«بنت شيخ العربان»... الذات مدخلاً لقراءة التاريخ

ميرال الطحاوي تعيد طرح «سؤال الهوية» عبر البحث هذه المرة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

«بنت شيخ العربان»... الذات مدخلاً لقراءة التاريخ

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

لطالما كان موضوع الهوية سؤالاً لروايات الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي، قبل أن تتناوله في دراسات أكاديمية. وقد أصدرت من قبل كتابين؛ «محرمات قبلية... المقدس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائياً»، و«الأنثى المقدسة... أساطير المرأة في الصحراء»، ثم كتابها الجديد «بنت شيخ العربان» الصادر مؤخراً عن دار العين بالقاهرة.
يتوسل الكتاب لموضوعه بعنوان شارح «دراسة في التاريخ الثقافي والتراث الشفاهي للعربان في مصر»، لكن الكاتبة لم تُلزم نفسها بالثقافي، بل تعرضت للتاريخ الرسمي، القديم منه والحديث، وخصوصاً ثورة عرابي التي يختلف الباحثون حول كفاءة زعيمها ومسؤوليته في الإخفاق وعلاقته بتدخل الإنجليز واحتلالهم مصر، على الرغم من الهالة التي تحيط بها بسبب التبني الرسمي لها، بالعكس من الإهمال الذي يلف تاريخ ثورة عام 1919 الشعبية.
يبدو الكتاب، وكأن الكاتبة التي تعيش وتعمل في جامعات الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات، أرادت أن تطرح كل الأسئلة التي يمكن أن تساعدها في إيجاد جواب لسؤالها الأساسي؛ سؤال الهوية، وبلغتها هو محاولة لفهم تلك الهوية المشطورة.
هكذا ينطلق الكتاب البحثي، الذي يقع في 336 صفحة، من مدخل ذاتي تماماً، لم تنس فيه الأكاديمية أنها ساردة بالأساس. يصافح القارئَ في أول الكتاب فصلٌ بعنوان «البداية» يقوم مقام المقدمة، وكان من الممكن أن يكون جزءاً من سيرة ذاتية، لكن وظيفته هنا هي الكشف عن الدافع الذاتي الملحّ الذي جعل روائية وأكاديمية في مجال الأدب تضع نفسها في قلب الدراسات التاريخية.
في المدرسة، تجلس الصغيرة بين زميلاتها تعيد عليهم حكايات جدتها «عن عباد وبلاد، وجِمال تخوض الصحاري، تُحرِّك الصغيرات رؤوسهن بحيرة، فُأدرك غرابة عوالمي التي تثير التندر، وتترك المساحات الشائكة بين ما أروي وما أعيش».
وما تعيشه الطفلة هو عيش على الحافة بالمعني الحقيقي، لا المجازي؛ حيث تعيش القبيلة على الحافة بين الصحراء وأول اللون الأخضر الذي تصادفه القبائل النازحة من الجزيرة العربية إلى مصر، وتسميه كتب التاريخ «الحوف الشرقي». الذي سيصبح الآن محافظة الشرقية.
في البيت، تغني الجدة لحفيدتها «ما أنتِ للي يصد عويل ولا أنتِ صيدة للرعيان»، وكثيراً من الأغنيات التي تفتح باب المتخيل عن الفقد والترحال، وسيرة الصحراء التي صارت بعيدة في الجغرافيا والتاريخ.
وتتطلع الطفلة، فلا تجد حولها صيداً أو رعياناً أو غنائم، لكن بنية القبيلة قائمة، وبيوت العائلة متناثرة داخل حوش واحد، ولم تكن الطفلة تدري سبباً لهذا المعمار القبلي الذي يشبه القلاع، هل هو في مواجهة الفضاء الصحراوي أم في مواجهة الذوبان في المجتمع المصري؟
وعندما تعبر الأبواب الضخمة التي تُسيِّج طفولتها، ترى في ذهابها إلى المدرسة بيوت الفلاحين الصغيرة المتشابهة، ينظرونها ويقولون «بنت عربان»، وهو وصف حمَّال أوجه، إذ تربط أصحاب الأرض الأصليين من فلاحي مصر والبدو الوافدين من الجزيرة «البدوان» علاقة ملغزة، كلا الطرفين يحتقر الآخر ويقدسه في الآن ذاته.
«البداوة لم تكن خياراً مكانياً أقدم فيه نفسي كاتبةً لادعاء الجدة أو الغرابة، ولم تكن أرضاً معرفية، وطئتها لأجترّها بسهولة» تكتب ميرال الطحاوي، وكأنها تريد أخيراً أن توضِح نفسها وتشرح ما لم تفهمه «الجماعة الثقافية» المصرية التي بدت ذات يوم شديدة الحساسية تجاه الاختلاف.
عندما يتعلق الأمر بتماسك الجغرافيا والثقافة المصرية، يتحسس كثير من المثقفين من الحديث عن خصوصيات عرقية أو إثنية، سواء أكان ذلك ارتباطاً بالفكر القومي أم دفاعاً عن سلطة تريد دائماً ما تيسر من الأعداء لتأجيل سؤال الديمقراطية. وقد آن الأوان للاعتراف بخطأ التحسس من الأقليات، لأن التنوع داخل الجماعة البشرية هو ما يمنحها غناها، ولا يكون خطراً إلا عند قمع الاختلاف.
وقد تعرّضت ميرال ذات يوم لمثل هذه المواقف عندما تحدَّثت في شهادات بمؤتمرات عن أصولها في الجزيرة العربية، وربما كان هناك من ينظر بتحفظ لخصوصية عالمها الروائي نفسه الذي تجلت فيه تلك العزلة، وتلك الهوية المشطورة.
