غائب طعمة فرمان... إعادة عالم زائل إلى جغرافيا الوجود

30 عاماً على رحيل صاحب «النخلة والجيران»

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

غائب طعمة فرمان... إعادة عالم زائل إلى جغرافيا الوجود

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

قد يكون مناسباً تذكر حقيقة أن غائب طعمة فرمان، الذي رحل في مثل اليوم من 1990 عن 63 عاماً، قد كتب كل رواياته الثماني خلال سنوات إقامته في موسكو، حيث كان يعمل مترجماً في دار التقدم، فروايته الأولى «النخلة والجيران»، انتهى منها عام 1964 أي بعد مرور 20 سنة على أحداثها، وبعد اختفاء كثير من معالمها القديمة وحلول شوارع ومحلات ومدارس ومستشفيات ومساكن جديدة محلها.
تشكل هذه الرواية مع الروايتين اللاحقتين؛ «خمسة أصوات» (صدرت عام 1967)، و«المخاض» (عام 1973) ثلاثية مترابطة (رغم تغير شخوصها)، والبطل الحقيقي فيها هو بغداد نفسها، وما أعنيه ببغداد، سكانها الذين صاغت أزقتها ونهرها وموقعها وتاريخها القديم مزاجهم ولهجتهم؛ قيمهم وقناعاتهم؛ حرفهم وعاداتهم.
تتناول هذه الروايات ثلاث فترات زمنية ذات تأثير بالغ على ما ترتب عن كل منها؛ «النخلة والجيران»: أواخر الحرب العالمية الثانية واقتراب خروج القوات البريطانية من بغداد والمدن الكبرى... «خمسة أصوات»: عشية إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1953 وفرض الأحكام العرفية؛ «المخاض»: بعد عام ونصف العام على وقوع ثورة 14 يوليو (تموز)، وبداية الاحتراب الداخلي بين حلفاء الأمس، ولعل أنسب تعبير لوصف هذه اللحظات التاريخية هو «العتبة».
في «النخلة والجيران» يستخدم غائب الحوار وسيلة لتقديم شخصياته، إذ يحتل ما يقرب من ثلاثة أرباع صفحات الرواية، وبفضل استخدامه للعامية تصبح شخصياته حقيقية فنياً على الرغم من أنها نمطية ومتشابهة بعضها مع بعض.
وفي مسعاه للقبض على صورة مدينة زائلة وحياة أشخاص مهمشين على عتبة اختفاء مهنهم البائدة باستخدام الحوار بالدرجة الأولى، يكسر غائب ثلاثة مبادئ أساسية في الحبكة الروائية: إدخال إسكتشات مستقلة عن سياق الرواية مثل مشهد الشجار الذي يجري داخل الخان بين رديفة زوجة حمادي وخيرية زوجة الفراش رزوقي، ولعل غائب أراد إحياء شخصية المرأة السفيهة (القرج) التي يتجنب لسانها سكان الحي جميعهم، وهنا يسود الروح الكرنفالي (حسب مفهوم باختين) حيث تنقلب المعايير رأساً على عقب ويتطاير شرر الملاسنة بين المرأتين على الزوجين المسكينين والسائس الطيب مرهون. والمبدأ الثاني هو غياب النمو الدرامي للرواية، فمقتل مؤجر الدراجات الطيب، «صاحب» على يد الشقي «محمود» جاء من دون مقدمات، والتصعيد الدرامي يأتي في آخر الصفحات خارج سياق الرواية حين يقرر حسين الانتقام لصديقه «صاحب» بقتل قاتله والتحول هو نفسه إلى «شقي». أما المبدأ الثالث فهو النهاية المفتوحة التي تأتي بعد قتل حسين لمحمود في مرافق أحد الفنادق وهروبه.
الشيء الأساسي الذي جمع هذه الشخصيات هو أنها عبرت «العتبة» وتُركت هناك: فـ«الطُّولة» (حظيرة الخيول) بيعت وحوِّلت إلى مصنع سجائر، وبذلك فقد حمادي ومرهون عملهما، وبيت سليمة الخبازة يباع، فتنتقل إلى غرفة صغيرة هي وزوجها الثاني مصطفى. كذلك الحال مع بغداد نفسها، فالحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها أخيراً، وبدأ الجنود البريطانيون بمغادرتها.
في رواية فرمان الثانية «خمسة أصوات»، تبرز بغداد ثانية، بعد مرور ما يقرب من عقد على انتهاء الحرب العالمية الثانية. وهنا نجد أبطال الرواية أشخاصاً ولدوا بعد تأسيس الدولة العراقية بقليل.
