تحديات حديثة تواجه صناعة غاز شرق المتوسط

احتدام جيوسياسي لفرض مصالح البلدان المطلة على البحر

أنشئ «منتدى غاز شرق المتوسط» لتأسيس منظمة تحترم حقوق الأعضاء
أنشئ «منتدى غاز شرق المتوسط» لتأسيس منظمة تحترم حقوق الأعضاء
TT

تحديات حديثة تواجه صناعة غاز شرق المتوسط

أنشئ «منتدى غاز شرق المتوسط» لتأسيس منظمة تحترم حقوق الأعضاء
أنشئ «منتدى غاز شرق المتوسط» لتأسيس منظمة تحترم حقوق الأعضاء

برزت في الآونة الأخيرة تحديات جديدة أمام تطوير صناعة غاز شرق المتوسط. بادئ ذي بدء؛ تتوجب الإشارة إلى أن الصناعة النفطية في مختلف أقطار العالم تواجه تحديات جيواستراتيجية أو صناعية في وقت من الأوقات، وأن هذه التحديات لا تنحصر في منطقة واحدة فقط؛ بل يواجهها معظم التجارب النفطية المختلفة في العالم.
من الملاحظ حالياً، في شرق المتوسط، أن الصناعة الغازية تواجه تحديات جيوسياسية تتمثل في محاولات توسيع تركيا نفوذها الإقليمي، كما أن هناك السياسة الإسرائيلية لضمّ الضفة الغربية. وهناك أيضاً الآثار السلبية لانهيار أسعار النفط والغاز والآثار المترتبة على ذلك من تقليص الموازنات الاستثمارية للشركات النفطية العالمية في فترة المرحلة الاستكشافية نفسها لشرق المتوسط.
حاولت تركيا بشتى الطرق إيجاد موطئ قدم لها في الصناعة الغازية في شرق المتوسط. فقد بدأت هذه المحاولات أولاً بإرسال طائراتها النفاثة العسكرية على مستوى منخفض فوق منصات الشركات الدولية العاملة في المياه القبرصية لتخويف الشركات وثنيها عن العمل. لكن هذه التهديدات لم تُثْنِ قبرص والشركات عن الاستمرار في الاستكشاف. من ثم، وبعد إخفاق هذه التجربة، هددت تركيا الشركات النفطية العاملة في المياه القبرصية بمقاطعة العمل النفطي كلياً في تركيا. ولم تذعن الشركات لهذا التهديد. كما أن محكمة العدل الأوروبية رفضت سياسة المقاطعة هذه. وعلى أثر ذلك، ادّعت تركيا أن منطقتها الاقتصادية الخالصة تمتد إلى الحدود البحرية المرسومة والمتفق عليها بين القاهرة ونيقوسيا. رفضت قبرص هذا الادّعاء، وأجابت مصر بمذكّرة شديدة اللهجة على هذا التدخل في شؤونها السيادية. وفي خضم هذه المحاولات الكثيرة استعملت قبرص ورقة دور القبارصة الأتراك في شمال الجزيرة الواقع تحت الاحتلال التركي منذ عام 1974 أثناء المحادثات المزمنة مع قبرص لتوحيد الجزيرة، ولكن أيضاً دون جدوى.
وأخيراً؛ وقّعت أنقرة اتفاقاً مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس للتنقيب عن النفط في المياه الليبية، حيث عدّت أنقرة الاتفاق النفطي ثمناً لمساندتها العسكرية من قوات وميليشيات. رفض البرلمان الليبي في بنغازي الاتفاق. لكن تركيا غضّت النظر عن هذا الرفض وعن تجاوزها حدود المنطقة العسكرية الخالصة التي تمر عبر جزيرة كريت اليونانية. وقد ارتأت الحصول على الامتيازات النفطية عن طريق معاهدة عسكرية بدلاً من أن تشارك «مؤسسة البترول التركية (تباو)» في جولة تراخيص حالها كحال بقية الشركات النفطية العالمية.
هناك أزمة ثانية تلوح في الأفق. فالسياسة الإسرائيلية الحالية تعمل على ضمّ الضفة الغربية. هذه السياسة، التي يعارضها كل من فلسطين والأردن، ستلقي ظلالها على صادرات إسرائيل الغازية من الحقول البحرية إلى شركة الكهرباء الأردنية، هذه الصادرات التي بدأت فعلاً منذ أوائل عام 2020 والتي عارضها البرلمان الأردني بالإجماع وكذلك الرأي العام الداخلي الأردني.
وصرح عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني في مقابلة أجراها مؤخراً مع دورية «دير شبيغل» الألمانية، بأنه إذا ما ضمّت إسرائيل أجزاءً من الضفة الغربية فـ«سيؤدي ذلك إلى صدام كبير مع الأردن». وأضاف: «لا أريد أن أطلق التهديدات أو أن أهيئ جواً للخلاف والمشاحنات. ولكننا ندرس جميع الخيارات إذا جرى الضم».
