دفاعاً عن لاعبي كرة القدم في وجه الضغوط

على الحكومة البريطانية لوم نفسها قبل الآخرين

هل سيُتهم لاعبو كرة القدم قريباً بأنهم السبب في انتشار فيروس {كورونا}؟! (إ.ب.أ)
هل سيُتهم لاعبو كرة القدم قريباً بأنهم السبب في انتشار فيروس {كورونا}؟! (إ.ب.أ)
TT

دفاعاً عن لاعبي كرة القدم في وجه الضغوط

هل سيُتهم لاعبو كرة القدم قريباً بأنهم السبب في انتشار فيروس {كورونا}؟! (إ.ب.أ)
هل سيُتهم لاعبو كرة القدم قريباً بأنهم السبب في انتشار فيروس {كورونا}؟! (إ.ب.أ)

خلال الأسبوع الحالي الذي يُلقي فيه الجميع باللوم على الآخرين، فيما يتعلق بأزمة انتشار فيروس كورونا، طالب وزير الصحة البريطاني، مات هانكوك، لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز بالقيام بدورهم لمواجهة الأزمة. وتتمثل إحدى القواعد العظيمة للحياة العامة في بريطانيا في أنه عاجلاً أم آجلاً ينتهي كل شيء بإلقاء اللوم على لاعبي كرة القدم في أي أزمة تشهدها البلاد.
وبغض النظر عن مدى غرابة عالمنا الجديد في ظل تفشي فيروس كورونا، يمكنك أن تقول شيئاً واحداً مؤكداً، وهو أنه في نهاية المطاف، سنرى من يخرج علينا ليثبت أن نجم نادي مانشستر سيتي والمنتخب الإنجليزي رحيم سترلينغ هو المسؤول عن تفشي وباء كورونا!
وأعلم تماماً أن من يُسمون «الخبراء» سيقولون إن مهرجان شلتنهام، الذي حضره 250 ألف شخص، هو الذي أدى إلى انتشار الوباء، وانتقاله إلى إسبانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية، بل وإلى مدينة ووهان الصينية نفسها. لكن هناك من يرى أن الأمر برمته يعود إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وبالتحديد إلى أقدم عدو للبشرية في المملكة المتحدة، وهم الشباب الذين يلعبون في الدوري الإنجليزي الممتاز (مهرجان «يوم السيدات» أقيم في بلدة شلتنهام البريطانية في مارس (آذار) الماضي)!
وحتى في الأوقات الجيدة، فإن الأشخاص أنفسهم قد استغلوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتسبب ذلك في حدوث أزمة كبيرة في أعداد الممرضين والممرضات، لكي يجروا مقارنات بين رواتب اللاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز ورواتب الممرضات في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، وذهب بعض منهم إلى ضرب أمثلة براتب أحد اللاعبين، وكيف يمكن لهذا الراتب أن يوفر عدداً كبيراً من الممرضات.
وكما أكدنا أكثر من مرة في صحيفة «الغارديان»، فإن الممرضات يحصلن على أجر قليل للغاية، لا يتناسب مع العمل الكبير الذي يقدمنه.
لكن الغريب أن لاعبي كرة القدم هم فقط الذين يتم إلقاء الضوء على رواتبهم، ومقارنتها برواتب الممرضات والفئات التي تحصل على أجور زهيدة، ونادراً ما نسمع أي شخص يتحدث عن كيف كان يمكن زيادة رواتب الممرضات بالأموال التي تدخلنا بها في الشؤون الليبية، والتي أدت إلى أن تتحول هذه الدولة إلى دولة فاشلة، أو كيف كان يمكن تحسين رواتب الممرضات من خلال الـ53 مليون جنيه إسترليني التي تم تخصيصها لبناء جسر بأحد الحدائق، أو من خلال ثمن شراء حمولة من الأسلحة النووية التي لم يكن سيُسمح لنا باستخدامها ما لم تطلب منا الولايات المتحدة الأميركية ذلك.
لقد مرت أيام قليلة منذ أن بدأ عدد قليل من الأندية (وليس اللاعبين) في الكشف عن خططها للتقدم بطلب للحصول على مساعدة حكومية لدفع رواتب العاملين الذين يواجهون مصيراً مجهولاً بسبب تفشي فيروس كورونا، وقد بدأت الانتقادات الشديدة توجه للاعبي كرة القدم بسبب ما وصف بعدم تعاملهم كما ينبغي مع هذه الأزمة. وفي الأسبوع الماضي، سمعنا جوليان نايت، رئيس لجنة الرياضة والثقافة والإعلام بالبرلمان البريطاني، يتحدث عن «الفراغ الأخلاقي» في الدوري الإنجليزي الممتاز. وفي الوقت الحالي، فإن السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع هو: هل سيتم تخفيض رواتب لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز؟ الإجابة هي: نعم، سيحدث ذلك بنسبة 30 في المائة.
