العلاقة بين ميسي وبرشلونة لن تعود كما كانت

لا يوجد فائزون في المعركة بعد تصريح اللاعب أنه سيبقى فقط لتجنب مواجهة فريقه في المحاكم

انسجام قبل أن تهب العاصفة... ميسي وبارتوميو وآخرون في النادي الكاتالوني (أ.ف.ب)
انسجام قبل أن تهب العاصفة... ميسي وبارتوميو وآخرون في النادي الكاتالوني (أ.ف.ب)
TT

العلاقة بين ميسي وبرشلونة لن تعود كما كانت

انسجام قبل أن تهب العاصفة... ميسي وبارتوميو وآخرون في النادي الكاتالوني (أ.ف.ب)
انسجام قبل أن تهب العاصفة... ميسي وبارتوميو وآخرون في النادي الكاتالوني (أ.ف.ب)

قرر النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي البقاء في برشلونة، لكن بطريقة حزينة، فلم نرَ ابتسامة أو مصافحة أو مصالحة بينه وبين مسؤولي نادي برشلونة. لقد انتهى الأمر في الوقت الحالي فقط، لكن هذه القصة لم تنتهِ بشكل حقيقي، ولم يحصل أي طرف على ما يريد في حقيقة الأمر، بما في ذلك حتى رئيس النادي جوسيب ماريا بارتوميو، الذي ما زال يتشبث بالسلطة، لكن الشيء المؤكد هو أنه لن يترأس النادي مرة أخرى في ظل وجود أفضل لاعب في تاريخ النادي. ولا يمكن إعفاء بارتوميو من المسؤولية عن ذلك بكل تأكيد.
إنه لأمر سيئ للغاية أن يفكر ميسي في الرحيل عن برشلونة بعد 20 عاماً قضاها بين جدران النادي. ورغم تأجيل ذلك الأمر لمدة تسعة أشهر أخرى، فإن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر. لكن الأسوأ هو وصول الأمور إلى هذه النقطة التي جعلت النجم الأرجنتيني يفكر في الرحيل. ومن المؤكد أن المشكلة لم تُحل بإعلان ميسي بقاءه في النادي. لقد قال ميسي: «أردت أن أكون سعيداً، لكنني لم أجد السعادة في النادي».
ومن المؤكد أن الإبقاء على ميسي بالإكراه لن يجعله سعيداً على الإطلاق. كما أنه لم يتم التعامل مع هذه الأزمة بشكل جيد، سواء قبل اندلاعها أو أثناء حدوثها، ومن الواضح أيضاً أن المشكلة ستستمر لما هو أبعد من ذلك. لقد أعلن ميسي أنه سيبقى في النادي الذي «يحبه»، لكن لم يكن هناك صفقة جديدة بينه وبين النادي ولا وعود بالاستمرار لفترة أطول بعد انتهاء عقده الحالي.
وبدلاً من ذلك، كان من الواضح للجميع أن ميسي حزين للغاية أثناء الحوار الذي ظهر فيه، والذي لم يجرِه مع قناة النادي وإنما مع موقع «جول». وبعد ساعات من نشر هذا الحوار، لم يكن الموقع الرسمي لنادي برشلونة على شبكة الإنترنت قد نشر أي شيء عنه! كان من المفترض أن تكون هذه أخبار سعيدة للنادي، لكن موقع النادي تعامل مع الأمر كأن شيئاً لم يحدث!
لقد تحدث ميسي بصراحة كبيرة، ورفض التغطية على السلبيات الموجودة في النادي، ورفض تصوير الأمر على أن كل شيء على ما يرام وأنه قد تم حل الخلافات بينه وبين النادي. كان من الممكن أن يتراجع ميسي عن موقفه، وأن يقول إنه شعر بالتضارب والارتباك، وأن يطلب نسيان هذه القصة المؤسفة بأكملها، أو أن يحاول بناء جسور من الثقة مرة أخرى مع برشلونة، لكنه لم يفعل ذلك. كان يمكن أن يقول إن ما حدث هو لحظة من لحظات الجنون، لكنه لم يفعل ذلك أيضاً.
لقد اعترف ميسي بأنه يريد الرحيل عن برشلونة، واتهم بارتوميو بعدم الالتزام بالاتفاق معه على السماح له بالرحيل. وقال النجم الأرجنتيني إنه كان يخبر بارتوميو بذلك طوال العام، وإنه فكر في الأمر بعناية ورأى أن الوقت قد حان للرحيل. كان بإمكانه أن يقول إنه يريد أن يفيد النادي ويساعده من الناحية المالية، لكنه لم يفعل ذلك أيضاً، وأصر على أنه من حقه إلغاء عقده والرحيل مجاناً. وكان هناك شيء واحد فقط منعه من الرحيل، وهو خطر أن يقف أمام برشلونة في ساحات المحاكم.