وتواجه إسرائيل معضلة أخرى؛ فقد اتفقت مع قبرص واليونان وإيطاليا على إنشاء خط أنابيب غاز يمتد عبر هذه الدول لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى السوق الأوروبية المشتركة. إلا إن هذا الخط الذي تبلغ تكلفة إنشائه نحو 8 مليارات دولار يفتقد حتى الآن مشترياً للغاز. ومن المعروف أنه من الصعب جداً إنشاء خط للغاز دون الحصول على اتفاق مسبقاً مع شركة لتوزيع الغاز داخل السوق الأوروبية أو مع محطة كهرباء. من ثم؛ يبقى مصير هذا الخط ضبابياً لحين التوقيع مع مشترٍ أوروبي مستهلك للغاز.
كما تواجه إسرائيل معضلة ذات علاقة بطاقتها الغازية؛ فقد فشلت إسرائيل في استقطاب شركات نفطية عالمية كبرى للاستكشاف في مياهها، رغم المحاولات التي بذلها كل من وزير الطاقة ورئيس الوزراء شخصياً في حثّ كبرى الشركات الأميركية والأوروبية على الاستثمار في الصناعة الغازية الإسرائيلية. من غير المعروف السبب الرئيسي لهذا الإخفاق: هل هو القوانين الإسرائيلية التي تسمح بتغيير العقود مع الشركات بعد التوقيع عليها، أم جيولوجيا المنطقة البحرية الإسرائيلية؟
تتزامن التطورات أعلاه مع ظاهرة انهيار أسعار النفط والغاز مؤخراً؛ فقد قلصت جميع الشركات النفطية العالمية استثماراتها على ضوء تدهور الأسواق والأسعار خلال النصف الأول من هذا العام. ورغم التحسن التدريجي للأسعار مؤخراً، فإن هذه الشركات ستحاول إعادة دراسة أولوياتها الاستثمارية إلى حين استقرار الأسعار على مستويات أعلى.
وقد قررت شركة «إكسون موبيل» الأميركية وكل من شركة «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية تأجيل تطوير اكتشافاتها في قبرص حتى عام 2021، مما يعني تأجيل إنتاج الغاز في قبرص حتى العام المقبل.
وفي لبنان، لم يتم اكتشاف مَكْمَنٍ غازيٍّ من خلال حفر البئر الأولى في القطعة رقم «4». وذكرت شركة «توتال»، المسؤولة عن الحفر، أن هناك شواهدَ للغاز، وأنها ستحاول مستقبلاً الحفر للعثور على مصدرها، أي المَكْمَن لها. في الحقيقة، لم يكن مستغرباً عدم تحقيق اكتشاف تجاري من حفر البئر البحرية الأولى في المياه اللبنانية؛ إذ إن معدلات هذا النوع من النجاح، أي تحقيق اكتشاف مهم في منطقة لم يتم الحفر فيها بتاتاً سابقاً، كما هي الحال في المياه اللبنانية، هي نجاح بئر واحدة من 4 أو 5 آبار.
لكن المشكلة في لبنان تتعدى موضوع نتيجة الحفر في القطعة رقم «4»؛ منها:
1- الخلافات والمصالح السياسية الحزبية في قطاع البترول: فقد أدت الأجندات الحزبية والضجة الشعبوية حول الاحتمال العالي والسريع لاكتشاف إلى رفع تطلعات وتوقعات الرأي العام بالوفرة المالية التي سيمكن تحقيقها في القريب العاجل، من ثم الشعارات والإشاعات لما هو متوقع. الأمر الذي رفع تطلعات الرأي العام. بمعنى آخر، وقعت الصناعة البترولية ضحية المناكفات السياسية، بعيداً عن أجندة الصناعة نفسها.
2- أعلن لبنان منذ فترة عن جولة التراخيص الثانية: لقد وقعت هذه الجولة ضحية تدهور الأسواق والأسعار. من ثم، لا يتوقع حماس كبير من قبل الشركات في الجولة الثانية. وقد زادت على هذه المشكلة نتيجة حفر البئر الأولى في القطعة رقم «4».
3- المناطق الموعودة باكتشافات مهمة هي المياه الجنوبية اللبنانية المحاذية والمواجهة لساحل صور: لكن وضعت إسرائيل يدها على نحو ثلث هذه المنطقة (القطع 8 و9 و10). وكان لبنان قد طلب من الأمين العام للأمم المتحدة رسم الحدود البحرية الجنوبية، فاعتذر. وتوسطت واشنطن في السنوات الأخيرة لحل المشكلة دون نتيجة. والحذر الآن هو من أن تستغل واشنطن وَهَنَ اقتصاد لبنان وتتدخل مع مؤسسات التمويل الدولية للضغط عليه لصالح الحدود التي رسمتها إسرائيل لنفسها؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تأجيل الحفر في هذه المنطقة الموعودة أو إلى نشوب نزاعات مسلحة.
* كاتب عراقي مختص في شؤون الطاقة