لم يكن الفتح العربي أول لقاء للبدوان بمصر؛ فالعبور من الصحراء إلى البلد الذي شكَّل دائماً النقيض الثقافي ووجهة الهجرة منذ رحلة أبي الأنبياء إلى مصر. وقد ارتبط العبور بالنبوة والتجارة والحرب واللجوء، حتى إن المؤرخ «سترابون» الذي زار مصر في أوائل العصر الروماني (القرن الأول قبل الميلاد) يقول إن مدينة «قفط» بوسط الصعيد تكاد تكون مدينة عربية.
ولطالما دفع القحط بموجات من البدو النازحين لمصر، بينهم أبناء قبائل شمال الجزيرة العربية بكل عناد المحاربين الذي يتحلون به، وقبائل الجنوب المسالمين الذين اندمج كثير منهم مع المصريين بالتزاوج.
لكن على وجه العموم، ظلت الأغلبية تخشى الذوبان في وعاء ثقافي واحد، وقاومت ما أمكنها هذا الذوبان. وجاء الفتح العربي ليعزز من هذا الوجود ويؤسس لأرستقراطية محاربة، سنّ لها الامتيازات. واستمر الأمر قرنين، حتى بدأ الوعي بالأجناس غير العربية كمكون من مكونات الحكم في الدولة العباسية، التي أصبحت ثقتها في الأجناس الأخرى أقوى من ثقتها في القبائل العربية.
وهذا ما سيفتح الباب للمحاربين المحترفين «المماليك» وسيكون لدولتهم بدورها تاريخ من الإحن والثأر مع البدو، والبدو من جهتهم ظلوا ينتهزون فرص ضعف المماليك أو انشغالهم بالحروب الخارجية ليوسعوا من نفوذهم على من يحيط بهم من الفلاحين.
ولم يصل محمد علي إلى حكم مصر إلا وكانت شوكة العربان قد قويت، يبالغون في الإغارة وفرض الإتاوات، واتسمت سياسته معهم بالتعقل الحازم؛ فمزج بين حملات تأديبهم وبين منحهم الأراضي لتوطينهم ودمجهم في بنيان الدولة الحديثة التي يضع قواعدها.
مع ثورة عرابي، يتقوى الخط الذاتي في الكتاب؛ وتورد ميرال شهادة من عرابي وردت في مذكرات محاميه وصديقه «اللورد بلنت» يوافق فيها بلنت على اعتقاده بأن سعود الطحاوي، جد الكاتبة، من بين من خانوه اعتماداً على أن جد سعود قد انضمّ إلى بونابرت قبل نحو 100 عام من ثورة عرابي.
يمثل التاريخ الرسمي خيطاً ناظماً للكتاب؛ حيث نرى قيام وانهيار نفوذ البدو، على مر التاريخ في المنطقة، وفي مصر تحديداً، بينما لا يغيب الخط الذاتي، إذ كان اسم الجد، صديق دليسبس، سؤالاً آخر من الأسئلة غير المحلولة أمام الكاتبة في طفولتها، بوصفه البدوي الذي التصقت به تهمة الخيانة.
يرسم التاريخ الرسمي، إلى جانب المرويات الشفاهية، صورة شديدة التناقض لشيخ العرب في المخيلة البدوية والمخيلة الشعبية المصرية. وهذه الصورة هي شاغل القسم الثاني في كتاب «بنت شيخ العربان». تنسجم رؤية الفلاح للبدوي، مع صورته في كتب التاريخ القاتمة والدموية في كتب التاريخ، كما جاء عند المقريزي وابن إياس، وكما وصفه ابن خلدون. لكن صورة البدوي عن نفسه غير ذلك تماماً؛ فهو الفارس الشجاع والسيد.
ومن صورة الرجل إلى صورة المرأة التي تخصص لها الكاتبة القسم الثالث من الكتاب، وذلك من خلال غناوة، أو غناء الحب في الشعر الشفاهي النسائي البدوي، الذي دوّنته من أعراس ومناسبات القبيلة، وجمعت شطراً منه من الفيوم ومناطق أخرى من مصر حيث سعت وراء بعض أبناء القبيلة الذين تفرقوا في أكثر من محافظة، بالإضافة إلى ما يتوفر الآن في مواقع نصوص ومقاطع فيديو على شبكة الإنترنت. وتستعين الكاتبة في دراستها بكثير من الدراسات السابقة لنقاد الأدب الفصيح والشعبي، من شوقي ضيف إلى الطاهر لبيب وليلى أبو لغد.
«غناوة العَلَم» وأحياناً «الحجة» هو الاسم الذي يشار به إلى الشعر الشعبي الذي يضم الغزل بين موضوعاته، وتتألف «غناوة العلم» عادة من بيت واحد، يبرز فيه رثاء الذات والتضرع الرومانتيكي لحبيب مجهول والمجاز. بينما يبدو غزل «المجاريد» حسياً، ويفصح فيه العاشق بجرأة عن نية الإغواء.
يؤلف الغناوة الرجال، والنساء، وتعيش في مجالسهن، وقد ضمنت المشاعية وغياب اسم المؤلف مرور هذا التراث دون تعارض حاد مع قيم القبيلة التي تضع الشرف في تناقض مع التعبير عن الحب!
وقد يبدو قسم «غناوة الحب في الشعر الشفاهي النسائي البدوي» قطعاً في السياق للوهلة الأولى، لكنه شديد الاتصال بموضوع الكتاب، فهذا الشعر لا ينفتح على جيران، على بعد خطوات من القبيلة، ويبدو ملغزاً تماماً على الفلاحين، وكأنه شيفرة خاصة تحمل تقاليد لا يريد البدوي أن يشاركها مع جار يتقاسم معه المكان، بينما يحن إلى مكان آخر!



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي