حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود في عملها الجديد «حكاية الخادمة»

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود
TT

حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود

مارغريت آتوود كاتبة روائية شاعرة ناقدة كندية مارست الكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي، ولها عدة أعمال روائية، آخرها روايتاها «اضطراب» (2006) و«الفيضان» (2009)، ومن كتبها النقدية «أهداف متحركة: الكتابة والنية» (2004)، ولها أيضاً مجموعات شعرية، ويعد كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» أقدم كتبها النقدية وأهمها، وقد صدر في طبعته الأولى عام 1972، وطبع ثانية عام 2013 بطبعة «نثرلاند» بنيويورك. وقد صدرت لها بداية هذه السنة ترجمة عربية لروايتها الأخيرة «حكاية الخادمة» (Hand Maids) في الإمارات العربية المتحدة (2019). وفيها اختار المترجم أحمد العلي كلمة «الجارية». ولا أجد المسوغ الذي ذكره في سبب هذا الاختيار مقنعاً، لأن لكلمة الجارية في المخيال العربي مثل ما لها في المخيال الأوروبي، وهو مختلف تماماً عن دلالة كلمة الخادمة.
في هذه الرواية، تؤكد آتوود سردياً هويتها النسوية، كما أكدتها نقدياً في كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي».
وقيمة هذا الكتاب الأخير تكمن في مادته النقدية التي أظهرت فيها آتوود مقدرة نقدية كبيرة، وهي تدشن أدباً كان في وقت تأليفها الكتاب ما زال غير معترف به، وهو ما جعل تصديها لإنجازه عملاً جريئاً، أظهرت فيه براعة تحسب لصالح النقد النسوي، مواجِهة ما كان الآخرون يسعون إليه من تفنيد مشروعها والالتفاف عليه. ولعل أوضح دليل على ذلك التصدي أنها سمته «البقاء» (survival)، وكأنها تستشرف مآلاً قادماً سيكون فيه للأدب الكندي مكانة، أسوة بسائر الآداب الأخرى، وبالفعل تحقق ذلك، وصار كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» هو القاعدة التي يبنى عليها دارسو هذا الأدب أبحاثهم وهم يتتبعون تطوره، ويبحثون في قضاياه وظواهره.
ونجاح آتوود في مهمتها النقدية دليل على قدرتها في إثبات الجدارة النسوية، مقاومة كل المحاولات التي أرادت إفشال مشروعها الفتي. وقد كشفت عنه في تقديمها للطبعة الثانية، مبينة أن «الأدب الكندي كان يراودها كإحساس هو بمثابة شيء مقدس. وأن فارلي موات -وهو كاتب كندي، أشهر أعماله رواية (شعب الغزلان) ورواية (لن يبكي الذئب)- قال لها إنها الآن الهدف، وسوف يطلقون النار عليها»، في إشارة إلى أن أي مشروع نقدي فتي بسبب هشاشة أركانه وعدم استقرار أساساته عادة ما يكون عرضة للهجوم والإقصاء.
وتشير آتوود أيضاً إلى أن هذا الكتاب تمتع في طبعته السبعينية بأفضل المبيعات. وكما أنّ الأشياء تتغير بسرعة -والقول لآتوود- كان الأدب الكندي يتطور تطوراً ثقافياً ملحوظاً بين الأربعينيات والخمسينيات، ثم صارت تشيع فيه الحيوية التي اتضحت بشكل جلي في عام 1972، ولم يعد الأدب الكندي يوصف بأنه في الدرجة الثانية بعد الأدب الإنجليزي أو الأدب الأميركي، أو أنه يماثل الأدب الأسترالي، في كونه ثقافة بطرة أنتجتها الحداثة الكولونيالية، بل غدا هو البقاء «على قيد الحياة».
ومن يقرأ الكتاب، يجد أنّ آتوود شيدت فيه أساسات مهمة في نقد الأدب الكندي، سواء في تناولها موضوعات ثقافية تتعلق بالطبيعة الكندية ووحوشها وحيواناتها، أو في معالجتها بعض القضايا معالجة أنثروبولوجية، واقفة عند الهنود والإسكيمو والطواطم الأجداد المستكشفين والمستوطنين والمهاجرين.
