المصححون... إنهم محررو فجر الحداثة

على مدى قرون كانوا يعملون بصفتهم وسطاء بين الكتاب والقراء

المصححون... إنهم محررو فجر الحداثة
TT

المصححون... إنهم محررو فجر الحداثة

المصححون... إنهم محررو فجر الحداثة

أشباح يحومون حول تاريخ النشر والبحث في الإنسانيات في فجر الحداثة الأوروبية: أشباح نحيلون شعث؛ إنهم المصححون، كما يسمون عادة، الذين كانوا يهيئون المخطوطات للطباعة، ويراجعون النسخ، وغالباً ما كانوا يضيفون مادة أصلية من عندهم. كانوا في كل مكان من عالم الطباعة، والإنسانويون الأوائل في العصر الحديث -وبينهم أسماء مألوفة اليوم- إما أثنوا على عملهم أو قللوا من شأنه.
ما الذي فعله إذن المصححون والقراء؟ دفاتر الحسابات لبعض المؤسسات الكبيرة ما تزال موجودة، وفيها دلائل مباشرة. فدفتر مؤسسات فوربن وإيبيسكوبولوس، مثلاً، يحتفظ بسجل لأجور الموظفين بين عامي 1557 و1564؛ كل قائمة من الموظفين تبدأ بمصحح أو ناقد متشدد: دليل واضح أن هؤلاء الموظفين العلماء الذين تظهر أسماؤهم قبل أسماء المنضدين وعمال الطباعة، قد حظوا بمكانة خاصة أعلى من مكانة أولئك الذين عملوا بأيديهم. وكل قائمة تتضمن أيضاً قارئاً يدفع له نصف ما يدفع للمصحح أو أقل من ذلك. وأحياناً تشير الوثيقة إلى أن مصححاً أو قارئاً بعينه كان يتسلم مبلغاً لقاء أعمال أخرى أيضاً. وفي مارس (آذار) 1563، دُفع لبارثولوميوس فارولي لقاء تصحيح نسخة من النص القانوني، كتاب غيوم ديوراند «مرآة القانون»، ولإنجازه فهرساً للعمل.
وقد قام المصححون بأشياء أخرى كثيرة أيضاً، فصححوا نسخة المؤلف والبروفات، وحددوا وصححوا الأخطاء الطباعية، وغيرها من الأخطاء، بأعلى ما لديهم من خبرات، ووزعوا النصوص إلى أقسام، ووفروا ما يعين القراء: صفحات عناوين، ومحتويات، وعناوين فصول، وفهارس. وبعض المصححين ألفوا نصوصاً ونصوصاً مصاحبة، توفر ما يمكن أن يشار إليه اليوم بمزودي المحتوى.
وأحياناً، كان المصححون يمارسون دور الوسطاء الخبيرين بين المؤلف والناشر. وقد بدا أن المصحح يمثل نوعاً اجتماعياً جديداً: ظاهرة دخلت عالم الطباعة، إلى جانب كونه ابناً مولوداً محلياً لمدينة الكتب الجديدة التي صنعتها الطباعة. ويبدو واضحاً أن الفن الجديد أوجد مهاماً جديدة. فقد واجه الطابع منافسين كثيرين في السوق، وكان عليه -أو عليها- أن يبين أن منتجاً محدداً كان متفوقاً على منتج المنافسين. وإحدى الطرق لفعل ذلك -كما قرر أصحاب المطابع ذلك بسرعة- كانت بالتركيز في «الكولوفون» (الإشارة في نهاية المخطوطة إلى اسم الناسخ، وزمان النسخ ومكانه)، أو فيما بعد، على صفحة الغلاف، أن علماء قد صححوا النص. وفي إيطاليا وألمانيا على حد سواء، وعدت الكتب المطبوعة في القرن الخامس عشر قراءها ليس فقط بنصوص، وإنما بنصوص «مصححة بإتقان»؛ أي أنها «صححت وروجعت بانتباه»، أو «روجعت بأقصى درجات الإتقان والدقة» من قبل دارسين معينين. وتوظيف شخص يصحح نصاً -أو الادعاء بفعل ذلك، كما فعل كثير من أصحاب المطابع مع أنهم لم يقوموا بذلك- مثّلَ طريقة عقلانية مؤثرة في الحصول على نصيب أكبر من السوق.
