مانشستر سيتي يواجه مستقبلاً غامضاً مع بدء إجراءات استئناف الإيقاف الأوروبي

الفوز بدوري الأبطال سيكون تحدياً استثنائياً لفريق ينتظر معرفة ما إذا كان سيستبعد من المسابقة أم لا

الفترة المقبلة ستكون مثيرة للغاية لحامل لقب الدوري الإنجليزي (غيتي)
الفترة المقبلة ستكون مثيرة للغاية لحامل لقب الدوري الإنجليزي (غيتي)
TT

مانشستر سيتي يواجه مستقبلاً غامضاً مع بدء إجراءات استئناف الإيقاف الأوروبي

الفترة المقبلة ستكون مثيرة للغاية لحامل لقب الدوري الإنجليزي (غيتي)
الفترة المقبلة ستكون مثيرة للغاية لحامل لقب الدوري الإنجليزي (غيتي)

هل كانت هناك فترة فاصلة في تاريخ أي نادٍ في كرة القدم الحديثة أكثر غرابة من الأحداث الدرامية التي يمكن أن يشهدها نادي مانشستر سيتي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة؟ هذا هو السؤال الذي قد يكون مهماً لعشاق مانشستر سيتي فقط في الوقت الحالي. ربما يتم نسيان هذا الأمر في ظل غرابة الحياة الرياضية بشكل عام في الوقت الحالي بسبب تفشي فيروس كورونا. وعلى الرغم من أن هذا الموسم يبدو من دون ملامح واضحة لجميع الأندية في الوقت الحالي، فإن ما ينتظر مانشستر سيتي يبدو أكثر إرباكاً وإزعاجاً بكثير.
وسوف يستأنف الدوري الإنجليزي الممتاز مبارياته في السابع عشر من الشهر الحالي، على أن تلعب المباريات من دون جمهور، ولكي يتم التغلب على الصمت الرهيب الذي سيسود المدرجات هناك اقتراح بتشغيل أصوات الجمهور عبر مكبرات للصوت. إنها فكرة جيدة بكل تأكيد. صحيح أننا لا نسمع أي شيء في مباريات الدوري الألماني الممتاز سوى صرخات المديرين الفنيين الذين يقفون بجوار خط التماس، وقد يكون ذلك مريحاً لكرة القدم الألمانية، لكنني أعتقد أن الأمر سيكون مختلفاً في كرة القدم الإنجليزية.
ومن المؤكد أن كل شخص سوف يبذل قصارى جهده من أجل أن تعود مباريات كرة القدم الإنجليزية بالشكل اللائق. ولا يوجد أدنى شك في أن اللاعبين يملكون المهارات والإمكانات التي تمكنهم من تقديم مباريات ممتعة ومثيرة، كما أنه لا يوجد شك في أن كل جمهور يعشق ناديه ويبذل كل ما في وسعه لمساعدته على تحقيق نتائج جيدة. لكن من المؤكد أيضاً أن التجربة التي نمر بها جميعاً الآن هي تجربة جديدة وغير مسبوقة وغريبة، وأنه قد تم استئناف مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز على عجل من أجل الوفاء بالتزامات صفقات عائدات البث التلفزيوني!
وقد تمت الإشارة خلال الأسبوع الحالي إلى أن مسابقة دوري أبطال أوروبا قد تستأنف مبارياتها في شكل بطولة مصغرة تضم ثمانية أندية وتنتهي في شهر أغسطس (آب). لكن هذا الأمر يعيدنا مرة أخرى إلى مانشستر سيتي، الذي قد يمر بفترة غريبة لمدة ثلاثة أشهر خلال هذا الموسم. فقبل توقف النشاط الرياضي بسبب تفشي فيروس كورونا، كان مانشستر سيتي واحداً من بين ناديين إنجليزيين فقط ما زالا يشاركان في ثلاث مسابقات، وهو ما يعني أن الفريق، بقيادة مديره الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، قد يلعب الآن 17 مباراة في غضون 10 أسابيع فقط حتى نهاية الموسم!
ربما يكون من الممكن أن يلعب أي فريق هذا العدد من المباريات في الشتاء أو الربيع، على الرغم من أنه نادراً ما نرى هذا الجدول المضغوط من المباريات، خاصة أن النشاط الكروي متوقف بالكامل منذ ثلاثة أشهر، وهو ما يعني أنه ستكون هناك ضغوط هائلة على اللاعبين، من الناحيتين البدنية والذهنية عند استئناف الموسم.
وعلاوة على ذلك، هناك عنصر آخر يتمثل في أن مانشستر سيتي ما زال ينتظر لمعرفة ما إذا كان سيتم استبعاده من مسابقة دوري أبطال أوروبا أم لا، بعد انتهاكه قواعد اللعب النظيف التي وضعها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم! ويعني هذا أن الاستئناف المقدم من مانشستر سيتي أمام محكمة التحكيم الرياضية (كاس) ضد قرار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم سيتم الاستماع إليه بينما لا يزال الموسم الكروي سارياً، حيث تم عقد جلسة الاستماع في هذا الصدد يوم الاثنين الماضي. وتشير تقارير إلى أن محكمة التحكيم الرياضية قد لا تتخذ قراراً نهائياً بهذا الشأن قبل شهر أغسطس المقبل. ومن المعروف أن المحاكم الأوروبية قاسية في أحكامها.
