي له. وإذا ما كانت شهرزاد تحكي لتضمن سلامتها وسلامة بنات جنسها من سيف الجلاد، فإن حمادي يحكي لأنه كما قال مرة يريد أن ينفّس بذلك عما يكتم على أنفاسه من كوابيس وضغوط ومخاوف: «صدري راح يطق إذا ما راح أحكي هسه» (ص٢٩٢).
في حكايات حمادي المتصلة عن حياته وأسرته ومدينته الافتراضية، يوظف الراوي حمادي لغة «مهجنة» تجمع بين الفصحى والعامية. ففي الظروف الاعتيادية يتحدث بلغة أقرب ما تكون إلى اللغة اليومية المحكية بما فيها من أمثال وكلمات شعبية دارجة، ولكنه عندما يشرب كأسه الثانية ينتقل إلى اللغة الفصحى التي تعلمها من الكتاتيب ومعلمه الشيخ موسى، حيث حفظ القرآن الكريم، وكذلك من الاستماع إلى الإذاعة التي يسميها بـ«الراديون».
وسرد حمادي الحكائي، بفضل هذه المزاوجة بين العامية والفصحى، ومخاطبته المباشرة، وجهاً لوجه، للمروي لهم من ندمائه الليليين الأربعة، هو سرد شفاهي في الغالب، يحمل أهم عناصر السرد الشفاهي مثل التكرار، والتلعثم والتأتأة، والوقفات والنسيان، وأحياناً توجيه أسئلة لندمائه، مثل لازمة «يعني شنو» (ص 10)، ولغرض ربط الحكاية المنقطعة بعد توقف غالباً ما يقول: «المهم، خلوني أرجع للحكاية أخوان...» (ص 247).
ومن خلال الحكي الشفاهي لحماي يتشكل لدينا تاريخ مدينة، بل تاريخ العراق، في أصعب حلقاته، حيث تتحول الرواية إلى مرموزة أو «أليغوريا» (Allegory) عن تاريخ العراق السياسي بعد ثورة الرابع عشر من يوليو (تموز) عام 1958، حيث تمثل المرحلة، التي كان فيها القائمقام الذي تعرض إلى محاولة اغتيال فاشلة يدير المدينة، تمثل الفترة الأولى من سنوات «ثورة تموز» التي دامت أقل من خمس سنوات. أما الفترة الثانية فتمثلها مرحلة الانقلابات الفاشية بدءاً بانقلاب الثامن من فبراير (شباط) 1963 حتى سقوط نظام صدام حسين الدموي. كما يمكن الترميز لهذه المرحلة السوداء من الديستوبيا العراقية بفترة هيمنة عصابات «داعش» الدموية على أجزاء عديدة من التراب الوطني العراقي بعد عام 2014.
إن السرد الروائي في هذه الرواية هو نتاج مخيلة افتراضية جامحة، يمتلكها حمادي، البطل المضاد، ويستطيع من خلالها أن يستجمع كل قواه الكامنة والظاهرة، ليعيد بناء صورة العالم رمزياً. وهذه المخيلة لا تشعر بالمتاهة والضياع بسبب العمى فقط، بل تعاني من اضطراب في الرؤية، ومن رضوض عصبية، وربما من حالة فصام شيزوفريني، تجعل حمادي يتخيل أشياء لم تحدث قط على أرض الواقع، فيرسم عبر مخيلته وخربشات عصاه على التراب صورة العالم الخارجي كما يتخيلها، ويتفاعل معها بحس إنساني عالٍ وإيجابية تتفوق على أحاسيس الكثير من الناس الذين بصق في وجوههم، لجبنهم وخوائهم وتخاذلهم وعدم قدرتهم على مواجهة السفلة والأوباش، الذين تحداهم بصرخته العالية، محرضاً على التمرد والثورة ضدهم: «ألعن أبوكم، وأبو كل من يخاف منكم، يا سفلة» (ص 317).