ومن أكثر الحقائق غرابة فيما يتعلق بالمصححين هي تلك التي كانت -وما تزال- مؤسفة: رغم كل الفائدة فيما عملوا، وجد المصححون أنفسهم عرضة للغضب والشفقة والسخرية أكثر منه لعدم العرفان بالجميل، حين وصف فيجيليوس زويكيموس، عام 1534، مطبعة هيرونيموس فوربنس، وذكر المصحح الرئيسي هناك، سيغيزموند غيلينيوس، ليتحدث فقط عن مدى الأسى الذي شعر به حين رآه موظفاً يقوم بتلك المهمة. وكان غيلينيوس، كما ذكر فيجيليوس «عالماً استثنائياً جديراً بأشياء أفضل بكثير»، وقد وافقه على ذلك الجميع تقريباً. وجيريماياه هونشوخ، المصحح المعتز بنفسه مؤلف كتاب مدرسي عن حرفة التصحيح، اعترف أنه هو نفسه دخل في المهنة ليتفادى مهنة أسوأ هي التعليم، وأن معظم زملائه، لو استطاعوا «سينطلقون كالرصاصة من الورشة ليكسبوا عيشهم بذكائهم وعلمهم لا بيديهم».
وكان لدى المصححين كل الأسباب التي تجعلهم يشعرون بأنهم لا يستفاد منهم على الوجه الصحيح؛ كان ما يدفع لهم قليلاً، أقل مما يدفع لأفضل المنضدين وعمال المطبعة.
«الكونكورديا»، وهي وثيقة أرشيفية تسجل اتفاق المصححين عام 1664 على عقد احتفال سنوي، تسجل أيضاً الهمسات، إن لم يكن الصرخات، التي كانت تمر بين المصححين حين يلتقون لتبادل القيل والقال: «أنا، فيليب جاك. نوينز غالباً ما سمعت من الآخرين، وسمع المبجل دي كلين من ماستر فاندرفيدين، وسمع هيرونيموس دي برافيو من فاندرفيدين أيضاً، أن المصححين اعتادوا أن يتلقوا زيادة في المرتب بعد مرور عامين على وجودهم هنا. نوينز وأيضاً ديكلين المشار إليه سمع هذا كثيراً». المصحح العليم، بتعبير آخر، عانى مما بدا أحياناً أنه القدر الجوهري للإنسانويين: تعليمه الكلاسيكي منحه الذائقة المرهفة، ولكنه لم يؤهله لأكثر من أن يكون فقيراً يشقى بالثقافة، لا مرتبُه أفضل ولا هو أكثر أماناً في وظيفته من العاملين ذوي الأيدي الملطخة بالحبر الذين يكدحون إلى جانبه.
والأكثر إزعاجاً من ذلك، على الأرجح، حقيقة أن المكانة الثقافية والاجتماعية للمصحح كانت مهزوزة بقدر ما كان وضعه المالي. فكثير من المصححين كانوا رجالاً متعلمين افتقروا إلى الوسائل والصحة والمزاج الذي يساعدهم على التقدم في مهنتهم، ولكن بعضهم كانوا حرفيين. فالمصحح تيودور بولمان عمل -كما يبدو- فيما أحب أن يدعوه «دكان الدراسة والدعك مجتمعين» (ميوزغنافيوم) الذي كان يوقع فيه مقدماته، بينما يودع قراءه «وداعاً، إذن، أيها الدعاك»، وكتب المؤرخ الإيطالي جوزيف سكاليجير، في هامش نسخته التأمل في ممارسات التصحيح، أنه -مثل قراءة كل رسائل باحث كبير- يمكن أن ينتج حكاية جديدة. وعام 1543، أخرج الطابع النورمبرغي الماكر يوهان بيتريوس كتاب كوبرنيكُس «حول دورات الأجرام السماوية». ولم يكن بمقدور المؤلف الذي كان بعيداً مريضاً أن يرى الكتاب في أثناء الطباعة. وبدلاً من ذلك، أعدت نسخة، وقرأت النسخ الطباعية على يد رجال خبيرين بالناشرين والطباعة: غورغ يواكيم ريتيكوس الذي مثل كثير من المصححين عمل بصفته ممثلاً لبيتريوس يتصيد المؤلفين والمخطوطات الجديدة، إلى جانب أندرياس أوسلاندر، لم يتركوا العمل كما هو. وبعد أن ظهرت مخطوطة كتاب كوبرنيكُس في القرن التاسع عشر، لاحظ الفيلولوجيون أن طبعة بيتريوس اختلفت عنها في مئات التفاصيل. وبطبيعة الحال، أعادوا النص إلى ما كتبه كوبرنيكُس نفسه، وما فشلوا في ملاحظته كان أن التغييرات في النص نفسه، إلى جانب عدد أكبر من التغييرات الأخرى، بعضها اقترح في صفحة أخطاء جاءت مصاحبة لنسخ الكتاب، وبعضها بقلم بيتريوس في دكانه، على أنها كانت تحسينات: وهي مسألة يسهل التحقق منها نسبياً في حالة عمل تقني. وكوبرنيكُس نفسه لا بد أن يكون قد أدخل كثيراً من هذه التعديلات في نص وسيط قصد منه أن يكون نسخة الطباعة، ولم يعثر عليه. ونسخ أخرى نتجت عن التصحيح، كما يفترض أن يكون واضحاً الآن.
