موسى جوارا... من الهروب في قارب للاجئين إلى التألق مع بولونيا

اللاعب الغامبي وصل إلى إيطاليا بمفرده وأثبت موهبته بهدف رائع في شباك إنتر ميلان

موسى جوارا (الثالث من اليمين) يهز شباك إنتر ميلان بهدف رائع (إ.ب.أ)
موسى جوارا (الثالث من اليمين) يهز شباك إنتر ميلان بهدف رائع (إ.ب.أ)
TT

موسى جوارا... من الهروب في قارب للاجئين إلى التألق مع بولونيا

موسى جوارا (الثالث من اليمين) يهز شباك إنتر ميلان بهدف رائع (إ.ب.أ)
موسى جوارا (الثالث من اليمين) يهز شباك إنتر ميلان بهدف رائع (إ.ب.أ)

يقول المدير الفني لنادي بولونيا الإيطالي، سينيسا ميهالوفيتش، إن القدر لعب دوراً كبيراً في مشاركة اللاعب الغامبي الشاب موسى جوارا في مباراة النادي أمام إنتر ميلان في الدوري الإيطالي الممتاز. فبعد حصول لاعب بولونيا، روبرتو سوريانو، على بطاقة حمراء والتأخر بهدف دون رد، نظر المدير الفني الصربي إلى اللاعبين المتاحين أمامه على مقاعد البدلاء وبدأ في تقييم الخيارات التي يمكنه الاستعانة بها في هذا الموقف الصعب.
يقول ميهالوفيتش: «كانت الفكرة الأولى التي دارت في ذهني هي أن أجعل ماتياس سفانبرغ يلعب ناحية اليمين، ثم قررت الدفع بموسى. إنه دائماً ما يخلق حالة من الفوضى في صفوف الفريق المنافس عندما يلعب، ولن يعرفوا كيف يتعاملون معه». لقد مر أكثر من أربع سنوات منذ أن حط موسى رحاله في الأراضي الإيطالية للمرة الأولى، بعد أن سافر بمفرده وهو صغير من غامبيا عبر السنغال ومالي وبوركينا فاسو والنيجر ثم ليبيا، لكي يعبر البحر الأبيض المتوسط على زورق مطاطي، من أجل تحقيق حلمه بلعب كرة القدم في أوروبا.
واستغل اللاغب الغامبي البالغ من العمر 18 عاماً خطأ من مدافعي إنتر ميلان وسدد الكرة من على حافة منطقة الجزاء بقدمه اليسرى لكي يحقق نبوءة مديره الفني التي قالها للمدير الرياضي بالنادي، ريكاردو بيجون، قبل بضع دقائق. يقول ميهالوفيتش عن ذلك: «لقد قلت لبيجون إن موسى سيسجل هدفاً، وقد فعل ذلك بالفعل بعد ثلاث دقائق فقط! إنه يستحق ذلك تماماً، حيث لعب وتألق في ملعب سان سيرو، وهو ما يظهر أنه يمتلك شخصية قوية في هذه السن الصغيرة، حتى ولو كانت المباراة تلعب من دون جمهور».
وقد أحرز الهدف الثاني لبولونيا موسى بارو - نجم غامبي آخر صاعد بقوة ويلعب في صفوف بولونيا على سبيل الإعارة لمدة موسمين قادماً من نادي أتالانتا - ليفوز بولونيا على إنتر ميلان بهدفين مقابل هدف. وقد تم اكتشاف بارو، البالغ من العمر 21 عاماً، للمرة الأولى عن طريق نادي هوكس إف سي بالعاصمة الغامبية بانجول. أما النجاح الكبير الذي حققه جوارا منذ ظهوره لأول مرة مع نادي بولونيا في فبراير (شباط) الماضي، فقد احتل عناوين الصحف في غامبيا.
يقول الصحافي الغامبي مومودو باه: «ذهب موسى جوارا إلى إيطاليا عبر الطريق الشهيرة التي يطلقون عليها طريق العودة. وهذا أمر شائع جداً في غامبيا، فلدي أصدقاء مقربون قد هاجروا عبر هذه الطريق أيضاً. معظم الشباب ليست لديهم الفرصة للذهاب إلى المدرسة، لذلك فهم يحلمون بالانتقال إلى أوروبا. وعندما انتقل موسى إلى أوروبا، كانت أرقام المهاجرين في ذروتها، حيث يقول الشباب لأنفسهم: إما الهجرة وإما النهاية بالنسبة لي. ويجب أن نعرف أن أعداد الذين يصلون إلى أوروبا تفوق بكثير أعداد من يلقون حتفهم في طريق الهجرة، وهو الأمر الذي يشجع الشباب على القيام بهذه المخاطرة الكبيرة».
وبعد سبعة أشهر من الرحيل عن غامبيا، كان جوارا واحداً من نحو 25 ألف قاصر يطلبون اللجوء في إيطاليا خلال عام 2016، وتم نقله في نهاية المطاف من صقلية إلى مركز للمهاجرين في إقليم بازيليكاتا الجنوبي. وهناك شوهد وهو يلعب كرة القدم في الشارع واكتشفه فيتانتونيو سوما، مدرب فريق فيرتوس أفيغليانو للهواة، الذي دعمه بقوة وأصبح الوصي القانوني له.
