الإصرار على استئناف النشاط الكروي في ظل «كورونا» محنة للاعبين

هل الدوافع المالية وراء رغبة السياسيين ومسؤولي الدوري الإنجليزي الممتاز في عودة المباريات؟

صداقة اللاعبين في الملاعب غالباً ما تكون من خلال التلامس وليس اللعب فقط (إ.ب.أ)
صداقة اللاعبين في الملاعب غالباً ما تكون من خلال التلامس وليس اللعب فقط (إ.ب.أ)
TT

الإصرار على استئناف النشاط الكروي في ظل «كورونا» محنة للاعبين

صداقة اللاعبين في الملاعب غالباً ما تكون من خلال التلامس وليس اللعب فقط (إ.ب.أ)
صداقة اللاعبين في الملاعب غالباً ما تكون من خلال التلامس وليس اللعب فقط (إ.ب.أ)

قد يكون من الصعب الحديث عن عدد الأشياء التي يجب أن تعود إلى وضعها الطبيعي أولاً، حتى تعود كرة القدم إلى استئناف نشاطها بالشكل المعتاد، حيث يجب أولاً إجراء اختبارات للكشف عن المصابين بفيروس كورونا، ويجب تعقيم البيئة المحيطة، وتحديد مواقع للحجر الصحي، وأن تكون الملاعب مهيأة تماماً ومعدة لاستئناف المباريات بشكلها الجديد، كما يجب تحديد مواعيد ملائمة للمباريات، ويجب التغلب على تداعيات إقامة المباريات بدون جمهور، وغيرها من الأمور الأخرى. ولا يوجد أدنى شك في أن كل نقطة من هذه النقاط لها صعوباتها الخاصة، وتمس النقاط الأخرى أيضاً. لكن ربما يتمثل التحدي الأكثر تعقيداً على الإطلاق فيما يتعين على اللاعبين أنفسهم القيام به.
وخلال الأسبوع الماضي، أشارت النقابة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين (فيفبرو) إلى أن هناك زيادة في معدلات الاكتئاب أثناء فترة الإغلاق بسبب تفشي فيروس كورونا. ووصفت طبيبة تشيلسي السابقة، إيفا كارنيرو، اللاعبين الذين غالباً ما نصفهم بأنهم آلات لا يمكن إيقافها بأنهم «عرضة للإصابة بالقلق النفسي»، فقد تسربت المخاوف التي أثارها فيروس كورونا إلى حياة الرياضيين، مثلهم مثل الجميع في بقية أنحاء العالم.
وقد يواجه لاعبو كرة القدم، ولا سيما أولئك الذين يلعبون في الدوري الإنجليزي الممتاز، خياراً لا يواجهه الكثير منا، فيما يتعلق بكيفية العودة إلى العمل مرة أخرى، حيث يتطلب الأمر من هؤلاء اللاعبين «اتصالاً جسدياً قوياً» في ظل هذا الوباء.
وأعلن مهاجم مانشستر سيتي الأرجنتيني سيرخيو أغويرو أن اللاعبين خائفون من استئناف اللعب بسبب تفشي كورونا. وقال أغويرو: «بطبيعة الحال، أغلبية اللاعبين خائفون لأن لديهم أطفالا وعائلات». وأضاف: «إذا عدنا، أنا واثق من أن الجميع سيكونون مشدودي الأعصاب في اللحظة التي سيشعر فيها أحد الأشخاص بأنه مريض وسيقول (ما الذي يجري هنا؟)».
وسيواجه اللاعبون الغياب لأسابيع عدة عن عائلاتهم حيث سيخضعون للحجر الصحي في الفنادق. قال مهاجم برايتون المخضرم غلين موراي في هذا الصدد: «آمل ألا نصل إلى هذا السيناريو. الأمر صعب المنال، أن تمضي 8 أسابيع بعيداً عن عائلتك هو مهمة كبيرة». كما وصف موراي فكرة ارتداء اللاعبين لكمامات أثناء المباريات بأنها «مهزلة». في المقابل، أعرب قائد مانشستر يونايتد السابق غاري نيفيل الذي يعمل معلقاً في شبكة «سكاي سبورتس» عن قلقه إزاء صحة لاعبي الدوري في حال العودة السريعة إلى المنافسات بعد رفع الإغلاق التام المفروض في بريطانيا بسبب فيروس كورونا المستجد. ورأى أن العامل الاقتصادي يتغلب على العامل الإنساني، وقال في هذا الصدد: «يقوم الناس الآن بتقييم المخاطر. كم شخصا يجب أن يموت وهو يلعب كرة القدم في الدوري الممتاز قبل أن يصبح الوضع مريراً؟ واحد؟ لاعب واحد؟ أو أن يذهب أحد الموظفين إلى العناية المركزة؟ ما هي المخاطر التي يجب أن نتحملها؟ النقاش هو اقتصادي بحت وإلا لكنا توقفنا عن خوض المباريات لأشهر عدة».
ويصر نيفيل على أن رغبة الدوري الممتاز بإنهاء الموسم مرتبطة بدوافع مالية واقتصادية، إذ سيواجه الدوري ضربة قوية في حال تعذر استكمال المباريات الـ92 المتبقية، إذ يتوقع المعنيون خسائر بقيمة ما يقارب مليار جنيه إسترليني (1.2 مليار دولار).
