وداعاً إيكر كاسياس... بإنقاذاته ودموعه وصراعاته

اعتزل الحارس العملاق بعد الحصول على العديد من البطولات... والمعاناة من الاضطهاد

كاسياس...  مسيرة كروية حافلة امتدت لأكثر من 1000 مباراة مع كل من ريال مدريد وبورتو ومنتخب إسبانيا (الغارديان)
كاسياس... مسيرة كروية حافلة امتدت لأكثر من 1000 مباراة مع كل من ريال مدريد وبورتو ومنتخب إسبانيا (الغارديان)
TT

وداعاً إيكر كاسياس... بإنقاذاته ودموعه وصراعاته

كاسياس...  مسيرة كروية حافلة امتدت لأكثر من 1000 مباراة مع كل من ريال مدريد وبورتو ومنتخب إسبانيا (الغارديان)
كاسياس... مسيرة كروية حافلة امتدت لأكثر من 1000 مباراة مع كل من ريال مدريد وبورتو ومنتخب إسبانيا (الغارديان)

في دور الستة عشر لنهائيات كأس العالم 2002 بكوريا الجنوبية، واجه المنتخب الآيرلندي نظيره الإسباني، وانتهى الوقت الأصلي للمباراة بالتعادل بهدف لكل فريق. لكن المنتخب الإسباني لعب الوقت الإضافي بعشرة لاعبين فقط بعد إصابة أحد لاعبيه وخروجه من الملعب بينما كان منتخب إسبانيا قد أجرى تغييراته الثلاثة. وخلال الشوطين الإضافيين، ضغط المنتخب الآيرلندي بكل قوة، وتلاعب روبي كين وداميان دوف ونيال كوين بالدفاع الإسباني وكان قريبا من إحراز هدف الفوز، لكن حارس مرمى إسبانيا العملاق إيكار كاسياس تصدى لهم بالمرصاد وذاد عن مرماه بكل شجاعة وبسالة.
وأبقى كاسياس على حظوظ منتخب بلاده في المباراة، بعدما تصدى للعديد من الكرات الخطيرة ومنع الكثير من الأهداف المحققة، بما في ذلك ركلة جزاء وفرصة محققة لنجم المنتخب الآيرلندي روبي كين. وبعد انتهاء الوقت الأصلي للمباراة بالتعادل، تألق كاسياس بشكل لافت في ركلات الجزاء، وتصدى لركلتي جزاء من كيفين كيلبان وديفيد كونولي. ورغم أن كاسياس كان في الحادية والعشرين فقط من عمره آنذاك، لكنه كان النجم الأبرز في المباراة وقاد منتخب بلاده للتأهل لدور الثمانية وحصل على لقب رجل المباراة. وكتبت صحيفة «آس» الإسبانية في وصفها لكاسياس بعد المباراة تقول: «إنه ليس كباقي البشر. إنه محصن ضد الألم والأخطاء والحظ السيئ».
لقد تغيرت حياة كاسياس بالكامل عندما كان يبلغ من العمر 16 عاما وتم استدعاؤه من دراسته لكي يجلس على مقاعد البدلاء لنادي ريال مدريد، وتطور أداؤه بشكل لافت عندما شارك كبديل للحارس المصاب سيزار سانشيز خلال مباراة ريال مدريد أمام باير ليفركوزن الألماني في دوري أبطال أوروبا، وبدأ مسيرته الدولية بقوة عندما شارك أساسيا مع المنتخب الإسباني في نهائيات كأس العالم عام 2002 عندما أصيب الحارس الأول سانتياغو كانيزاريس بعدما سقطت زجاجة عطر على قدمه وأصابته بجرح خطير في وتر قدمه!
وقال كاسياس في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» في عام 2004. عن ذلك: «إنه الحظ! لكن لو حالفك الحظ وشاركت في المباريات ثم تسببت في استقبال فريقك لثلاثة أهداف، فماذا سيحدث؟ يتعين عليك أن تستغل الفرص وتكون على قدر المسؤولية». وبعد مسيرة كروية حافلة امتدت لأكثر من 1000 مباراة مع كل من ريال مدريد وبورتو ومنتخب إسبانيا، أعلن «القديس كاسياس» اعتزاله كرة القدم، لكنه حصد الكثير والكثير من البطولات والألقاب، بما في ذلك لقب لكأس العالم، ولقبان لكأس الأمم الأوروبية، وثلاثة ألقاب لدوري أبطال أوروبا، وخمسة ألقاب للدوري الإسباني، ولقبان لكأس ملك إسبانيا، ولقبان لكأس السوبر الأوروبية، ولقب لكأس العالم للأندية، ولقب للدوري البرتغالي.