لكن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم يمنع الأندية من التعاقد مع لاعبين قاصرين من دون وجود آبائهم، وهو الأمر الذي منع انتقال جوارا إلى نادي كييفو فيرونا في صيف عام 2017، لكن سوما وزوجته، لوريدانا برونو، قدما استئنافاً ونجحا في نقله إلى نادي كييفو فيرونا. وبعد تألق جوارا في صفوف الشباب بالنادي، دفع نادي بولونيا 500 ألف يورو للتعاقد معه الصيف الماضي. وسجل جوارا 13 هدفاً في 18 مباراة مع فريق الشباب بنادي بولونيا، وهو الأمر الذي دفع ميهالوفيتش لتصعيده للفريق الأول بالنادي.
يقول باه: «حتى عندما خسر بولونيا أمام يوفنتوس في أول مباراة بعد استئناف الموسم، شارك جوارا وترك بصمة واضحة وتسبب في طرد لاعب يوفنتوس، دانيلو. لقد كان الأمر رائعاً بالنسبة له». ولم يكن جوارا هو اللاعب الغامبي الوحيد الذي يحصل على مثل هذه الفرصة بعد المخاطرة بكل شيء من أجل الانتقال إلى أوروبا. فمن بين التسعة لاعبين الغامبيين المسجلين الآن في قوائم أندية إيطالية تلعب في الدوريات الثلاثة الكبرى في إيطاليا، هناك خمسة لاعبين قد وصلوا كلاجئين، بما في ذلك جناح نادي كاتانيا، كاليفا مانيه، ولاعب وسط نادي روما البالغ من العمر 19 عاماً إبريما داربو، الذي كان على مقاعد البدلاء في مباراة فريقه بالدوري أمام ميلان العام الماضي. وتشير تقارير صحفية إلى أن مدافع سامبدوريا، عمر كولي - الذي انتقل إلى الدوري الإيطالي الممتاز بعدما قدم مستويات جيدة في كل من فنلندا والسويد وبلجيكا - أصبح محط اهتمام نادي ساوثهامبتون، وقد يكون ثاني لاعب من غامبيا يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز بعد مودو بارو الذي انتقل إلى سوانزي سيتي في 2014.
يقول باه: «الجميع في غامبيا يشجعون بولونيا أو أتالانتا أو سامبدوريا الآن. يمكننا متابعة المباريات عبر شاشات التلفزيون أو حتى مشاهدة بعض اللقطات حتى يمكن للشعب الغامبي أن يرى كيف يلعب هؤلاء اللاعبون الذين يحظون بشعبية طاغية هناك. وعلاوة على ذلك، يحظى هؤلاء اللاعبون بمتابعة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي». ويعتقد أن نحو 30 ألف غامبي يعيشون في إيطاليا، على الرغم من تهديد العديد منهم بالعودة إلى بلدهم الأصلي، الذي لا يزال غير مستقر سياسياً، على الرغم من سقوط الديكتاتور يحيى جامع في يناير (كانون الثاني) 2017.
وبحسب باه، فإن النجاح الذي حققه كل من جوارا وبارو وكولي يعطي الشعب الغامبي أملاً كبيراً في أن يصنع المنتخب الغامبي التاريخ تحت قيادة مديره الفني البلجيكي توم سانتفيت. يقول باه: «لم نتأهل مطلقاً إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية، ونحن بلد صغير من حيث تاريخ كرة القدم الأفريقية، لكن عندما أنظر إلى المواهب التي نمتلكها الآن، فإنني أشعر بأن الشيء الوحيد الذي ينقصنا هو البنية التحتية الجيدة، وبأن مستقبل كرة القدم الغامبية مشرق للغاية».
ويضيف: «لدينا كثير من اللاعبين الشباب الجيدين، لكن هل يمكننا أن نتخيل عدد اللاعبين الجيدين الذين كانوا سيظهرون لو كان لدينا نظام جيد في أكاديميات الناشئين يهتم باللاعبين من سن السادسة أو السابعة؟ من المؤكد أن الأمر كان سيتغير تماماً لو كانت لدينا البنية التحتية المناسبة. بالنسبة لي، لاعبونا أفضل حتى من لاعبي السنغال المجاورة لنا».
وقد سمح قرب غامبيا من السنغال، التي تعد إحدى القوى الكروية الكبرى في القارة السمراء، بأن يلتحق عدد كبير من اللاعبين الغامبيين بأكاديمية «جينيريشن فوت»، التي تتخذ من العاصمة السنغالية داكار مقراً لها والتي خرج منها لاعبون كبار مثل نجم ليفربول ساديو ماني، ولاعب واتفورد إسماعيلا سار. وقد استفاد الجناح الواعد أبلي جالو، والمهاجم يانكوبا جارجو، بالشراكة التي تقيمها الأكاديمية مع نادي ميتز الفرنسي. وقضى جالو موسم 2019 - 2020 مع نادي أجاكسيو على سبيل الإعارة.
ولم يشارك جوارا في أي مباراة دولية مع منتخب بلاده حتى الآن، لكن بعد الأداء القوي الذي قدمه أمام إنتر ميلان من المؤكد أن انضمامه لصفوف المنتخب الغامبي مسألة وقت فقط. وقال جوارا بعد هذه المباراة: «أنا سعيد للغاية بتسجيل هدفي الأول، وأود أن أهدي ذلك إلى عائلتي وجميع الذين ساعدوني في رحلتي. هذا حلم بالنسبة لي ويوم لن أنساه طوال حياتي».