والمهم في رواية «حكاية الخادمة» أنها عكست الجرأة والتحدي أنفسهما اللذين عرفت بهما مارغريت آتوود وهي تستثمر إمكانياتها الأدبية شعرية ونقدية وروائية، مستجمعة قواها الثقافية والفكرية، معبرة عن الكينونة الأنثوية التي همشها النظام الذكوري وجعلها تابعة له، ليس لها أن تقول «لا»، بل عليها دوماً أن تقول «نعم».
ولقد حظيت هذه الرواية بمكانة في الأدب العالمي، لا بسبب كثرة ترجماتها إلى مختلف اللغات أو بسبب ما نالته من اهتمام نقدي أو صدارتها قائمة مبيعات الكتب، بل لبراعة المؤلفة في تجسيد القسوة الذكورية وهي تبطش بالنسوية، وفي الآن نفسه التعبير عن هوية المرأة وشجاعتها في المطالبة بالتحرر الذي هو قضية نساء العالم جميعاً.
وأول مؤكدات الهوية النسوية هو العتبة المناصية «أنا أروي، إذن أنت موجود» التي اعتلت العنوان الرئيس في الغلاف الأمامي، وفيها اختزلت الكاتبة لب الرواية، وكثفت المراد منها، جاعلة الخادمة هي البطلة الساردة بضمير المتكلم.
أما المكان الروائي فرسم بطريقة هندسية تعكس ما فيه من الانعزال والانفراد والانضباط الصارم، ليبدو كالسجن أو المصحة أو الدير، محاطاً بالأسلاك الشائكة، مملوءاً بالرعب والخوف والصمت. أما المكين فكان عبارة عن مجموعة فتيات أجبرن على الخدمة، وقبلن باستعلائية الآخر -السيد الذي عاملهن بجفاء ممارساً معهن كل صنوف التمييز. فمثلاً، لا يسمح لهن باستعمال الأبواب الأمامية، ولا الكلام جهراً، مع ضرورة «الاحتشام؛ بمعنى الاختفاء التام»، وكل واحدة مثل أي دمية باستطاعة السيد التحكم في مصيرها، وحتى ضربها «تعلمت الواحدة منا كيف تقرأ حركة شفتي الأخرى». وبسبب هذه الصرامة، صرن مقتنعات بأنْ ليس لهن سوى خدمة هؤلاء السادة الذين ملكوهن داخلياً، وسخروهن لخدمتهم خارجياً، فلا خيار أمامهن غير خيار هوبسن «أما هذا أو لا شيء». ومن ثم، لا انعتاق من هذه السيطرة ولا إفلات من قبضتها.
والغريب أن هذه الهيمنة الذكورية لم يجسدها الرجال وحدهم في الرواية، بل جسدتها أيضاً النساء اللائي ما صرن سيدات إلا لأنهن قبلن أن يكن تابعات للنظام البطرياركي، ويعاملن بنات جنسهن بالطريقة نفسها التي بها يعاملهن السادة الرجال. وهو ما شعرت به الساردة حين قابلت سيدة المنزل لأول مرة، فبدت لها خشنة الطبع كأنها رجل، متنكرة لأنثويتها، منسلخة عن نسويتها، مطاوعة الذكورية بكيان مستلب «هبطت عليّ مشاعر إحباط وخيبة، تمنيتها أن تغدو أختاً كبيرة لي، أردت تحويلها إلى كيان أمومي، إلى إنسانة تفهمني وتحميني». وكذلك كان حال الخالة ليديا التي كانت مهمتها توجيه الخادمات ومراقبتهن كي يعملن بروتين لا يخرجن فيه عن النظام الذكوري.
وبسبب هذه الأجواء القسرية المكهربة، والمشاعر السلبية المفزعة، تقرر الساردة أن تتكلم، ولو مع نفسها، مقتنعة بأنها ما دامت تروي، فإن الآخر موجود معها، كتعالق اشتراطي مع عقلانية القاعدة الديكارتية القائلة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، بانية عليها قاعدتها السرية الخاصة «أنا أروي، إذن أنت موجود». وكان ستيوارت ميل قد أكد أن المرأة التي تقرأ، وأكثر منها التي تكتب، تعد عنصراً مزعجاً متناقضاً، ولذلك صار واجباً تنشئة النساء على اكتساب صفات السريات والمحظيات وخدم المنازل (كتابه «استعباد النساء»، ص 70).
