جنوب السودان تطوي مرحلة الحرب... وزعيم التمرد يؤدي اليمين نائباً أول للرئيس

أرملة قرنق تدخل هيئة الرئاسة... وحضور إقليمي في جوبا وتعهدات بتنفيذ السلام وتحقيق الاستقرار

مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)
مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)
TT

جنوب السودان تطوي مرحلة الحرب... وزعيم التمرد يؤدي اليمين نائباً أول للرئيس

مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)
مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)

طوت جمهورية جنوب السودان، مرحلة الحرب التي استمرت ستة أعوام، بإطلاق المرحلة الانتقالية التي ستستمر لمدة 3 سنوات، يتم خلالها وضع الدستور الدائم، وتجري بعدها انتخابات على كل المستويات.
وأدى زعيم المتمردين في جنوب السودان رياك مشار اليمين الدستورية في جوبا أمس، أمام الرئيس سلفا كير، ليتولى منصب النائب الأول للرئيس، وينضم بذلك إلى السلطة. كما أدى اليمين 3 نواب آخرين في هيئة الرئاسة التي تتكون من 6 أشخاص، هم الرئيس ونائبه الأول، وأربعة نواب.
وجرت مراسم أداء اليمين وسط حضور إقليمي، لافت، يتقدمهم رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق ركن عبد الفتاح البرهان، الذي يتولى حاليا، رئاسة الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيقاد) الراعية للسلام في القرن الأفريقي، ونائب رئيس جنوب أفريقيا، ديفيد مابوزا، ورئيس الوزراء الأوغندي روهاكانا روغوندا، وممثلون من الاتحاد الأفريقي، وهيئة «إيقاد»، إلى جانب البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى جنوب السودان، فيما تغيب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
وتلا وزير شؤون الرئاسة مييك أيي دينق المراسيم التي أصدرها الرئيس سلفا كير، بتعيين رياك مشار، نائباً أول لرئيس الجمهورية بدلاً من تعبان دينق قاي الذي تم تعيينه نائبا للرئيس، كما شمل التعيين جيمس واني إيقا، وربيكا قرنق، أرملة الراحل جون قرنق، زعيم ومؤسس الحركة الشعبية التي تحكم جنوب السودان، فيما لا يزال منصب النائب الرابع للرئيس شاغرا، وهو من نصيب تحالف المعارضة «سوا» نتيجة خلافات داخل التحالف.
وقال مشار أمام الحضور: «أقسم أن أكون وفيا... لجمهورية جنوب السودان».
وصافح مشار الرئيس سلفا كير، غريمه القديم الذي سيسعى لحكم جنوب السودان معه للمرة الثالثة.
وبعد تأديته اليمين، توجه مشار إلى سلفا كير بالقول: «من أجل شعب جنوب السودان، أريد أن أؤكد لك أننا سنعمل سوياً لإنهاء المعاناة». وكان الخلاف بين كير المنتمي إلى قبيلة الدينكا، الواسعة الانتشار، ومشار المنتمي إلى قبائل النوير، تسبب في اندلاع حرب في ديسمبر (كانون الأول) 2013 بعد عامين من استقلال البلاد.
وأعلن كير أمس أنّه «يتوجب علينا أن نسامح بعضنا والتصالح. كما أنني أدعو الشعب من الدينكا والنوير إلى أن يسامح كل الآخر».
وأعلن سلفا كير في كلمته التي استمرت لأكثر من ساعة، العفو عن نائبه الأول رياك مشار وقادة المعارضة الذين لم يوقعوا على اتفاق السلام، داعياً مشار لأن يعفو عنه أيضا، كما جدد اعتذاره لشعب بلاده ودعاه للتعافي والتصالح فيما بينهم.
وقال كير إن رحلة السلام طويلة وصعبة وتواجه تحديات كبيرة، مؤكداً أن السلام الذي تحقق هو النهائي ولن تكون هناك أي عودة إلى الحرب التي أدت لمعاناة كبيرة لشعب بلاده. ودعا كير النازحين واللاجئين إلى العودة إلى ديارهم ودعم عملية السلام. وأضاف: «هنا في القاعة معنا ممثلو المجتمع الدولي نناشدهم بدعم السلام وإعادة الإعمار، وهم يعلمون ذلك وهي مسؤوليتنا في الحفاظ على حياة شعبنا»، مشيراً إلى أنه سيعمل لتحقيق شعار الاتحاد الأفريقي «إسكات البندقية في أفريقيا»، وتابع: «لقد جاء السلام لكي يبقى وألا يهتز مرة أخرى وسأعمل سوياً مع أخي رياك مشار ونواب الرئيس الآخرين»، لكنه سخر من وجود خمسة نواب للرئيس، وقال: «لا أعرف دولة في العالم فيها خمسة نواب للرئيس ولكن هذا قدرنا».