مقالات ذات صلة

مورينيو يزرع جهاز تسجيل للحكم خلال تعادل روما

الرياضة مورينيو يزرع جهاز تسجيل للحكم خلال تعادل روما

مورينيو يزرع جهاز تسجيل للحكم خلال تعادل روما

استعان جوزيه مورينيو مدرب روما بفكرة مستوحاة من روايات الجاسوسية حين وضع جهاز تسجيل على خط جانبي للملعب خلال التعادل 1 - 1 في مونزا بدوري الدرجة الأولى الإيطالي لكرة القدم أمس الأربعاء، مبررا تصرفه بمحاولة حماية نفسه من الحكام. وهاجم مورينيو، المعروف بصدامه مع الحكام دائما، دانييلي كيفي بعد المباراة، قائلا إن الحكم البالغ من العمر 38 عاما «أسوأ حكم قابله على الإطلاق». وقال المدرب البرتغالي «لست غبيا، اليوم ذهبت إلى المباراة ومعي مكبر صوت، سجلت كل شيء، منذ لحظة تركي غرفة الملابس إلى لحظة عودتي، أردت حماية نفسي».

«الشرق الأوسط» (روما)
الرياضة نابولي يؤجل فرصة التتويج بالدوري الإيطالي بنقطة ساليرنيتانا

نابولي يؤجل فرصة التتويج بالدوري الإيطالي بنقطة ساليرنيتانا

أهدر نابولي فرصة حسم تتويجه بلقب الدوري الإيطالي لكرة القدم للمرة الأولى منذ 33 عاماً، بتعادله مع ضيفه ساليرنيتانا 1 - 1 في منافسات المرحلة الثانية والثلاثين، الأحد، رغم خسارة مطارده لاتسيو على أرض إنتر 1 - 3. واحتاج نابولي الذي يحلّق في صدارة جدول ترتيب الدوري إلى الفوز بعد خسارة مطارده المباشر، ليحقق لقبه الثالث في «سيري أ» قبل 6 مراحل من اختتام الموسم. لكن تسديدة رائعة من لاعب ساليرنيتانا، السنغالي بولاي ديا، في الشباك (84)، أجّلت تتويج نابولي الذي كان متقدماً بهدف الأوروغوياني ماتياس أوليفيرا (62). ولم يُبدِ مدرب نابولي، لوتشيانو سباليتي، قلقاً كبيراً بعد التعادل قائلاً: «يشعر (اللاعبون) ب