مقالات ذات صلة

رئيس «روسنفت»: الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

الاقتصاد مواطنون روس خارج مركز تسوق بالعاصمة الروسية في حين تتصاعد أعمدة الدخان من مصفاة نفطية عقب قصفها (أ.ف.ب)

رئيس «روسنفت»: الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

قال إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة «روسنفت»، أكبر شركة نفط في روسيا، الجمعة، إن الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن تكساس (أ.ف.ب)

أسعار البنزين في أميركا تهبط دون 4 دولارات للمرة الأولى منذ مارس

تراجعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأميركية، يوم الخميس، إلى ما دون حاجز 4 دولارات للغالون في المتوسط، وذلك للمرة الأولى منذ شهر مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وسط مدينة زيوريخ (رويترز)

سويسرا تخفض تقديرات النمو تحت وطأة ضغوط الطاقة العالمية

خفضت الحكومة السويسرية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 بشكل طفيف إلى 0.9 في المائة يوم الخميس، مشيرةً إلى تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة الناجمة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )
خاص السعودية وروسيا: شراكة استراتيجية تتجاوز «برميل النفط» وترسي توازناً اقتصادياً عالمياً

خاص السعودية وروسيا: شراكة استراتيجية تتجاوز «برميل النفط» وترسي توازناً اقتصادياً عالمياً

تشهد العلاقات الاقتصادية بين السعودية وروسيا مرحلة متقدمة من التحول الاستراتيجي، تتجاوز الإطار التقليدي للتعاون، لتتجه نحو شراكة متعددة الأبعاد.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد ناقلة نفط قبالة سواحل ميناء البصرة العراقي (رويترز)

شركات نفط صينية وهندية تفشل في تأمين ناقلات لتحميل النفط العراقي

فشلت شركتا «بتروتشاينا» و«إنديان أويل كورب» في تأمين ناقلات نفط عملاقة لتحميل النفط الخام العراقي من ميناء البصرة أواخر يونيو

«الشرق الأوسط» (عواصم)

السعودية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية بقطاع الصناعات العسكرية

كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية بقطاع الصناعات العسكرية

كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)