من جهته، أكد مشار أنه سيعمل مع سلفا كير لإيقاف معاناة شعب بلاده، وقال: «أود أن أشكر كل من تعاون معنا لوقف الحرب وتحقيق السلام وتقدير خاص للرئيس سلفا كير الذي قام بخطوة كبيرة لتحقيق السلام بإعادة البلاد إلى 10 ولايات»، كما شكر دول السودان وجنوب أفريقيا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية التي قال إنها وقفت معه في الصعوبات التي واجهها عندما خرج من جوبا عام 2016، مشدداً على أنه ملتزم بالعمل مع الرئيس سلفا كير على تنفيذ اتفاق السلام نصاً وروحاً.
وحلّ سلفا كير الحكومة أول من أمس، من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، التي يعتقد أنّها ستعلن لاحقا. وقال مشار إنّ «تشكيل هذه الحكومة يمنحنا الأمل بأنّ ثمة زخما جديدا لإنهاء معاناة الشعب وبأنّ ثمة سبيلا لسلام مستدام». وسبق لمشار أن كان نائبا للرئيس لمرتين، بين 2011 و2013 ولفترة قصيرة في عام 2016.
ولم تنجح المحاولتان الأخيرتان في تشكيل حكومة وحدة في ظل تواصل الخلافات حول إنشاء جيش موحد وعدد الولايات بالإضافة إلى الضمانات التي ستمنح لمشار بشأن أمنه الشخصي.
وكان عرض الرئيس كير الأخير القائم على العودة إلى نظام فيدرالي يضم 10 ولايات بدلاً من 32 بالإضافة إلى إنشاء ثلاث «مناطق إدارية» هي روينق وبيبور وأبيي، ساهم في الخروج من المأزق. وكان مشار رفض بداية هذا العرض بسبب وضعية روينق ضمنه، وهي المنطقة الرئيسية لإنتاج النفط. ولكن ذلك لم يمنع الاتفاق بشأن الحكومة.
من جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان الذي ترأس بلاده هيئة «إيقاد» في كلمته إن «السودان يفتخر بما تحقق في جنوب السودان»، معتبراً أن الرئيس سلفا كير وقادة المعارضة استطاعوا تجاوز العقبات والصعوبات ووضع بلادهم في الطريق الصحيح. وأضاف: «السلام يحتاج إلى التضحيات والشجاعة والإرادة السياسية»، وتابع: «لقد كنتم شجعانا وحققتم السلام ولديكم الإرادة القوية وتستحقون أن تكونوا قادة في بلادكم».
وأشار البرهان إلى أن الفترة الانتقالية تحتاج إلى الاصطفاف من الجميع لتحقيق مهامها كما أنها تحتاج إلى الدعم والمساندة لاستكمال مطالب الفترة الانتقالية، داعياً الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن جنوب السودان وعن القادة الذين يواجهون عقوبات من واشنطن، كما طالب المجتمع الدولي والمانحين إلى تقديم الدعم للمساعدة في تحقيق السلام والاستقرار في هذا البلد.
واعتبر الخبير في مجموعة الأزمات الدولية آلان بوسويل أنّ «التسوية التي طرحها كير بشأن الولايات سمحت للطرفين أخيراً بالمضي قدماً رغم أنّه لا يزال أمامهم كثير لفعله في الأسابيع والأشهر والسنوات المقبلة».
وأشاد مشار أمس بالقفزة التي حظي بها الجنيه في جنوب السودان، من 320 للدولار الأميركي الواحد إلى 220، على خلفية العمل على تشكيل الحكومة الجديدة. وقال «إّنها ثمار السلام».
وكان مشار يعيش في المنفى منذ الإخفاق في تشكيل حكومة وحدة في 2016 بسبب نشوب معارك شرسة بين قواته والقوات الموالية لكير في جوبا.
وأعلن الرئيس كير الخميس أنّ القوات الموالية له ستكلّف تأمين العاصمة جوبا وضمان أمن مشار.
وأسفر النزاع طوال نحو ست سنوات عن مقتل أكثر من 380 ألف شخص وسط تفاقم أزمة إنسانية مأساوية. وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ أكثر من أربعة ملايين شخص فروا من منازلهم، بينهم نحو 2.2 مليون نزحوا إلى الدول المجاورة أو طلبوا اللجوء فيها.
وأعرب مبعوث الأمم المتحدة إلى جوبا ديفيد شيرر عن أمله أمس برؤية «العديد من النازحين... يعودون إلى ديارهم». ورغم غنى جنوب السودان بالنفط، يعيش نحو 82 في المائة من 11 مليون مواطن تحت خط الفقر بحسب مجموعة البنك الدولي في 2018. وتحل الدولة في المرتبة 186 من أصل 189 في ترتيب مؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
إلى ذلك، قال السكرتير الصحافي لرئيس جنوب السودان أتينج ويك أتينج «ليس هناك من مبرر بأن يعود رياك مشار إلى الخرطوم كما كان في السابق، لا يمكنه أن يقيم هناك بعد تنصيبه نائباً أول للرئيس»، وأضاف: «يمكن أن يذهب إلى الخرطوم وهو نائب أول لرئيس جنوب السودان لأنه لا يمكن أن يقيم في بلد آخر وهو نائب لرئيس البلد».



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).