إن كل ما أراد ميسي أن يتجنبه هو الدخول في نزاعات قضائية مع برشلونة، لكنه لم يتراجع عن معركته مع رئيس النادي الذي حمله مسؤولية وصول الأمور إلى هذه الدرجة من السوء. وفي اليوم الذي أعلن فيه ميسي استمراره مع النادي، أصدر والده بياناً يؤكد فيه حق ميسي القانوني في الرحيل مجاناً. صحيح أن ميسي تكلم خلال الحوار الذي أجراه عن حبه للنادي وعن بكاء أطفاله عندما علموا بأنه يريد الرحيل، لكنه لم يسمح باستغلال تلك الأمور لحماية رئيس النادي أو للتظاهر بأنه يرحب بما آلت إليه الأمور.
وفي الحقيقة، يتفق الكثيرون مع موقف ميسي، وكانوا يفضلون رحيله من أجل مصلحة هذا اللاعب الفذ، وليس مصلحتهم الشخصية، وكانت هناك ظاهرة غريبة تتمثل في أن الذين يساندونه يطالبون برحيله، في حين أن الذين انقلبوا عليه يطالبون ببقائه! لقد شعر أنصاره بالحزن والإحباط، لكنهم رأوا أنه كان لديه الحق في الرحيل وأن مسؤولي النادي لم يلتزموا باتفاقهم معه.
لقد قرر ميسي البقاء، وهو الشيء الذي يجب أن يشعر جمهور برشلونة بالسعادة من أجله، لكن لم ينتَبهم هذا الشعور في حقيقة الأمر، للعديد من الأسباب؛ من بينها أن النجم الأرجنتيني لن يكون سعيداً. وفي بعض الأحيان عندما يقرر بعض اللاعبين الرحيل عن أنديتهم فإنهم يتسببون في انهيار العلاقة بين الطرفين، لكن ميسي دمر هذه العلاقة عندما قرر البقاء، وعندما تحدث بكل صراحة وصدق عن الانقسامات الحادة الموجودة في النادي.
ولكي ندرك ذلك، يتعين علينا أن نقرأ هذه السطور جيداً التي قال فيها ميسي: «سأبقى لأن رئيس النادي قال إن السبيل الوحيدة للرحيل هو دفع مبلغ 700 مليون يورو، وهو أمر مستحيل، وكان الحل الآخر هو الذهاب إلى المحكمة». وأضاف: «لفترة طويلة الآن، لم يكن هناك مشروع أو أي شيء داخل النادي. إنهم يؤدون عملاً غير واضح، ويسدّون الثقوب ومواطن الخلل فقط».
وأضاف ميسي: «كنت بحاجة إلى الرحيل، وكان النادي بحاجة لذلك، وكان هذا هو الحل الأفضل للجميع». لكن بارتوميو لم يكن قادراً على السماح له بالرحيل، ولم يكن بإمكانه حقاً إجباره على البقاء، لكنه فعل ذلك في نهاية المطاف.
وبعدما باءت محاولات الساحر الأرجنتيني ميسي للرحيل بالفشل وإجباره على البقاء، فإن من المحتمل أن يحصل على وداع مناسب من الفريق. يستحق ميسي ختاماً مناسباً بعد حقبة رائعة قضاها داخل جدران برشلونة، شهدت تتويجه بعشرة ألقاب للدوري الإسباني وستة ألقاب في كأس ملك إسبانيا وأربعة ألقاب بدوري أبطال أوروبا، من بين ألقاب أخرى.
واستعانت إدارة النادي بالمدرب الهولندي رونالد كومان لإحداث ثورة في الفريق بعد الانهيار الذي عانى منه تحت قيادة مدربه المقال كيكي سيتين، الذي أخفق برشلونة تحت قيادته في الاحتفاظ بلقب الدوري الإسباني، الذي توج به الغريم التقليدي ريال مدريد. وسيشكل ميسي الآن جزءاً من عملية إعادة بناء الفريق حتى لو بلغ سن 33 عاماً في نهاية مسيرته مع برشلونة، وربما يقنعه رئيس جديد بالبقاء مع إجراء انتخابات رئاسة النادي المقرر إجراؤها في مارس (آذار) القادم، ولكن اعتباراً من يناير (كانون الثاني) القادم، يتمتع ميسي بحرية التفاوض على الانتقال إلى أي نادٍ آخر، مع انتهاء عقده في يونيو (حزيران) 2021.
وعاد ميسي إلى التدريبات. وقال النجم الأرجنتيني عن ذلك: «الحقيقة هي أنني لا أعرف ماذا سيحدث الآن. هناك مدير فني جديد، وفكرة جديدة. لكنني سأبذل قصارى جهدي». وسيكون في انتظاره زملاؤه الذين التزموا الصمت، والمدير الفني الجديد للفريق، رونالد كومان، الذي قال: «أريد فقط اللاعبين الذين يريدون الوجود هنا وتقديم كل شيء». ولم يتظاهر ميسي بأن كل شيء أصبح على ما يرام، ومن المؤكد أن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه أبداً.
إن إجبار ميسي على البقاء رغماً عنه هو مجرد ثقب آخر تتم تغطيته، لكنه على الأقل يحصل على فرصة توديع مناسبة، خصوصاً إذا تم السماح للجماهير بالعودة إلى الملاعب في وقت ما خلال الموسم المقبل.


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.