كيفين شيدي: تشارلتون جعل منتخب جمهورية آيرلندا قادراً على مقارعة الكبار

لاعب خط الوسط السابق أكد أن مدربه الإنجليزي لم يحصل على التقدير الذي يستحقه

تشارلتون يحيي الجماهير في مونديال 1994 الذي أقيم بالولايات المتحدة (الغارديان)
تشارلتون يحيي الجماهير في مونديال 1994 الذي أقيم بالولايات المتحدة (الغارديان)
TT

كيفين شيدي: تشارلتون جعل منتخب جمهورية آيرلندا قادراً على مقارعة الكبار

تشارلتون يحيي الجماهير في مونديال 1994 الذي أقيم بالولايات المتحدة (الغارديان)
تشارلتون يحيي الجماهير في مونديال 1994 الذي أقيم بالولايات المتحدة (الغارديان)

تأثرت كثيرا بمشاهدة وقراءة كلمات الرثاء والتقدير للأسطورة الإنجليزية جاك تشارلتون بعد وفاته، وكان من المحزن للغاية أن أعرف بوفاة هذا الرجل العظيم. لكن بشكل عام، عندما أفكر في جاك فإن ذلك يرسم الابتسامة على وجهي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه جعلني أعيش أفضل لحظات حياتي في كرة القدم مع منتخب جمهورية آيرلندا، كما أنه كان شخصية رائعة يحب المرء دائما أن يكون بصحبتها.
لقد كان جاك مرحا للغاية، لكنه ربما لم يكن هو نفسه يدرك ذلك في بعض الأحيان. وكنت أحب دائما أن أكون معه عندما يكون في حالة مزاجية جيدة. ومع ذلك، كان جاك يمتلك شخصية قوية، وكان قادرا على اتخاذ القرارات الصعبة والدفاع عن وجهة نظره باستماتة، كما كان قائدا عظيما. وقبل تعيين جاك كمدير فني لمنتخب آيرلندا عام 1986. كان لدينا لاعبون جيدون جداً لكننا كنا نفتقر للقائد القادر على توجيهنا نحو الاتجاه الصحيح، ولم نكن نشارك في المنافسات والبطولات الكبرى. لكن عندما جاء إلينا جعلنا فريقا قويا يؤمن بقدرته على هزيمة أي منافس.
لم أنضم لقائمة منتخب آيرلندا في بعض المباريات القليلة فور توليه المسؤولية نظرا لأنني كنت مصابا، لكن عندما عدت من الإصابة وانضممت للفريق أدركت على الفور أنه يمتلك رؤية واضحة وأفكارا يسعى لتطبيقها، وكان يحدثنا بكل صراحة عن ذلك الأمر. لقد كان يعرف جيدا النظام الذي يريد تطبيقه، وكان يضم اللاعبين الذين تتناسب قدراتهم مع هذه الطريقة ويستبعد أي لاعب، مهما كانت نجوميته، إذا كان لا يناسب هذه الطريقة – حتى لو كان هذا اللاعب هو النجم الشهير ليام برادي!
وكان يركز في التدريبات بصورة أساسية على الكيفية التي نريد أن نلعب بها، وكان يعتمد على الكرات الطويلة. وقال النقاد إنه كان يمتلك مجموعة مميزة للغاية من اللاعبين في تلك الفترة وكان يمكنه اللعب بطريقة مختلفة من أجل استغلال قدراتهم وإمكانياتهم، لكننا في الحقيقة جربنا ذلك من قبل ولم نحقق النتائج المرجوة، وبالتالي كنا مستعدين للعب بالطريقة التي يريد جاك تطبيقها. وما أغفله النقاد أيضاً هو أنه عندما يكون لديك ستيف ستونتون على الناحية اليسرى، وكريس هيوتون أو دينيس إيروين في مركز الظهير الأيمن، فإن الكرات الطويلة كانت تتسم بالدقة الشديدة.
لم يكن جاك يحب أن يغامر اللاعبون عندما تكون الكرة في حوزتهم في نصف ملعبنا، وكان يقول «دعونا ننقل الكرة بسرعة إلى نصف ملعب الفريق المنافس». وعلى مدى فترة من الزمن، لم تكن تتاح لنا الكثير من الفرص أمام المرمى وكنا نعتمد في المقام الأول على الكرات الطويلة.
بدأنا نحقق الفوز من خلال مفاجأة الفرق المنافسة واستخلاص الكرات في نصف ملعبها، ولم يكن ذلك شيئا مألوفا في ذلك الوقت. في الحقيقة، لا أعتقد أن جاك قد حصل على التقدير الذي يستحقه كمدير فني، فقد كان مديرا فنيا بارعا. يتحدث الناس الآن عن الضغط العالي الذي يطبقه المدير الفني لليفربول يورغن كلوب، والمدير الفني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا، والكيفية التي يتمكن بها فريقيهما من استخلاص الكرات بسرعة من الفريق المنافس، لكن جاك كان يجعلنا نقوم بهذا الأمر منذ فترة طويلة. كانت المنتخبات تحب بناء الهجمات من الخلف، لكنها لم تكن قادرة على اللعب بنفس الطريقة أمامنا، وعندما بدأنا نحقق الفوز بدأنا نكتسب ثقة كبيرة.
ويعود جزء كبير من نجاحنا في تلك الفترة أيضا إلى العلاقة الجيدة بين جاك ولاعبيه. وفي الحقيقة، كنت محظوظاً لأنني كنت جزءاً من فريق إيفرتون خلال الفترة التي كان يحقق فيها نتائج رائعة، وكانت العلاقة بين اللاعبين ممتازة أيضا. وكان نفس الأمر موجودا في منتخب آيرلندا أيضا، وكان جميع اللاعبين يحبون فترة انضمامهم لصفوف المنتخب لأنهم كانوا يقضون وقتا ممتعا.
لقد كان جاك يتركنا نتحدث سويا ونتواصل اجتماعيا في الأوقات المناسبة، لكنه كان يتأكد من أننا نستعد للمباريات بشكل صحيح. وعلاوة على ذلك، كانت العلاقة بيننا وبين الجمهور رائعة، وكنا نلعب وكأننا «فريق الشعب». عندما كنا نصل من أنديتنا للانضمام لمعسكر المنتخب كنا نتحدث سويا ونستمتع كثيرا بمثل هذه الأوقات، كما كنا نختلط بالجمهور ونتفاعل معه. كنا نتدرب يومي الاثنين والثلاثاء ونلعب يوم الأربعاء.
وتحت قيادة جاك، لم نكن نعيش في عزلة أثناء المعسكرات على الإطلاق، بل كان يمكن للجمهور أن يتجول بيننا ويتحدث معنا ونوقع له على أوتوغرافات. لقد كان جاك يحب هذه البيئة المفتوحة، ولم يكن يرغب في أن يشعر أي شخص بأنه محاصر أو معزول. لقد كان حريصا على أن يجعل الجميع يشعرون بالراحة، لذلك عندما كنا ننزل إلى أرض الملعب كنا نقدم أفضل ما لدينا. وكان الفوز على إنجلترا في نهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 1988 بمثابة لحظة رائعة بالنسبة لنا، وأعتقد أن جاك كان سعيدا بذلك رغم أنه تسبب في خسارة منتخب بلاده. من المؤكد أنه كان يتعرض لضغوط كبيرة قبل المباراة نظرا لأنه إنجليزي، وبالتالي كان متوترا خلال تلك الفترة، لكنه استمتع بهذا الانتصار على أي حال.
وعندما عدنا من كأس الأمم الأوروبية عام 1988، احتفلنا بين الجماهير في حافلة مكشوفة وحظينا باستقبال رائع، لكن رد الفعل بعد وصولنا إلى ربع نهائي كأس العالم عام 1990 كان مختلفا تماما. لقد مررت بواحدة من أفضل اللحظات في مسيرتي الكروية عندما سجلت أول هدف لآيرلندا في كأس العالم في المباراة التي انتهت بالتعادل أمام إنجلترا بهدف لكل فريق في المباراة الافتتاحية، وكان الاحتفال في حافلة مكشوفة في دبلن لدى عودتنا بمثابة أمر لا يصدق.
لقد كان جاك محبوباً من الجميع، وكان يستمتع بشعبيته الجارفة أنه كان يحب الناس. ورغم بذلك، كان متواضعا للغاية، ولم أسمعه ذات مرة يتفاخر بأنه فاز بلقب كأس العالم مع المنتخب الإنجليزي عام 1966. ولم يكن من نوعية المديرين الفنيين الذين يقولون للاعبين: «لقد فعلت هذا، ونجحت في الحصول على ذلك». لكن كان لديه الوقت للاستماع للجميع، وكان سعيداً دائماً بتوقيع الأوتوغرافات أو الحديث مع الجمهور. وكان يذهب إلى جميع أنحاء آيرلندا للصيد وكان له تأثير كبير على الجميع هناك. (خاض كيفين شيدي 46 مباراة دولية مع منتخب جمهورية آيرلندا خلال الفترة بين عامي 1984 و1993).