إنه عقد الخمسينات، حيث دخل الغرب بقوة في محلات أورزدي باك بشارع الرشيد، جنباً إلى جنب، مع المقهى السويسري والنوادي الليلية والبارات الفخمة على شارع أبو نؤاس، إضافة إلى دخول الكتب مختلفة الاتجاهات والأفكار، سواء بالإنجليزية أو مترجمة إلى العربية.
يستخدم غائب في نسج «خمسة أصوات» مبدأ الروندو الموسيقي، حيث التيمات الموسيقية تتناوب بانتظام، وهنا نجد الشخصيات الخمس تجمعها اهتمامات مشتركة وعمر متقارب وعتبة حياة واحدة رغماً عن اختلاف طموحات كل منها.
يتقمص غائب شخصية «سعيد»، وهذا ما سمح لنا بأن نعرف أكثر عنه من الآخرين، وسمحت لغائب بأن يمزج ما هو متخيل بما هو حقيقي دون أن نكتشف الخط الواهي الفاصل بينهما، وهذه هي إحدى ميزات الرواية. كذلك تنجح الرواية بخلق عنصر التشويق، بعد تسلم «سعيد» الذي كان مسؤولاً في صحيفة «الناس» عن قسم الشكاوى رسالة من امرأة مجهولة تدعوه فيها لزيارتها. ولم يكن الوصول إلى بيتها سهلاً، إذ إن دخول أي غريب لزقاق بغدادي آنذاك يعدّ مغامرة بحد ذاتها.
استخدم غائب في سرد الرواية ستة رواة فلكل شخصية راوٍ وللشخصيات الخمس معاً راوٍ خاص بها.
تفتقد الرواية التصعيد الدرامي أو الغور العميق في الشخصيات. بدلاً من ذلك يستخدم غائب الحوار وسيلة أساسية للتعرف إليها من خلال ما تعبّر عنه من آراء أو ما تنقله من تداعيات عن ماضيها أو ما تعرفه عن شخصيات أخرى. وباستخدام أسلوب التناوب بين هؤلاء الرواة تتحقق للرواية ديناميكيتها التي تشد القارئ حتى آخر صفحاتها.
يمكن القول إن الروح الكرنفالي (الذي عرّفه باختين) أو جزءاً من عناصره قد يلبس الرواية، ففكرة العتبة والتجوال الحر لبعض الأبطال في ثنايا المدينة متنقلين ما بين باراتها وشوارعها وأزقتها عنصر أساسي فيها. ولتحقيق ذلك، رسم غائب شخصياته بطريقة كاريكاتورية (إلى حد ما) فمنحهم قدراً من تشويه ساخر مبطن يطلق عليه باختين «الغروتسك»، وهو أحد عناصر الروح الكرنفالية الأساسية في الرواية.
وهذا العنصر التشويهي المشترك ناجم عن كون هذه الشخصيات تنتمي إلى أول جيل متعلم تلقى جرعة ثقافية غربية كبيرة، على الرغم من أنها تعيش في مجتمع تحكمه سكونية هائلة، فبينها وبين الآباء والفئات الشعبية فجوة ثقافية كبيرة، وما زالت المحلة البغدادية منغلقة على نفسها، وما زالت المدن الأخرى غير مهيأة لقبول زوار من المدن الأخرى، إلا إذا كان لديهم أقارب فيها.
كل ذلك يقود أبطال غائب في «خمسة أصوات» إلى ارتداء نظارة مستوردة تمكنهم من رؤية الواقع، كأنه يتماهى مع واقع غربي ما. فعبد الخالق الذي يحلم بأن يكون روائياً ينظر إلى محيطه بعيني الروائي الأميركي فولكنر، فهو على الرغم من تعاليه على الآخرين بمن فيهم أصدقاؤه، يندفع للمساهمة في صد خطر الفيضان، بسبب ما كتبه فولكنر عن فيضان حل بالمسيسبي وكيف كان رد فعل أهالي بلدته في الجنوب الأميركي تجاهه. كذلك الحال مع الشاعر شريف، الذي يتقمصه الشاعر الفرنسي بودلير المتوفى عام 1867، فيقلده في جرأته وسأمه وتشرده وتعلقه بغانية سوداء، وفي بغداد يتعلق الشاعر شريف بالفتاة صبرية، المومس الأمية هزيلة البنية فيسقط عليها صورة تلك الغانية السوداء التي تغنى بها بودلير كثيراً.
أما سعيد فيجد نظارته في الكتب السرية التي تصل إليه من صديقه «طالب» السجين السياسي في نقرة السلمان، إذ توصل أم «طالب» إليه كتاباً لبليخانوف وآخر لجدانوف.
وفي مجتمع ذكوري لا يرى الرجل حوله إلا أمه وأخواته وقريباته يسبِّب ظهور أي امرأة سافرة في مكان عام خلخلة جماعية. ففي المقهى السويسري الذي كان يلتقي به الأصدقاء الخمسة أحياناً، تستدير رؤوس المثقفين فيه ولعاً صوب امرأتين سافرتين ظهرتا على حين غرة. وهذا ما يدفع شريف إلى القول إن العراقيين ثوريون بسبب انفصال الرجال عن النساء في الحياة اليومية.