ومن المؤكد أن التداعيات ستكون هائلة على مانشستر سيتي. فلو تم قبول الاستئناف المقدم من النادي وتم إلغاء العقوبة سوف تستمر الحياة ويكون هناك قدر كبير من التفاؤل، لكن إذا خسر النادي الاستئناف فسيكون الوضع مختلفاً تماماً. لقد كان مانشستر سيتي يمتعنا بالأداء الراقي الذي يقدمه، لكن قيل له فجأة إن هذا الأداء القوي بات دليلاً على أنه قد انتهك قواعد اللعب المالي النظيف من خلال إنفاق الكثير من الأموال على التعاقد مع لاعبين جدد بمبالغ مالية كبيرة.
واستنكر مانشستر سيتي الادعاءات بوقوعه في مخالفات، لكنه ذكر في البداية أنه «يشعر بخيبة أمل، لكن ليس بالدهشة» من هذا الحظر الذي فرض عليه. وأضاف سيتي في بيانه «ببساطة، هذه قضية بدأها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وأقامها الاتحاد الأوروبي وأصدر الحكم فيها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم... مع انتهاء هذه العملية الآن، يبحث النادي عن حكم محايد في أسرع وقت ممكن».
وقال فيران سوريانو، الرئيس التنفيذي لسيتي، «الادعاءات غير صحيحة. ببساطة هي غير صحيحة». وأضاف «لقد قدمنا الدليل، لكن في النهاية لجنة التحقيق اعتمدت بشكل أكبر على رسائل بريد إلكترونية مسروقة وخارج سياقها بدلاً من كل الأدلة التي قدمناها لما حدث وأعتقد أنه من الطبيعي أن نشعر بمثل هذه المشاعر». وتابع المسؤول الإسباني «في النهاية وبناءً على خبرتنا وملاحظتنا للموقف؛ فإن هذا الأمر لا يتعلق بالعدل بقدر ما يتعلق بالسياسة».
وقد كان الفوز الذي حققه مانشستر سيتي على ريال مدريد في فبراير (شباط) الماضي، بعد 12 يوماً من العقوبات التي أعلن عنها الاتحاد الأوروبي، بمثابة تطور مثير للغاية في مسيرة النادي الإنجليزي في دوري أبطال أوروبا؛ نظراً لأن فوز مانشستر سيتي بلقب البطولة خلال العام الحالي – في حال قدرته على تحقيق ذلك – سيكون بمثابة تحد استثنائي من لاعبي الفريق الذين ليس لهم علاقة بـ«الجريمة» الفعلية التي ارتكبها النادي.
وفي النهاية، هناك شعور بأن مانشستر سيتي قادر على الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا هذا الموسم، كرد على العاصفة القوية التي يتعرض لها في الوقت الحالي. وفي ظل خوض المباريات من دون جمهور لم تعد ميزة اللعب على ملعبك وبين جماهيرك لها أهمية كبرى في الوقت الحالي، كما أن الفريق في حاجة إلى الفوز في ثلاث مباريات فقط من أجل الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا، وهو ما يعد فرصة ذهبية بالنسبة له.
ربما تسير الأمور الآن في مصلحة الإسباني جوسيب غوارديولا، المدير الفني للفريق، الذي يتصرف كما لو أن كل ثانية تمثل تطوراً آخر في مسيرته التدريبية الرائعة. وبغض النظر عن قبول أو رفض الاستئناف المقدم من مانشستر سيتي، فإن الفترة المقبلة ستكون مثيرة للغاية بالنسبة للنادي الإنجليزي. وإذا كان الجميع يخشون من أن كرة القدم ستكون مملة خلال الفترة المقبلة بسبب غياب الجماهير، فمن المؤكد أن الأسابيع العشرة المقبلة ستكون مليئة بالإثارة بالنسبة لنادي مانشستر سيتي!
وسيصيب القلق الإسباني غوارديولا؛ لأن خسارة النادي هذه القضية قد تتسبب في رحيل عدد من اللاعبين المميزين بالفريق. وقال روبرتو مارتينيز، المدير الفني للمنتخب البلجيكي، إن نتيجة هذا الاستئناف قد تقنع البلجيكي الدولي كيفن دي بروين نجم خط وسط مانشستر سيتي على الرحيل من النادي.
وجمع سيتي 93 مليون يورو من جوائز مالية وإيرادات حقوق النقل التلفزيوني من خلال الوصول إلى ربع نهائي دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي؛ ما يعطي مؤشراً عن حجم الخسائر التي ستنجم عن استبعاده القاري، والتي يضاف إليها أيضاً عائدات تذاكر المباريات والإيرادات التجارية، ما سيجعل من الصعب على النادي تلبية شروط اللعب الماضي النظيف مستقبلاً من دون خفض التكاليف.