وبهذه الرؤية، صار الحكي هو السلاح الذي به تحول صمتها إلى كلام. وما دامت تتكلم، فإن هناك من يسمعها، وستتبدل عزلتها إلى ألفة، متمكنة من إثبات هويتها، باقية على أمل الخلاص من الإذلال الذكوري. وهذا البقاء هو نفسه البقاء الذي أرادته مارغريت آتوود للأدب الكندي الذي كان هامشياً، فمركزته وجعلته حاضراً بهوية وخصوصية بين سائر الآداب العالمية.
ولأن البقاء هو الهدف، تغدو الحياة في نظر الساردة حباً وشمساً وزهوراً، وقد انقلب المكان الذي كان معادياً إلى مكان رحب مألوف، تتجسد فيه هويتها «هو ليس سجناً، بل امتيازاً». وأحد أشكال توكيد البقاء هو سيطرتها على المكان بالوصف، فلا تترك تفصيلاً من تفصيلاته إلا وذكرته، مستعملة أسلوب التحديق والحملقة اللذين بهما تكشف عن زيف المكان واختلاقيته.
أما وصف المكين فهو الشكل الثاني لتوكيد البقاء الذي به دللت الساردة على قسوة النظام البطرياركي، مركزة على وصف غطاء الرأس ورداء البدن اللذين فيهما تتجلى حالة الإذلال التي بها يحجم النظام الذكوري فاعلية المرأة الخادمة، ويقيد طاقتها، ويحول دون تحررها، كقولها: «القلنسوتان حول وجهينا حاجبتا الضوء، يصعب علينا رفع أنظارنا أو استقبال المشهد كاملاً أو لأي أمر آخر، لكننا نرى قدراً ضئيلاً كل مرة بتحريك الرأس سريعاً إلى أعلى ثم أسفل، وإلى الجانبين والوراء، لقد تعلمنا كيف نرى العالم في لقطات لاهثة».
وفي هذا اللباس قسوة هي بمثابة شفرة سمتها جوليا كرستيفيا «الدناءة»، وفيها تتجلى «الواجهة الأخرى للشفرات الدينية والأخلاقية والآيديولوجية». ومن أمثلة القسوة والدناءة أيضاً الجثث المتدلية من الحائط الكنيسي وغرفة الانتظار في عيادة الطبيب وغيرهما.
وعلى مستوى الزمان، يغدو الليل هو زمن النسوية الذي فيه تجد الساردة متسعاً من الحرية والأمان «إن الليل بالنسبة لي زمني الذي أخرج فيه»، وفيه تستطيع الساردة أن تحول صمتها إلى كلام، وحياتها إلى قصة، شاعرة أنها على مستوى الكتابة حية تعيش باحترام، متخذة من السرد سلاحاً تماماً كشهرزاد التي بقيت على قيد الحياة بالحكي الليلي «ما أحكيه هو في الوقت نفسه قصة تدور داخل رأسي، فيما أتابع حياتي، أحكي لا أكتب، فليس عندي ما أكتب به، والكتابة محرمة في جميع الأحوال، لكن إن كانت قصة رغم دورانها في رأسي، فلا بد أن أحكيها لأحد، فأنت لا تحكي قصة لنفسك... فقط الآخر دوماً هناك... إنه هناك حتى لو لم يكن هناك أحد».
وإذا كان الليل هو زمنها، فإن جسدها ليس هو الخطيئة التي فيها عارها، بل هو موضوعها الذي فيه مستقبلها، لذا تحاول الغوص فيه «أريد أن أشعر بقيمي في أمور أستحقها ولا أستحقها، أريد أن أكون أعلى من أي قدر». وكلما غاصت فيه وجدت نفسها أكثر، وتأكدت أنّ لها هويتها، وأنها قادرة على البقاء، مهما كانت القيود التي تريد إزالتها ومحوها «إنهم لا يخشون هروبنا، بل يخشون تلك المهارب الأخرى التي يمكنك فتحها في داخلك، في جسدك، إذا تمكنت من الحصول على شفرة حادة».
وما تنتهي إليه الرواية يجسده قول ستيوارت ميل إنه «منذ أن أصبح للنساء قدرة على تدوين مشاعرهن، والتعبير عنها عن طريق الكتابة، سجل عدد متزايد منهن احتجاجهن ضد الوضع الاجتماعي القائم» (كتابه «استعباد النساء»، ص 51). وبهذا الاحتجاج الذي جسدته بطلة رواية «الخادمة»، تكون مارغريت آتوود تلميذة نجيبة لفرجينا وولف وسيمون دي بوفوار.



قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»


جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتمّ تثبيتها في القاعة العليا من الجناح الذي خُصّص للقى الأثرية التي تمّ اكتشافها بين أطلال هذا القصر، وهي من الطراز الروماني الكلاسيكي الرفيع، وتتبع أسلوباً ساد في مختلف نواحي الأرضي السورية خلال القرون الميلادية التي سبقت دخول الإسلام إلى هذه البقاع. تعود هذه الجدارية إلى العقود الأولى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى.

أُنجزت هذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مادة المِلاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كانت تزيّن في الأصل قاعة الاستقبال في الجناح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في عام 727، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ طولها 5.21 متر، وعرضها 4.43 متر. يحيط بهذه اللوحة إطار زخرفي عريض تزينه سلسلة لولبية من الأغصان المورقة، تتدلّى منها عناقيد من العنب الأحمر. حُوّرت هذه الأغصان هندسياً، واتخذت شكل دوائر متلاحقة متعادلة في الحجم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبدا ذلك بشكل خاص في تصوير عناقيدها. تحضر في وسط هذه الإطار صورة نصفية لامرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطار دائري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سوري محلّي، ساد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية.

بنية الرأس دائرية، تعلوها كتلة من الشعر الكثيف الأسود تحيط به، مع فرق بسيط في وسط قمّته، وخصلتين صغيرتين تنسدلان على الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل من بين وسطهما خيط الأنف الرفيع. الفم مطبق، وقوامه خط بسيط يرسم الشق الفاصل بين شفتيه الرقيقتين. الوجنتان مكتنزتان وموشحتان باللون الأرجواني. العنق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف من حوله، رافعة رأسها فوق الكتف اليمنى. ترفع هذه المرأة يديها في اتجاه الصدر، حاملة وشاحاً يأخذ شكل رزمة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الفراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتلّ القسم الأعلى من الصدر الأنثوي.

تتبنّى هذه الصورة نموذجاً معروفاً في الفن الكلاسيكي يمثّل سيّدة الكون «غايا»، وهي أوّل من ظهر في بدء هذا الوجود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الشاسعة وحصن جميع الخالدين، وقد تجرّدت صورتها لاحقاً من معناها الأصلي، وتحوّلت إلى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصراً من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر.

تحضر «غايا» وسط لوحة دائرية تستقرّ وسط مساحة مستطيلة تكسوها أغصان نباتية زخرفية. وسط هذه الزخارف، في القسم الأعلى من هذه المساحة، فوق هامة الأرض الأم، يطلّ مخلوقان غرائبيان متشابهان في الشكل، لكل منهما رأس إنسان عاري الصدر، وساقا تنين ذي جثة ضخمة تعلوها الزعانف. رأى دانيال شلومبرجير أن هذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هو «قنطور بحري»، والقنطور مخلوق أسطوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مخلوق نصفه إنسان ونصفه الآخر تنين. الجزء الأسفل من هذه المساحة التشكيلية تعرض للتلف وضاع للأسف، وما تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين من فصيلة الكراكي، وكلباً يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبات من الصعب تحديد هويّته.

ظهرت صورة الأرض الأم على هذه اللوحة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك في قصير عمرة، في البادية الأردنية، حيث تكرّرت صورتها الواحدة ستّ مرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش». يشكّل هذا الحضور استمرارية لنموذج متوارث تعدّدت شواهده في بلاد الشام كما في سائر أنحاء الشرق الأدنى، ويرى البعض أن تبنّيه في هذين الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية.

بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد اتنغهاوزن في كتابه المرجعي الذي صدر عام 1962 تحت عنوان «فن التصوير عند العرب»، يمثّل لوح الأرض المثمرة الحاضرة في صورة «غايا»، «مع المحيط الدائر الذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الذي «أُلقي به منبسطاً تحت أقدام هذه الأسرة». وسواء اتبع الفنان المحلّي هذه الصيغة «وفقاً لتوجيهات رسمية أم لا، فإنّ مثل هذا المعنى المحدّد كان جلياً بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى».


حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»

عاجل ترمب: أميركا سترد على إسقاط إيران مروحية من طراز «أباتشي»