تترك الرواية النهاية مفتوحة، إذ تنتهي بهجرة سعيد إلى سوريا للعمل هناك، وترك الأبطال الآخرين يعبرون عتبتهم، كل حسب طريقته، ومعهم يعبر العراق عتبته الأخرى.
في رواية فرمان الثالثة «المخاض»، يعود الراوي - البطل إلى مدينته بغداد بعد وقوع ثورة 14 يوليو (تموز) بعام ونصف العام. ومنذ البدء يُصدَم بحقيقة لم تخطر على باله: اختفاء المحلة التي ولد وترعرع فيها عن الوجود مع كل المحلات المجاورة ليحل محلها شارع «النضال» الذي كان في طور الإنشاء. ومع انقطاع صلته بعائلته نتيجة عدم وصول رسالته إليهم، يضطر الراوي للإقامة في محلة شعبية مع عائلة السائق العم نوري الذي أوصله أولاً من المطار إلى مكان محلته.
تأتي عودة البطل كريم إلى بغداد بعد حصوله على وظيفة مترجم في وكالة أنباء، والرواية تنشغل بمتابعة حياته اليومية ولقاءاته بزملائه في العمل؛ ضاربتي آلة طابعة آمنة وماجدة والمترجم داود ثم حل المترجم الفلسطيني الأصل إسماعيل لاحقاً محل الأخير.
تأخذ الحوارات مساحة كبيرة في الرواية تصل إلى 160 صفحة بالكامل من 360، وإذا أضفنا الأجزاء الأخرى فسيغطي الحوار ما يقرب من ثلثي الرواية. وهذا بحكم محدودية صوت البطل الذي يسرد لنا الحكاية بضمير المتكلم. هذه الحوارات تشمل قدراً من الجدل واعترافات وتداعيات خواطر. وفي حركة البطل هناك قدر كبير من العفوية، فهو يلتقي ببعض الأصدقاء القدامى عن طريق الصدفة مثل محسن ومهدي.
الرواية تفتقد إلى النمو الدرامي، لكن رغبة القارئ في التعرف على هذه الشخصيات التي تبدو حقيقية (وعلى الأغلب هي كذلك) يظل محدوداً بمدى انفتاحها مع الراوي كريم.
كذلك فإن الراوي الذي نعرف من نقاشاته وآرائه أنه ماركسي وحريص على تحقق الاشتراكية ولا يرى في الاحتراب الداخلي الذي تفجر في العراق بين التيارين الشيوعي والقومي إلا دليلاً على حقيقة الصراع الطبقي، وأن الانتقال إلى الفردوس لا بد أن يمر عبر التضحيات، لكن «آمنة» التي ظلت قلعة محصنة أمام كل محاولاته لكسب حبها، كانت لها وجهة نظر أخرى: «إنها السادية التي سكنت المجتمع».
وفي لقائه برفيقه القديم مهدي، يستغرب أن يضع الأخير نظارة سوداء، فيخبره أن أحد إخوته ينوي قتله بسبب أفكاره، أما محسن الذي أصبح مديراً عاماً ويختلط برجال الأعمال فيخوض مع البطل كريم جدلاً طويلاً عن ضرورة توقف الثورة عند مرحلتها البورجواية، وفتح الباب لرجال الأعمال العراقيين كي يطوروا المجتمع، لكن كريم يحتد ضده، فهو لا يريد من الثورة أن تتوقف حتى تتحقق الاشتراكية.
هنا للمصادفة اليد الطولى، فكثير من اللقاءات تحكمها الصدفة، وبفضل الصدفة يتمكن غائب من إنهاء الرواية على فضاء مفتوح يحمل كل الاحتمالات، وهذا من خلال جعل العم نوري يضرب بسيارته سائق دراجة شاباً. وتنتهي الرواية بشفاء الشاب وتنازله عن حقه وبراءة العم نوري الذي اكتفى القاضي بسحب إجازة السوق منه بسبب كبر سنه وضعف بصره.
تقترب هذه الرواية في سياقها من أدب المذكرات، وقد يجد القارئ في ديناميكية السرد ترهلاً هنا وهناك واستيلاء الجدل متعدد القناعات عليها، لكنها الرواية الوحيدة التي كتبت عن تلك الفترة الحرجة في تاريخ العراق بموضوعية، وما جعلها شيقة اليوم هو أن غائب منح أبطاله فرصة متساوية في التعبير عن آرائهم دون أن ينحاز إلى بطله الشيوعي، على الرغم من أنه سلمه قيادة السرد. وهذا ما يجعل القارئ بعد الانتهاء منها ينحاز إلى وجهة النظر هذه أو نقيضها.



عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.


«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
TT

«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)

بعد أشهر من عرضه الافتتاحي في الدورة الـ5 من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، ومشاركته في عدد من المهرجانات وحصوله على جوائز مهمة، من بينها «التانيت الذهبي» لأفضل فيلم في «مهرجان قرطاج»، ينطلق العرض التجاري لفيلم «القصص» في القاهرة يوم 17 يونيو (حزيران)، على أن يبدأ عرضه عربياً في 18 من الشهر نفسه.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

يأتي عرض الفيلم في موسم سينمائي متنوع يضم أفلاماً جماهيرية كبيرة وأعمالاً كوميدية، مراهناً على 5 حكايات إنسانية تدور في خضم أحداث سياسية واجتماعية صاخبة. ويُقسِّم الفيلم هذه الحكايات إلى فصول تحمل عناوين منفصلة، ترتبط بفترات زمنية تمتد من ستينات القرن الماضي حتى أواخر الثمانينات، وكيف ألقت تلك الأحداث بظلالها على أسرة مصرية بسيطة. ويقدِّم الفيلم ذلك في إطار يمتزج فيه السرد الدرامي بالموسيقى والأغنيات ومباريات كرة القدم التي ارتبطت بتلك الحقبة، عبر قصة إنسانية مؤثرة تتناول العائلة والهوية والصمود وقوة الروابط الإنسانية.

ويتزامن العرض الجماهيري للفيلم مع ذكرى نكسة 5 يونيو 1967، التي تنطلق منها أحداث العمل، وذلك بعد نحو 59 عاماً من وقوعها. وكان عنوان الفيلم في البداية «صيف 67» قبل أن يُغيَّر إلى «القصص».

الفيلم من بطولة أمير المصري، ونيللي كريم، وكريم قاسم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، وأحمد كمال، وصبري فواز، وخالد مختار، وشريف الدسوقي، وأحمد العزاز، وعمرو عابد. وهو من تأليف وإخراج المخرج المصري - النمساوي أبو بكر شوقي، وإنتاج شركات «فيلم كلينك»، و«لاجوني للإنتاج السينمائي»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها»، بمشاركة «صندوق البحر الأحمر السينمائي»، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، إلى جانب مشاركة كل من فرنسا والنمسا والسويد. وقد صُوِّرت مشاهده بين مصر والنمسا.

وأُقيم عرض خاص للفيلم، الأسبوع الماضي، في القاهرة بحضور طاقم العمل.