ومع ذلك، لم يكن طريق كاسياس مفروشا بالورود دائما، لكن كان به بعض المطبات والتحديات، وكما هو الحال مع العديد من «القديسين»، أصبح كاسياس ضحية للاضطهاد. ورغم أنه يتسم بتواضعه الشديد وبعقليته التي دائما ما ترفع شعار «لا تنسَ أبداً من أين أتيت»، فإنه قد واجه بعض المشاكل وتم اختبار صبره إلى أقصى حد ممكن في غرفة خلع ملابس ريال مدريد عندما كان المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو على رأس القيادة الفنية للنادي الملكي. ودخل كاسياس ومورينيو في اشتباكات متكررة ووصلت الأمور إلى ذروتها عندما تم استبعاد كاسياس من الفريق الأول وسط شائعات عن تورطه في تسريب ما يحدث داخل غرفة خلع الملابس، وهو ما أنكره كاسياس بشدة.
وقال زميله في ريال مدريد، بيبي، بعد خروج مورينيو لوسائل الإعلام وتقييمه لأداء كاسياس بشكل لاذع للغاية: «يجب أن يكون هناك المزيد من الاحترام لإيكر، فهو شخصية محبوبة جدا. ما قاله المدير الفني لم يكن مناسبا. إيكر لاعب في نادي ريال مدريد، وقدم الكثير لناديه ولمنتخب إسبانيا». ونتيجة لهذه التصريحات، استبعد مورينيو بيبي من تشكيلة الفريق في المباريات التالية. ورغم كل ذلك، قال مورينيو عندما علم باعتزال كاسياس: «ذكاؤه ونضجه جعلانا نحترم بعضنا البعض دائماً، وبعد ذلك بسنوات استطعنا تنمية صداقتنا بشكل قوي».
وقبل خمس سنوات من الآن، كان كاسياس يجلس بمفرده وتبدو عليه علامات الحزن في غرفة الإعلام بملعب «سانتياغو برنابيو»، ليعلن وهو يبكي عن رحيله عن الفريق الملكي إلى بورتو بعدما قضى 25 عاما يلعب له. وفي مؤتمر صحافي مؤلم للغاية دعاه النادي الإسباني للعدول عن قراره في اليوم التالي في محاولة غير مجدية للحد من الأضرار، لكنه وجه الشكر للجمهور على «الدعم غير المشروط» الذي كان يقدمه له وأصر على قرار رحيله. لكنه لم يقدم الشكر لرئيس النادي، فلورنتينو بيريز، الذي كانت علاقته به قد أصبحت سيئة للغاية. وقالت والدته ماري كارمن: «لقد عانى كاسياس من ضغط نفسي كبير وعاملوه بشكل مختلف عن غيره من اللاعبين. لقد شاهدته وهو يعاني لسنوات عديدة. إنه فلورنتينو الذي يدفعه للخروج من النادي لأنه يريد إنهاء مسيرته في ريال مدريد». لكن بيريز أنكر كل ذلك.
ولم يلعب كاسياس أي مباراة منذ تعرضه لأزمة قلبية في عام 2019. وأعلن في فبراير (شباط) الماضي عن نيته الترشح لرئاسة الاتحاد الإسباني لكرة القدم قبل أن يسحب ترشيحه بسبب تفشي فيروس كورونا. ويبدو أن كاسياس عازم على الاتجاه للمجال الإداري بعد اعتزال كرة القدم. وفي تطور كوميدي ومحزن، يقال إن كاسياس في محادثات متقدمة بشأن العودة إلى مدريد للعمل كمستشار خاص لرئيس النادي الذي يعتبر مسؤولاً مسؤولية كبيرة عن خروجه المخزي من النادي!
وكتب كاسياس في البيان الذي أعلن فيه اعتزاله: «الشيء المهم هو المسار الذي تسير فيه والأشخاص الذين يرافقونك، وليس الوجهة التي تصل إليها». وبالنسبة للقديس كاسياس، الذي يعد رمزا محبوبا للغاية ونال نصيبه العادل من الحظ الجيد والسيئ على حد سواء، يشك المرء في أنه سيكون هناك الكثير من التقلبات والمطبات في طريقه خلال الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.