نجحت السعودية خلال المعرض الدولي للدفاع والأمن «يوروساتوري 2026» في فتح آفاق استثمارية نوعية باستعراض الفرص الواعدة والبيئة التنظيمية المحفزة، ما أسهم في تعزيز جاذبية الصناعات العسكرية الوطنية، واستقطاب اهتمام الشركات العالمية الكبرى للدخول في شراكات استراتيجية تدعم مستهدفات التوطين. وكرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض الذي استضافته باريس خلال الفترة من 15 حتى 19 يونيو (حزيران) الحالي، مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية، حيث شارك فيه إلى جانب «هيئة الصناعات العسكرية» المنظمة له عشر جهات حكومية وخاصة.

وأكدت هذه المشاركة ترحيب السعودية بجميع المستثمرين من جميع أنحاء العالم الراغبين في الاستثمار بقطاع الصناعات العسكرية، واستعراض الجهود المبذولة لتوطين ما يزيد على 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

أكدت المشاركة ترحيب السعودية بجميع المستثمرين من أنحاء العالم الراغبين في الاستثمار بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)

وعلى هامش المعرض، عقد محافظ الهيئة المهندس أحمد العوهلي لقاءات مع المفوض العام للمديرية العامة للتسليح الفرنسي، باتريك بابلوكس، وممثلي كبرى الشركات الدفاعية العالمية، حيث جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الصناعات العسكرية وتبادل الخبرات، بما يعزز تطوير قطاع مستدام، ويرفع من جاهزية المعدات العسكرية، ويعزز الاكتفاء الذاتي، ويسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني.

وشهدت المشاركة السعودية في المعرض توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم، ضمن جهود الهيئة الرامية إلى تطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتمكين الشراكات الاستراتيجية، كما نظّمت ورشة عمل بعنوان «تنمية سلاسل الإمداد في الصناعات العسكرية»، تناولت إسهام توفير بيئة استثمارية جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين في بناء اقتصاد متنوع ومزدهر في القطاع.

أسهم جناح السعودية في استقطاب اهتمام الشركات العالمية الكبرى للدخول في شراكات استراتيجية تدعم مستهدفات التوطين (الشرق الأوسط)

واستعرض الجناح الجهود التكاملية بين الجهات الحكومية، وأبرز القدرات الصناعية والخدمية الوطنية، والتقنيات المبتكرة التي تقدمها الشركات السعودية المشاركة، كما سلط الضوء على البيئة الاستثمارية الجاذبة في البلاد، كما أبرز التطور المتسارع الذي يشهده قطاع الصناعات العسكرية؛ حيث ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي من 2.2 مليار ريال (نحو 587 مليون دولار) في 2021 إلى 6.6 مليار ريال (نحو مليار و760 مليون دولار) في 2024، مع ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى ما يقارب 25 في المائة في 2024، للوصول إلى توطين ما يزيد على 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

وأكدت الهيئة أن مشاركة الجناح السعودي في المعرض عززت من مكانة المملكة كشريك موثوق على الساحة الدولية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع كبرى الشركات العالمية، إلى جانب تمكين الشركات الوطنية من إبراز قدراتها واستكشاف فرص النمو والتوسع في الأسواق العالمية.


«بنك إنجلترا» يقترح تخفيف قواعد «بازل 3» الرأسمالية لدفاتر التداول

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
TT

«بنك إنجلترا» يقترح تخفيف قواعد «بازل 3» الرأسمالية لدفاتر التداول

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

اقترح «بنك إنجلترا»، يوم الجمعة، تخفيف القواعد المنظمة لكيفية احتساب البنوك رأس المال المخصص لدفاتر التداول، في خطوة تأتي بعد تحركات مماثلة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتقليص الأعباء المرتبطة بالمعايير المصرفية العالمية التي أُقرت عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وتندرج هذه القواعد ضمن «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول»، وهي جزء من إطار «بازل 3» الدولي الهادف إلى تعزيز قياس المخاطر المرتبطة بأنشطة التداول المصرفية وضمان احتفاظ البنوك برؤوس أموال تعكس بدقة مستوى المخاطر التي تتحمّلها، وفق «رويترز».