طاقم الفيلم في العرض الخاص بالقاهرة (الشركة المنتجة)

ويستعيد المخرج فيه زمن المراسلات البريدية، مستلهماً فكرته من قصة تعارف والديه، إذ ينتمي إلى أب مصري وأم نمساوية. وفي الفيلم يتلقَّى بطل العمل، وهو عازف بيانو شاب، رسالةً بريديةً من فتاة نمساوية بعدما نشر صورته ضمن باب لهواة المراسلة في إحدى المجلات، لتنشأ بينهما صداقة سرعان ما تتحوَّل إلى قصة حب. ويسافر أحمد إلى النمسا من أجلها، ويتعرَّف إلى أسرتها، لكنه يواجه رفضاً من والدها في البداية، في حين يواصل دراسته للموسيقى. ومع الصعوبات التي يواجهها هناك، واستشهاد شقيقه التوأم، يُقرِّر العودة إلى القاهرة.

ويتتبَّع الفيلم حياة أسرة مكونة من الأب، الذي يُجسِّد دوره أحمد كمال ويعمل موظفاً في الزراعة، والأم التي تؤدي دورها نيللي كريم، وتظهر أماً لـ3 أبناء كبار قبل أن تضع طفلها الرابع، إضافة إلى شقيقها العازف في «فرقة أم كلثوم»، الذي يؤدي دوره صبري فواز، وشقيق الزوج الذي يجسِّده شريف الدسوقي. ويجمع أفراد الأسرة شغف متابعة مباريات نادي الزمالك، في حين يرصد الفيلم أحوال المجتمع المصري وانعكاساتها على الأسرة، من هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر (تشرين الأول)، مروراً بمحطات سياسية مهمة، مثل مظاهرات 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977، واغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981.

وعن العرض التجاري للفيلم، وما إذا كانت مشاركاته في المهرجانات وتتويجه بالجوائز تؤهِّله للمنافسة بقوة في الموسم الصيفي، يقول المنتج محمد حفظي: «المهرجانات والجوائز ليست شرطاً لضمان المنافسة في شباك التذاكر»، مشدداً على أن «القصص» يُنافس لأنَّه فيلم ممتع وجذاب، ويضم ممثلين يحظون بجماهيرية واسعة، مثل نيللي كريم، وأمير المصري، لافتاً إلى أنَّ «اختيارات الممثلين من أبرز عناصر قوة الفيلم».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أُدرك أن المنافسة صعبة، لكننا نراهن على قدرة الفيلم على جذب الجمهور. فمَن يشاهده سيُشجع آخرين على مشاهدته، وأعتقد أنَّه قادر على المنافسة وسط الأفلام الكبيرة في موسم الصيف».

وتابع قائلاً: «بالطبع ليس هذا أمراً سهلاً، لكننا لا نقيس نجاح الفيلم فقط بإيرادات شباك التذاكر، بل بقدرته على البقاء في ذاكرة الجمهور لسنوات، ولديَّ شعور بأنَّه قد يُحقِّق مفاجأة على مستوى الإيرادات».

وعن أكثر ما جذبه إلى المشروع، يقول حفظي: «عملت مع أبو بكر شوقي في فيلمه الطويل الأول (يوم الدين)، ثم في فيلمه الثاني (هجَّان)، وأحببت مواصلة هذه التجربة معه، خصوصاً أنَّ سيناريو (القصص) أعجبني كثيراً، كما أنَّه مرتبط بشكل شخصي بالمخرج وأسرته. إضافة إلى ذلك، فإنَّ الفيلم إنتاج مشترك مع فرنسا والنمسا والسويد، وهي تجربة جديدة بالنسبة إلينا، انطوت على تحديات إنتاجية كثيرة، لذلك رغبت في خوضها».

وعن تغيير عنوان الفيلم من «صيف 1967» إلى «القصص»، يقول حفظي: «لأن الفيلم يروي حكايات عائلية، وفي أحد مشاهده تقول شخصية نيللي كريم لزوجة ابنها النمساوية: (عايزة أحكيلك قصص عيلتنا). وقد اقترح المخرج عنوان (القصص)، ورأينا أنه الأنسب، لأنَّ العمل لا يرتبط بأحداث عام 1967 فقط، بل يتناول أكثر من 20 سنة من حياة أسرة مصرية».