مقالات ذات صلة

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

رياضة عالمية جود بيلينغهام لاعب المنتخب الإنجليزي (أ.ف.ب)

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

كشف جود بيلينغهام، لاعب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، إن الأمور لم تكن على ما يرام في معسكر الفريق ببطولة أمم أوروبا «يورو 2024».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إطلاق نار قرب مقر منتخب إنجلترا (أ.ف.ب)

إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب إنجلترا يثير القلق قبل انطلاق المونديال

شهدت المنطقة المحيطة بمقر إقامة وتدريبات «الأسود الثلاثة» حادث إطلاق نار جماعي أثار حالة من القلق والترقب بين الجماهير ووسائل الإعلام.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية المخضرم هاري كين يسعى لقيادة إنجلترا للقب المونديال (رويترز)

تألق كين يعزز أحلامه بالتتويج بكأس العالم مع إنجلترا

يشعر النجم المخضرم هاري كين بأنه في أفضل حالاته، حيث يعدّ قائد منتخب إنجلترا، صاحب الأهداف الغزيرة، الأيام المتبقية حتى انطلاق بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تامبا)
رياضة عالمية توماس توخيل مدرب منتخب إنجلترا (د.ب.أ)

توخيل: الظروف الصعبة ليست «عذراً»

قال المدرب توماس توخيل إنَّ منتخب إنجلترا، لن يتَّخذ من الحرارة الشديدة والمسافات الطويلة بين المدن المستضيفة ذريعةً، في سعيه إلى خوض «بطولة طويلة».

«الشرق الأوسط» (ويست بالم بيتش (الولايات المتحدة))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.