«الشرق الأوسط» (نابولي)
الرياضة إرجاء مباراة نابولي وساليرنيتانا إلى الأحد لدواعٍ أمنية

إرجاء مباراة نابولي وساليرنيتانا إلى الأحد لدواعٍ أمنية

أُرجئت المباراة المقررة السبت بين نابولي المتصدر، وجاره ساليرنيتانيا في المرحلة الثانية والثلاثين من الدوري الإيطالي لكرة القدم إلى الأحد، الساعة 3 بعد الظهر بالتوقيت المحلي (13:00 ت غ) لدواعٍ أمنية، وفق ما أكدت رابطة الدوري الجمعة. وسبق لصحيفة «كورييري ديلو سبورت» أن كشفت، الخميس، عن إرجاء المباراة الحاسمة التي قد تمنح نابولي لقبه الأول في الدوري منذ 1990. ويحتاج نابولي إلى الفوز بالمباراة شرط عدم تغلب ملاحقه لاتسيو على مضيفه إنتر في «سان سيرو»، كي يحسم اللقب قبل ست مراحل على ختام الموسم. وكان من المفترض أن تقام مباراة نابولي وساليرنيتانا، السبت، في الساعة 3 بالتوقيت المحلي (الواحدة ظهراً بتو

«الشرق الأوسط» (نابولي)
الرياضة نابولي لوضع حد لصيام دام ثلاثة عقود عن التتويج بلقب الدوري الإيطالي

نابولي لوضع حد لصيام دام ثلاثة عقود عن التتويج بلقب الدوري الإيطالي

بدأت جماهير نابولي العد التنازلي ليوم منشود سيضع حداً لصيام دام ثلاثة عقود عن التتويج في الدوري الإيطالي في كرة القدم، إذ يخوض الفريق الجنوبي مواجهة ساليرنيتانا غدا السبت وهو قادر على حسم الـ«سكوديتو» حسابياً. وسيحصل نابولي الذي يتصدر الدوري متقدماً بفارق 17 نقطة عن أقرب مطارديه لاتسيو (78 مقابل 61)، وذلك قبل سبع مراحل من نهاية الموسم، على فرصته الأولى لحسم لقبه الثالث في تاريخه. ويتوجب على نابولي الفوز على ساليرنيتانا، صاحب المركز الرابع عشر، غدا السبت خلال منافسات المرحلة 32، على أمل ألا يفوز لاتسيو في اليوم التالي في سان سيرو في دار إنتر ميلان السادس.

«الشرق الأوسط» (روما)
الرياضة كأس إيطاليا: مواجهة بين إنتر ويوفنتوس في خضم جدل بسبب العنصرية

كأس إيطاليا: مواجهة بين إنتر ويوفنتوس في خضم جدل بسبب العنصرية

سيكون إياب نصف نهائي كأس إيطاليا في كرة القدم بين إنتر وضيفه يوفنتوس، الأربعاء، بطعم المباراة النهائية بعد تعادلهما ذهاباً بهدف لمثله، وفي خضمّ أزمة عنوانها العنصرية. ولا يزال يوفنتوس يمني نفسه بالثأر من إنتر الذي حرمه التتويج بلقب المسابقة العام الماضي عندما تغلب عليه 4 - 2 في المباراة النهائية قبل أن يسقطه في الكأس السوبر 2 - 1. وتبقى مسابقة الكأس المنقذ الوحيد لموسم الفريقين الحالي على الأقل محلياً، في ظل خروجهما من سباق الفوز بلقب الدوري المهيمن عليه نابولي المغرّد خارج السرب. لكن يوفنتوس انتعش أخيراً بتعليق عقوبة حسم 15 نقطة من رصيده على خلفية فساد مالي وإداري، وبالتالي استعاد مركزه الثال

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.