صبري فواز وشريف الدسوقي وخالد مختار في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

من جانبه، عدَّ الناقد السعودي أحمد العياد فيلم «القصص» من أجمل أفلام أبو بكر شوقي وأكثرها مصرية، مؤكداً أنه، على الرغم ممَّا قد يبدو عليه للوهلة الأولى من طابع أوروبي أو نخبوية فنية، فإنَّه في جوهره شديد القرب من الإنسان المصري والعربي، ومن أسئلته الوجودية وعلاقته بمحيطه وقدره.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يمتد الفيلم عبر عقود عدة، مستعرضاً أحداثاً تاريخية بإيجابياتها وسلبياتها من منظور إنساني بسيط وعفوي، من دون أن يفقد حِسَّه الترفيهي ومتعة المشاهدة، عبر الأغنيات والملابس والحنين إلى أزمنة مضت. وقد قدَّم أمير المصري واحداً من أفضل أدواره، في حين كانت نيللي كريم، كعادتها، حاضرة بكاريزما وموهبة كبيرتين».

بيد أن العياد أبدى تحفظه على تغيير عنوان الفيلم، مؤكداً أن «صيف 67» كان أكثر خصوصية وجاذبية من «القصص».

ويلفت العياد إلى أن «القصص» يُمثل امتداداً طبيعياً لمشروع أبو بكر شوقي السينمائي، الذي لفت الأنظار عالمياً بفيلمه الأول (يوم الدين)، ومن ثَمَّ قدم التجربة السعودية المختلفة في (هجَّان)، مشيراً إلى أن «القصص» يبدو أقرب أفلامه إلى الجمهور، من دون أن يتخلى عن حساسيته الإنسانية وصوته السينمائي الخاص، وهو ما يجعل شوقي واحداً من أبرز المخرجين العرب الذين يمتلكون بصمةً واضحةً، وشخصيةً فنيةً متفردةً.


زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
TT

زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)

أثار ظهور طائر مالك الحزين في شمال ويلز اهتماماً واسعاً بين علماء الطيور وهواة مراقبتها، بعدما سُجلت أول مشاهدة معروفة لهذا النوع الاستوائي في المملكة المتحدة، في تطور يرى فيه الخبراء دليلاً جديداً على تأثير التغير المناخي في أنماط انتشار الأنواع البرية.

ويُعد الطائر، المعروف أيضاً باسم البلشون الاستوائي، من الأنواع التي تنتشر عادة في المناطق الممتدة من غرب أفريقيا إلى الهند، غير أنه شُوهد الأسبوع الماضي في شمال ويلز، فيما يُعتقد أنها أول مشاهدة له على الإطلاق في المملكة المتحدة.

ورُصد الطائر للمرة الأولى في خليج فوريد خلال عطلة نهاية الأسبوع، قبل أن ينتقل إلى ميناء كارنارفون القريب، حيث شوهد يتغذى بين القوارب الراسية، وفق «الغارديان» البريطانية.

وعلى الرغم من أن المشاهدة أثارت حماس مراقبي الطيور في أنحاء البلاد، فإن الخبراء قالوا إنها تعكس أيضاً التغيرات التي طرأت على نطاق انتشار هذا النوع نتيجة التحولات المناخية.

وقال نِك موران، مدير التدريب في المؤسسة البريطانية لعلم الطيور: «إن وصول هذه الطيور إلى بريطانيا في المقام الأول، ومن ثَمَّ قدرتها على البقاء فيها، يُرجَّح أنه يعود إلى ازدياد اعتدال فصول الشتاء مقارنة بما كانت عليه في السابق».

وأضاف: «أصبح البقاء خلال الشتاء أسهل بكثير مما كان عليه قبل 50 عاماً، لأننا لم نعد نشهد تجمُّد المسطحات المائية الضحلة بصورة منتظمة. وهذه البلشونات، وكذلك طيور البلشون الأبيض، تعتمد عادة على المياه الضحلة نسبياً في التغذية».

وفي الوقت نفسه، استقطب ظهور بلشون السِّكواكو، وهو طائر استوائي نادر ينتشر عادة في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، أعداداً من هواة مراقبة الطيور إلى مقاطعة لينكولنشاير هذا الأسبوع. ووفقاً للمؤسسة البريطانية لعلم الطيور، لا يُشاهد هذا النوع في المملكة المتحدة إلا مرات قليلة سنوياً.

وقال ألكسندر ليز، الباحث والأستاذ المشارك في التنوع الحيوي بجامعة مانشستر متروبوليتان، ورئيس لجنة السجلات في اتحاد علماء الطيور البريطانيين، تُمثِّل هذه البلشونات أحدث الأمثلة على «أنواع كانت تُعد في السابق استوائية إلى حد كبير، لكنها باتت تتحرك شمالاً بفعل التغير المناخي».