ومع وضع ذلك في الحسبان، يجب أن نشير إلى أن مجلة «فوربس» قد أكدت، خلال العام الماضي، أن 12 من أغنى مالكي أندية الدوري الإنجليزي الممتاز لديهم ثروة إجمالية تصل إلى 74 مليار جنيه إسترليني، فهل تم تخفيض رواتب ملاك الأندية أيضاً؟ أو لو نظرنا للأمور من منظور آخر، سنجد أن غوردون تايلور، رئيس رابطة اللاعبين المحترفين، قد حصل على راتب يتجاوز مليوني جنيه إسترليني العام الماضي، فهل سيتم تخفيض راتبه أيضاً؟
لقد مرت عدة أشهر منذ أن بدأ رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في تلقي معلومات عن خطر فيروس كورونا، كما مرت عدة أسابيع منذ أن رأى بعينيه الآثار الهائلة التي تركها هذا الفيروس على الدول الأوروبية المجاورة، لكنه رغم كل ذلك استمر في اتباع استراتيجية تهدف للتخفيف من آثار هذا الفيروس، بالشكل الذي جعل بريطانيا لا تتخذ الإجراءات القوية التي تتناسب مع جسامة الحدث، وذلك قبل إدخاله إلى العناية المركزة (الاثنين) بعد إصابته بفيروس كورونا الشهر الماضي.
ومر ما يقرب من 3 أسابيع منذ أن غيّر هذه الاستراتيجية بشكل جذري؛ وأسبوعان تقريباً منذ أن وعد بإجراء 25 ألف اختبار للكشف عن المصابين بفيروس كورونا بشكل يومي، وأيام معدودة منذ أن تم الكشف عن أنه لم يتم إجراء سوى ألفي اختبار فقط في الخطوط الأمامية للعاملين في المجال الطبي! فهل سيتم تخفيض راتبه هو الآخر؟
بشكل محبط، استغل مات هانكوك، وزير الصحة البريطاني، هذه الأزمة لشن هجوم على لاعبي كرة القدم يوم الخميس الماضي. ومع ذلك، كانت عودة وزير الصحة للواجهة موضع ترحيب نسبياً، على الأقل لأنه قبل ساعات فقط من حديثه، طالب نايجل فاراج، البالغ من العمر 56 عاماً، بإقالته من منصبه، وتعيين شخص من الخارج قادر على إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، مثل المدير الفني الهولندي لويس فان غال!
وفي الحقيقة، فإن التصريحات التي أدلى بها هانكوك في ذلك اليوم قد شهدت تحسناً نسبياً عن تصريحاته في اليوم السابق، خلال لقائه مع وزير شؤون الشركات، ألوك شارما. ومع مرور الوقت، باتت هذه المؤتمرات الصحافية، التي يطل علينا خلالها 3 أشخاص يومياً لإلقاء اللوم على الآخرين في هذه الأزمة، تشبه برامج المبتدئين!
لقد كشف هانكوك النقاب عن استراتيجيته المكونة من 5 نقاط للتعامل مع هذه الأزمة. لكن الوزير السابق في مجلس الوزراء المحافظ، غريغ كلارك، الذي يترأس الآن اللجنة العلمية في البرلمان، حذر الأسبوع الماضي من أن المملكة المتحدة الآن «قد تأخرت بشكل واضح» في اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة الوقت الضائع بسبب الفشل في إجراء اختبار شامل للعاملين في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وأصبح أملنا الوحيد الآن يتمثل في أن يتم السماح للمختبرات الأصغر بالمساعدة في التعامل مع هذه الأزمة.
في الواقع، هناك شيء مفجع بعض الشيء بشأن مشاهدة الخبراء وهم يؤكدون أن هذه هي اللغة الوحيدة التي تفهمها الحكومة. لقد كان كلارك نفسه يردد فقط نداء بول نورس، رئيس معهد فرانسيس كريك المحترم، الذي قال خلال هذا الأسبوع: «إن المؤسسات مثل مؤسستنا تعمل معاً بروح دونكيرك (دونكيرك هو فيلم حربي تجري أحداثه خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وتصور عملية الانسحاب من ميناء دونكيرك). لقد وضعت الحكومة بعض القوارب الكبيرة والمدمرات في مكانها الصحيح. هذا أكثر تعقيداً بعض الشيء لبدء العمل، ونتمنى لهم كل التوفيق للقيام بذلك، لكن يمكننا، كقوارب صغيرة، المساهمة أيضاً».
لقد بدأت هذه المقالة بأحد القوانين العظيمة للحياة العامة في بريطانيا، وأختمه بقانون آخر: الإصرار المرضي على تصفية كل شيء من خلال منظور الحرب العالمية الثانية، وكأننا لم نبتعد أكثر من 6 أقدام عن أحداث وقعت قبل 75 أو 80 سنة مضت. وختاماً، فإن على الحكومة البريطانية أن تلوم نفسها قبل أن تلقي باللوم على الآخرين.


مقالات ذات صلة

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.