وأوضحت هيئة التنظيم الاحترازي التابعة لـ«بنك إنجلترا» أن المقترحات الجديدة ستُسهّل على البنوك استخدام النماذج الداخلية لاحتساب متطلبات رأس المال بدلاً من الاعتماد على النهج المعياري، بما يؤدي إلى خفض المتطلبات الرأسمالية الإجمالية.

وأشارت الهيئة إلى أنها فتحت باب المشاورات العامة بشأن هذه التعديلات، مؤكدة في ورقة المشاورات الصادرة الجمعة أن متابعة تطبيق قواعد «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول» على المستوى الدولي كشفت عن مجالات يمكن إدخال «تعديلات مستهدفة» عليها لتحسين تناسب الإطار التنظيمي وكفاءته التشغيلية، مع الحفاظ على معايير احترازية قوية.

تأخير عالمي وتطبيق غير متكافئ

تأتي هذه الخطوة في ظل تفاوت وتيرة تطبيق إصلاحات «بازل 3» بين الاقتصادات الكبرى. ففي مارس (آذار) الماضي، أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مقترحات واسعة لتعديل قواعد «بازل 3»، تضمنت تخفيف بعض القيود المفروضة على استخدام النماذج الداخلية في احتساب مخاطر التداول.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي، في يونيو (حزيران)، تخفيفاً مؤقتاً لبعض متطلبات الإطار التنظيمي، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية القدرة التنافسية الدولية للبنوك الأوروبية في ظل اختلاف مواعيد وتفاصيل التطبيق بين الولايات القضائية المختلفة.

وبموجب المقترحات البريطانية الجديدة، تتوقع هيئة التنظيم الاحترازي أن تتمكّن البنوك من تحرير ما بين 1.9 مليون جنيه إسترليني و3.8 مليون جنيه إسترليني من رأس المال سنوياً لكل بنك، وهو ما قد يعزّز قدرتها على توجيه الموارد نحو الإقراض والاستثمار.

ومن المقرر أن تدخل أحكام إطار «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول» الخاصة بالنماذج الداخلية حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2028، فيما أوضحت الهيئة أنها ستمنح البنوك فترة زمنية أطول قبل بدء تطبيق أحد الاختبارات الرئيسية المتعلقة برأس المال، بما يتيح للجهات التنظيمية مزيداً من الوقت لتقييم فاعلية الإطار الجديد عملياً وضمان اتساق تطبيقه.

وقال نائب محافظ «بنك إنجلترا»، الرئيس التنفيذي لهيئة التنظيم الاحترازي، سام وودز، إن هذه القواعد تمثّل الحلقة الأخيرة من سلسلة الإصلاحات التنظيمية التي أُطلقت بعد الأزمة المالية العالمية.

وأضاف: «لقد منحنا مهلة إضافية لتطبيق هذه المجموعة الأخيرة من القواعد، بهدف مراعاة كيفية تنفيذها في الأسواق الأخرى، وتعكس مقترحات اليوم هذا التوجه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ضمان تمويل أنشطة التداول التي تقوم بها البنوك العاملة في المملكة المتحدة بمستويات رأسمالية مناسبة».

ومن المقرر أن تدخل بقية متطلبات اتفاقية «بازل 3» حيز التنفيذ في المملكة المتحدة بدءاً من يناير 2027.


روسيا تخفض الفائدة دون التوقعات لمواجهة ضغوط التضخم وتراجع إنتاج الوقود

العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
TT

روسيا تخفض الفائدة دون التوقعات لمواجهة ضغوط التضخم وتراجع إنتاج الوقود

العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)

خفَّض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 14.25 في المائة، يوم الجمعة، في خطوة جاءت دون توقُّعات المحللين الذين رجَّحوا خفضاً بمقدار 50 نقطة أساس، مشيراً إلى تنامي المخاطر التضخمية المرتبطة بسياسة مالية أكثر توسعاً وتراجع إنتاج الوقود.

ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على مصافي النفط الروسية والبنية التحتية لقطاعَي الطاقة والنقل؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين واضطرابات في إمدادات الوقود في بعض المناطق.