مقالات ذات صلة

رودري يتحسر على إهدار الفرص بعد تعادل إسبانيا مع الرأس الأخضر

رياضة عالمية رودري نجم وقائد منتخب إسبانيا (أ.ب)

رودري يتحسر على إهدار الفرص بعد تعادل إسبانيا مع الرأس الأخضر

تحسر رودري نجم وقائد منتخب إسبانيا على الفرص الضائعة في مباراة الرأس الأخضر التي انتهت بالتعادل السلبي، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عالمية المهاجم النرويجي إرلينغ هالاند (رويترز)

هالاند يستعد لانطلاقة المونديال بممارسة الغولف وألعاب الفيديو

يستغل المهاجم النرويجي إرلينغ هالاند وقته قبل المباراة الافتتاحية لفريقه في كأس العالم لكرة القدم ضد العراق في لعب الغولف وألعاب الفيديو.

«الشرق الأوسط» (غرينسبورو)
رياضة عالمية البرتغالي برونو فرنانديز لاعب مان يونايتد مرشح لجائزة أفضل لاعب بإنجلترا (إ.ب.أ)

ثلاثي آرسنال ينافس فرنانديز على جائزة لاعب العام بإنجلترا

تم ترشيح ديكلان رايس، وغابرييل، وديفيد رايا، ثلاثي فريق آرسنال، للحصول على جائزة لاعب العام في إنجلترا، المقدمة من رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الرئيس الإماراتي لمانشستر سيتي خلدون المبارك (رويترز)

خلدون المبارك يعتزم «البوح بكل شيء» بعد صدور الحكم في تهم مان سيتي

يعتزم الرئيس الإماراتي لمانشستر سيتي، خلدون المبارك، «البوح بكل شيء» يتعلق بالمعركة مع مسؤولي الدوري الإنجليزي الممتاز.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.