وأضاف: «نشهد حالياً تحوّلاً وإعادة تكيُّف في التنوع الحيوي. فعلى سبيل المثال، سجلنا العام الماضي أول حالة تكاثر لطائر الزيتينغ سيستيكولا، وهو طائر مغرد صغير من منطقة البحر المتوسط انتقل شمالاً بفعل التغير المناخي. والسبب في عدم تكاثره هنا تاريخياً هو حساسيته الشديدة لفصول الشتاء القاسية؛ إذ لم يكن قادراً على البقاء، لأن أي موجة برد طويلة كانت ستقضي عليه. لكننا لم نعد نشهد مثل هذه الفترات الطويلة من الطقس البارد».

وشهدت المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد من الأنواع الاستوائية اللافتة، من بينها الحدأة سوداء الجناحين، التي سُجلت أول زيارة لها عام 2023 وما زالت تستقطب هواة مراقبة الطيور في نورفولك هذا العام، إضافة إلى طائر الأطيش البني الذي رُصد عام 2019، والسمامة بيضاء العجز التي بدأت بالانتشار في إسبانيا قادمة من شمال أفريقيا في ستينات القرن الماضي، قبل أن تُرصد في بريطانيا للمرة الأولى عام 2018.

وفي عام 2022، قالت الجمعية الملكية لحماية الطيور إن مشاهدات آكل النحل الأوروبي، المنتشر عادة في أفريقيا وجنوب أوروبا، تمثل «إشارة لا يمكن تجاهلها» إلى أن أزمة الطبيعة والمناخ وصلت إلى بريطانيا.

وأشار ليز إلى أن تسجيلات مالك الحزين تزايدت في جنوب أوروبا، بما في ذلك إسبانيا وفرنسا، خلال السنوات الأخيرة، ولذلك كان من المتوقع رصده في المملكة المتحدة.

وقال سايمون هيوغستون - روبرتس، أول من رصد الطائر في ويلز، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إنه كان في نزهة عندما «حالفه الحظ برؤية بلشون صغير داكن اللون يحلق فوق الشاطئ».

وأضاف: «أمضيت وقتاً في مراقبة الطيور في أفريقيا والشرق الأوسط، لذلك فأنا على دراية بأنواع مختلفة من طيور مالك الحزين، بما في ذلك هذا النوع»، وتابع: «اعتمدت على معرفتي وسنوات خبرتي في مراقبة الطيور لتحديد هوية الطائر».

من جانبه، قال إيان ليسيت، الذي سافر إلى شمال ويلز لرؤية الطائر، لموقع «بيرد غايدز»: «لم أكن أتوقع أن أقضي عطلة نهاية الأسبوع في مشاهدة نوع جديد ومذهل بالنسبة لبريطانيا، في حين تشكل قلعة كارنارفون المهيبة خلفية للمشهد».

وأضاف: «كانت الرحلة بالسيارة طويلة من لندن صباح الأحد، لكنها كانت تستحق العناء، إذ أتاح البلشون فرصة مشاهدة رائعة أثناء تغذيته في الميناء وعلى مسافة قريبة».

وعلى الرغم من أن مالك الحزين يشبه البلشون الأبيض الصغير الشائع من حيث الحجم والبنية، فإن ريشه الأزرق الرمادي يميّزه بوضوح، وقال موران: «إنه طائر لافت للنظر للغاية، ولا يشبه أي طائر آخر لدينا هنا في المملكة المتحدة».

وأضاف أن «الطائر الذي شوهد في ويلز بالغ، ومن المرجح أنه قدم من أوروبا لا مباشرة من أفريقيا، وإن كان من المستحيل التأكد من ذلك من دون تتبع مساره»، وتابع: «بل قد يكون طائراً فقس في أوروبا أصلاً».

ورغم أن موران حذَّر من توقع تدفق مفاجئ لهذا النوع إلى بريطانيا، فإنه رجّح تكرار مشاهدته مستقبلاً، قائلاً: «لا أتوقع أن نسجل عشرات الحالات بحلول هذا الوقت من العام المقبل، لكنني أرجّح بقوة أن نشهد المزيد من المشاهدات».