وقال البنك المركزي في بيان: «إن المخاطر التضخمية ارتفعت؛ نتيجة الانخفاض المؤقت في إنتاج وقود السيارات»، في أول اعتراف رسمي رفيع المستوى بحجم التأثير الاقتصادي لهذه الهجمات.

وأظهرت بيانات «وكالة الإحصاء الروسية» أن متوسط أسعار البنزين ارتفع بنسبة 1 في المائة خلال الأسبوع المنتهي في 15 يونيو (حزيران)، حتى قبل الهجوم الذي استهدف مصفاة موسكو هذا الأسبوع. كما ارتفعت الأسعار بنسبة 5.7 في المائة منذ بداية العام، متجاوزة معدل التضخم البالغ 5.3 في المائة.

وعقب الهجمات الأخيرة، رفعت بعض سلاسل محطات الوقود المستقلة، التي لا تمتلك مصافي تكرير خاصة بها، أسعارها بما يصل إلى 20 في المائة؛ ما دفع هيئة مكافحة الاحتكار إلى مطالبتها بتقديم تفسيرات بشأن سياسات التسعير المتبعة.

وأجبرت هذه التطورات روسيا، ثالث أكبر منتِج للنفط في العالم وأحد أبرز مصدّري النفط والوقود، على البحث عن مصادر لاستيراد الوقود عبر البحر لتعويض النقص المحلي.

ورغم امتلاك موسكو آليات عدة للحفاظ على استقرار أسعار الوقود، من بينها اتفاق غير رسمي مع شركات النفط الكبرى يقضي بعدم رفع أسعار التجزئة بوتيرة تتجاوز معدل التضخم، فإنَّ الضغوط الأخيرة وضعت هذه الترتيبات أمام اختبار صعب.

سياسة مالية أكثر توسعاً

تُفاقم الاضطرابات في قطاع الطاقة التحديات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، إذ تباطأ النمو الاقتصادي إلى 1 في المائة العام الماضي مقارنة بالتوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 4.9 في المائة في عام 2024، متأثراً بارتفاع أسعار الفائدة والعقوبات الغربية وقوة الروبل.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أنَّ الاقتصاد الروسي قد ينمو بنسبة 0.4 في المائة فقط خلال العام الحالي.

وفي الوقت نفسه، تجاوز عجز الموازنة خلال الأشهر الـ5 الأولى من عام 2026 مستوى 2.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متخطياً الهدف السنوي البالغ 1.6 في المائة، نتيجة زيادة الإنفاق العسكري، رغم الإيرادات الإضافية التي وفَّرتها أسعار النفط المرتفعة.

كما قرَّرت وزارة المالية تأجيل تحقيق التوازن الأولي للموازنة - الذي يستثني مدفوعات خدمة الدين - إلى عام 2029 بدلاً من 2027، وهو ما أثار مخاوف البنك المركزي من أن يؤدي استمرار السياسة المالية التوسعية إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة التي يحتاجها الاقتصاد المتباطئ.

وقال البنك المركزي في بيانه: «من المتوقع أن تكون السياسة المالية خلال السنوات الثلاث المقبلة أكثر تيسيراً مما كان مقدراً سابقاً».

ويُعدُّ الخفض المحدود للفائدة مخيباً لآمال المصرفيين ودوائر الأعمال، التي ترى أنَّ خفض سعر الفائدة الرئيسي إلى نحو 12 في المائة بات ضرورياً لاستعادة زخم الاستثمار. ويتهم بعض رجال الأعمال البنك المركزي بإبقاء الاقتصاد في حالة من الجمود عبر التمسك بسياسة نقدية شديدة التشدد.

وقالت ناتاليا أورلوفا، كبيرة الاقتصاديين في بنك «ألفا»: «الجانب الإيجابي يتمثَّل في استمرار دورة خفض أسعار الفائدة، أما الجانب السلبي فهو تقلص حجم الخفض، ما يعكس ازدياد المخاطر التضخمية في الاقتصاد الروسي».