رواية «عن لا شيء يحكي» مكتوبة بذكاء ومهارة وحرفية. فشخصية البطل المضاد، حمادي، تبدو في البداية، في الرواية هذه، مجرد «بياض دلالي»، شأنها شأن أي علامة سيميائية، إلّا أن هذا البياض الدلالي سرعان ما راح يمتلئ من خلال الحكي الذي كان يسرده حمادي، وهو سرد مبار، ينطوي على حكايات من الدرجة الأولى تتعلق بشخصيته، فتشكل لوناً من السرد الذاتي الأوتوبيوغرافي، كما ينطوي على سردٍ على حكايات من الدرجة الثانية عن شخصيات أخرى. وهكذا راحت تتكامل شخصية حمادي، ليكون شخصية نامية (Round Character) مهيمنة على الحدث الروائي نفسه، وهي خاصية تتجلى عادة في رواية الشخصية. فعلى الرغم من وجود أصوات سردية بوليفونية أخرى هي أصوات ندمائه الأربعة، الذين كانوا يعبرون عن حضورهم من خلال سرد عبر ضمير المتكلم الجماعي (نحن) تارة، أو عبر ضمير المتكلم (أنا) تارة أخرى، فضلاً عن أصوات أفراد أسرته، إلّا أن سرده الحكائي ظل هو المهيمن على البنية السردية في الرواية.
وإذا ما افترضنا أن غرفة حمادي، التي كان يسرد فيها حكاياته لندمائه الأربعة، هي البنية الإطارية المكانية المتخيلة في الرواية، فإن مخيلة حمادي، بكل ما فيها من تشوش واضطراب وتداخل وفوبيا، هي بنية إطارية افتراضية أخرى، فجاء السرد التخيلي هذا معطوباً سيكولوجياً، إلى حدٍ كبير، لكنه يمتلك دلالاته الرامزة العديدة.
إذْ بدت الأزمنة متداخلة هي الأخرى. فعلى الرغم من حضور البنية الزمنية الخطية المتصاعدة للزمن السردي في الرواية، إلّا أن أحداث الراوية كانت تتقاطع وتتراجع، أو تتقدم على خط الزمن. فقد ظل الماضي حياً في مخيلة حمادي، إذْ يخيل إليه، وهو ابن السبعين، وقد نادت عليه أمه، المتوفاة أصلاً، لكي يدخل وينضم إلى سفرة العائلة.
في هذه الرواية، نجد خلطاً بين ما هو واقعي، وما هو افتراضي، ويظل القارئ في شك فيما إذا كانت الكثير من الأحداث التي يرويها حمادي حقيقية أو وهمية وافتراضية.
ويمكن القول إن كل السرد الذي قدمه حمادي في الرواية هو سرد تخييلي واستيهامي ليس إلّا، وأن السرد الواقعي الموثوق به هو السرد الذي يقدمه ندماؤه الأربعة، خلال جلساتهم الليلية مع حمادي، وبشكل خاص المشهد الأخير الذي نجم عنه قتل كلبة حمادي الأثيرة وجرائها على أيدي «المسلحين السفلة».
رواية «عن لا شيء يحكي» رواية كابوسيه بامتياز، وهي أيضاً لون من الكوميديا السوداء، التي تصف عالماً ديستوبياً (Dystopia) قذراً ومتجرداً من الإنسانية.
لقد استطاعت الرواية أن تخلق شعريتها السردية الخاصة التي تنتمي إلى شعرية العمى والمتاهة والظلام، وتصنع من «اللا شيء» حكاية حقيقية، تمور بالحياة والمعاناة، ومروية مدركة، بوصفها تراجيديا من تراجيديات الواقع السياسي العراقي.
وقد كان الروائي موفقاً في دلالة العنوان «عن لا شيء يحكي» بوصفه عتبة نصية دالة، حسب تعبير الناقد جيرار جينيت، لتطابقه مع طبيعة السرد التخييلي هذا الذي تصطنعه ذات عمياء، تفتقد القدرة على الإبصار، لكنها تتحدى كل هذه المعوقات لتصنع عالماً يضج بالمرئيات والصور والأحداث الساخنة. ولكي يضع المؤلف شارته التأليفية الاستثنائية هذه، فقد أصر على أن يخصص الغلاف الأخير، وجزءاً من الغلاف الأمامي للكتابة المجسمة بخط «بريل» الخاص بالعميان، ربما في إيحاء خفي يدعو لقراءة الرواية بلغة «بريل»، للمشاركة في فهم العالم الداخلي المحتدم بالألم والمعاناة لشخصية الأعمى، ومجترحاً عتبة نصية بصرية إضافية تعزز المظهر التشكيلي الدال للغلاف الخارجي بوصفه عتبة نصية أساسية من عتبات الرواية.
رواية «عن لا شيء يحكي» للروائي طه حامد شبيب، إنجاز مهم يحسب للمؤلف وللرواية العراقية الحداثية، وإضافة نوعية لمفهوم شعرية العمى في الخطاب الروائي.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».