إن العائق الذي يتعين على الرياضيين أن يتخلصوا منه نفسياً ليكونوا مستعدين للمنافسة قد يكون صعباً مثل أي تحد آخر تواجهه اللعبة، ولعدة أسباب. يقول مات كونليف، عالم نفس في قسم علوم الحياة والرياضة في جامعة غرينتش: «هناك الكثير من الأبحاث حول هذا الأمر الآن. وهناك الكثير من الناس ينظرون إلى الآثار النفسية للوباء على الأداء الرياضي، وعلى الصحة النفسية والرفاهية أيضاً، نظراً لأن هذا الوضع غير مسبوق وجديد تماماً».
وما يعرفه علماء النفس جيداً هو أن الضغوط النفسية يكون لها تأثير كبير على الأداء، وتجعل اللاعبين أكثر عرضة للإصابة بالمرض وأكثر عرضة للتعرض للإصابات، كما تؤثر سلبياً على القدرة على التعافي. يقول كونليف: «إذا لم تقم بإعادة التأهيل أو التأهيل المسبق بسبب الضغوط النفسية، فقد يكون لذلك تأثير. وإذا كان معدل ضربات القلب أو ضغط الدم مرتفعاً، فقد يؤثر ذلك على التعافي. الضغوط النفسية لها تأثير على كل ذلك، ويمكن أن يكون لها تأثير أيضاً على صنع القرار، خاصة أثناء المباريات، مثل قرار التدخل بشكل متهور». ويضيف: «ما تفعله الضغوط النفسية بشكل أساسي هو أن تجعل سلوكياتك أقل من المستوى الأمثل، وهو ما يؤثر في نهاية المطاف على حالتك النفسية. لكننا نعلم أيضاً أن الضغوط، وخاصة الضغوط النفسية مثل التدريب المفرط ومتطلبات الأداء، أو الضغوط بسبب العلاقات الاجتماعية أو القلق من الإصابة بالعدوى - تؤثر على جهاز المناعة أيضاً».
من المؤكد أن جميع الأندية على دراية جيدة بكيفية التعامل مع الضغوط النفسية، لكن من المؤكد أيضاً أنها لا تملك الخبرة الكافية في التعامل مع الضغوط الناجمة عن الخوف من الإصابة بفيروس. يقول مارتن تورنر، عالم نفس بجامعة مانشستر متروبوليتان، إن «الشعور بعدم اليقين وعدم القدرة على السيطرة على الأمور من العوامل الرئيسية التي تسبب التوتر. وإذا فكرت في الطريقة التي يعمل بها الرياضيون، خاصة في الأنشطة الرياضية الجماعية، ستجد أن هناك دافعا لخلق بيئة يمكن التنبؤ بها، فكل شيء في مكانه الصحيح لزيادة الإمكانات».
ويضيف: «في بعض جوانب التدريب ستعمل الأندية على خلق حالة من الشك بهدف تعريض اللاعبين للضغوط حتى يعتادوا عليها، لكن فيروس كورونا قد أضاف حالة من الشك وعدم اليقين لم يكن اللاعبون معتادين عليها». ووفقاً لتورنر، فإن إضافة ضغط نفسي جديد سيكون له العواقب نفسها التي وصفها كونليف، كما سيؤثر أيضاً على الرسائل الأخرى التي قد يرغب المديرون الفنيون في توصيلها للاعبين. ويقول: «هذا الضغط يتطلب طريقة مختلفة للتكيف معه، حيث يتطلب الأمر نوعاً من التأقلم العاطفي، حتى يشعر اللاعبون بأنهم في بيئة آمنة وأنهم يثقون بالطاقم الطبي. لكن في الوقت نفسه يتعين عليهم أن يحاولوا تطوير إمكاناتهم في بيئة ليست مثالية في الوقت الحالي. ويجب عليهم أن يسألوا أنفسهم: ما الذي يمكننا القيام به للحفاظ على كفاءتنا وعلى شعورنا بالأمان؟».
ويجب أن ندرك أن قوة أي لاعب كرة قدم تكمن في الفريق الذي يلعب له، ويقول تورنر على ذلك: «من بين الأشياء الناجمة عن وجودك في فريق هو تكوين صداقة قوية بالآخرين. ويمكن النظر إلى الفيروس على أنه تحد مشترك للجميع. وما يتطلبه الأمر هو وجود قائد في المجموعة يخرج في التدريبات بتركيز كبير وثقة في النفس لكي يظهر للجميع أنه يثق في العاملين في النادي، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى انتقال هذا الشعور إلى باقي أعضاء الفريق».
ومن المفارقات الأخرى للوضع الحالي أن كرة القدم غالباً ما تُكون صداقتها من خلال الاتصال الجسدي، وليس اللعب فقط، حيث نرى اللاعبين يعانقون بعضهم البعض ويمزحون سوياً، وهي الأمور التي باتت تشكل جزءاً من بناء الفريق. لكن بات من المستحيل الاستمرار في هذا الأمر الآن. ويجب الإشارة إلى أن الوباء لا يشبه أي شيء شهده الشخص من قبل، وهذا يعني أنه لا يوجد ضمان بأن اتخاذ تدابير معينة سيؤدي إلى النتيجة التي يريدها الناس. يقول تورنر عن ذلك: «أعتقد أن القلق هو رد الفعل الصحيح في مثل هذا الموقف. القلق موجود ليقول لنا إن الأشياء ليست صحيحة في البيئة المحيطة بنا. وإذا عاد أي ناد إلى المنافسة بدون أن يشعر بالقلق في الوقت الحالي، فسيكون ذلك مصدراً للقلق في حقيقة الأمر. تقبل القلق والاعتراف به هما مفتاح التغلب على الأزمة الحالية».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.