وأحدث أوزياندر تغييراً واحد خطيراً بصفة خاصة، تغييراً اكتسب شهرة سيئة منذ فترة طويلة، إذ اعتقد كوبرنيكس أنه اكتشف الحقيقة بشأن الكون، وقدم عمله على أنه تفسير للعالم الحقيقي، وتلك الدعوى جعلت كتابه تحدياً خطيراً لبنية الفلسفة الطبيعية بأكملها، وكذلك لعلم الفلك. وأضاف أوزياندر، على ذلك الأساس، مقدمة للعمل غير مذيلة بتوقيع وجهت إلى القارئ. وهنا خفف من تطرف الكتاب بادعاء أن كوبرنيكس كان قد قدم نظريته ليس على أنها الحقيقة، وإنما على أنها مجرد فرضية قصد بها تحريك النقاش. ومنذ 1543 حتى الآن، أغضبت مناورة أوزياندر المعجبين بكوبرنيكس. فريتيكوس هدد بمهاجمته، ورفع عليه وعلى بيتريوس دعوى في المحكمة، لكنها لم تنجح. وعند نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر، اكتشف يوهان كيبلر وفيليبرورد سنيل وآخرون كيف أضيفت المقدمة، إذ تشير ملاحظات على نسخهم إلى استيائهم من ذلك، وقد كانوا محقين في محاججتهم بأن ما صنعه أوزياندر كان متعارضاً مع مقاصد كوبرنيكس.
غير أن قرار أوزياندر أدى أيضاً إلى إبقاء كتاب كوبرنيكس متداولاً. فـ«دورات الأجرام» بدأ يثير نقداً حاداً بمجرد ظهوره، وحاول بعض الرقابيين أن يمنعوا ظهوره، أو على الأقل أن يبطئوا تداوله، لكنه لم يتحول إلى هدف لحملة جادة تريد كبته، ما عدا في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى حد ما. ولم ينتشر الكتاب فحسب، كما بين أوين غنغرتش بتفحصه البسيط ولكن الملائم جداً للعشرات من النسخ، وإنما اجتذب قراءً ملأوا الهوامش بالتعليقات، وجعلوا كتاب كوبرنيكس نصاً أساسياً. وبناء عليه، لم تأتِ نهاية القرن السادس عشر إلا وعفريت كوبرنيكس خارج الصندوق، فلم يعد من المتصور أن يؤدي أي كبت -حتى هجوم غاليليو- إلى إعادته.
وإذا نُظر إلى ما فعله أوزياندر مستقلاً، فإنه سيبدو غير مقبول إطلاقاً، حتى في سياق مناهج التصحيح في عصر النهضة، يظل إشكالياً -عمل رجل صغير يفرض حذره على عمل رجل أعظم منه، ولكنه يبدو أيضاً محاولة عاقلة ذكية لممارسة دور المصحح، عملاً له كثير مما يقابله في عالم التحصيل العلمي إبان القرنين السادس عشر والسابع عشر. المصححون أشخاص في مشهد يتوارى الآن: عالم كان فيه المؤلفون يتوقعون ممن يطبعون كتبهم -أو من نساخهم- أن يحسنوا العمل الذي وضع بين أيديهم. وفي هذا العالم، رأى كثير من الكتاب عملهم تعاونياً، لا فردياً. وعلى مدى قرون، كان المصححون يعملون بصفتهم وسطاء بين الكتاب والقراء. كانوا الأسلاف البعيدين ليس للفيلولوجيين المحدثين فحسب، وإنما أيضاً للمحرر المعاصر الذي فعل الكثير ليصوغ أعمال كتاب مهمين. خيوط استمرار قوية كثيرة تتحرك عبر التاريخ الألفي للتأليف والتحرير. ونتائج هذه الحقائق في تاريخ البحث -تاريخ التحرير العلمي- ما تزال بانتظار أن تدرس. ولكن ثمة مسألة واضحة؛ في كل مرة يغضب فيها مؤلفون من نساخ، من أساتذة، من محررين أو وسطاء -وفي كل مرة يحتجّ فيها محررون بأن المؤلفين لا يقدرون عملهم- فإنهم يعيدون تمثيل مشهد متجذر عميقاً في التراث الكلاسيكي.
- اقتباس في دورية لافام (لافام كوارترلي) من كتاب «أصابع ملطخة بالحبر: صناعة الكتب في فترة مبكرة من أوروبا الحديثة» (2020)، لمؤلفه: أنتوني غرافتُن.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي