34 حكاية أسطورية مجهولة المؤلف من شبه جزيرة القرم

ترجمها حسن البياتي عن الروسية

34 حكاية أسطورية مجهولة المؤلف من شبه جزيرة القرم
TT

34 حكاية أسطورية مجهولة المؤلف من شبه جزيرة القرم

34 حكاية أسطورية مجهولة المؤلف من شبه جزيرة القرم

صدر عن دار ضفاف للنشر في الشارقة - بغداد كتاب «حكايات أسطورية من شبه جزيرة القرم» ترجمة الدكتور حسن البياتي. ويضمّ 34 حكاية أسطورية مع مقدمة نقدية شافية، وثبت بالسيرة الذاتية والإبداعية للمترجم الذي صدر له حتى الآن 17 كتاباً مُترجماً عن اللغة الروسية.
قبل أن ندخل في تفاصيل هذا الكتاب المُترجَم لا بد من الوقوف عند الحكاية الأسطورية وفهم مضامينها وفضاءاتها السردية. فالأسطورة في أبسط تعريف لها هي «حكاية تقليدية تروي أحداثاً خارقة للعادة» وتتمحور، في الأعم الأغلب، على الآلهة أو الأبطال أو الشخصيات المتفردة التي تأتي بالأعاجيب وتترسّخ أفعالها ومآثرها في الذاكرة الجمعية للناس. تتأسس الأسطورة في قسم كبير منها على الخيال المجنّح لكنها تُبقي على النتوء الواقعي مثل خلية وحيدة قادرة على الحياة في الجسد الفانتازي الذي يتشظّى إلى عوالم سُريالية مُبهرة لكنها تحمل في طيّاتها تبريراتها المنطقية التي تُقنع القارئ.
كل الحكايات في هذا الكتاب مجهولة المؤلف باستثناء حكاية «الخان وابنه» التي دوّنها الأديب الروسي مكسيم كَوركي. تركِّز هذه الحكاية على علاقة الأب بالابن حينما يُحبّان امرأة واحدة ولا يستطيع أحدهما أن يتخلى عنها للآخر. الأب هو الخان مسيلمة الأصوب الذي يمتلك 300 زوجة جميلة لكنه يفضِّل واحدة منهن على الجميع. وحينما سأل الأب ابنه أن يطلب منه ما يشاء أجابه: «هِب لي الأسيرة الروسية يا أبت الأمير!» كان الأب يتمنى على ابنه أن يأخذ مائة من نسائه ويترك له هذه الفتاة القوزاقية التي تمثل له المسرة الأخيرة في حياته لكن فلذة الكبد يُصرّ على طلبه فلم يجدا بُداً من الاتفاق على قتلها، إذ يقبِّلها الأب ويرفعها فوق رأسه، ويقذفها من فوق صخرة شاهقة إلى البحر. لا تنتهي الحكاية عند هذا الحدّ لأن مضمونها العميق يفلسف الحُب، ويكشف عن جوهره، «فحُب المرأة هو وحده الباقي» وإذا لم يُحببك أحد فمن الخطل أن تحيا على الأرض، فلا غرابة أن يستدير الخان بخطى سريعة ويقذف بنفسه من الجرف الشاهق إلى لُجة البحر العميق ليلحقَ بالمرأة التي أحبّته وكرّست حياتها له.
في كل حكاية لا بد من حكمة يستشفها القارئ من خلال الصراع بين الخير والشرّ، ففي «طير السعد» تقوم الحكاية على حوار بين غني وفقير، فالأول ينصح الثاني باقتناص طير السعد لكن زوجته تنزعج حين يأتيها بهذا الطير الذي لا يُباع ولا يُشترى لكنه يجلب السعادة، ومع ذلك يسمع الصعلوك كلام زوجته ويأخذ الطير إلى الخان، وبدلاً من أن يعطيه هذا الأخير مكافأة كبيرة يجزّ له رأسه كي يكون عبرة للصعاليك الآخرين الذين يفكرون في البحث عن السعادة.
تتمحور حكاية «كَيكييا - بطلة خيرسونيس» على فكرة الخيانة فبعد أن توافق كَيكييا، الابنة الوحيدة للأرخونت لاماخ على الزواج من ابن أساندرا شرط ألا يُوضع على رأس إدارة المدينة ولا يغادرها إلى مكان آخر لكنه كان يدبّر المكيدة في ليل كي يستولي على المدينة برمتها حيث جمع نحو مائتي محارب ووضعهم في أقبية القصر لكن شاءت الصدف أن تعاقب كَيكييا وصفيتها التي اكتشفت وجود الأعداء في أحد الأقبية فأحرقت القصر بعد أن أفرغته من محتوياته الثمينة وانتقمت من زوجها الخائن الذي كان يتربص بها الدوائر.
يتوفر بعض الحكايات على نَفَس سردي عجائبي كما في حكاية «الحور والرمّان والسرو» التي يعاني فيها الصيّاد وزوجته من بناتهما الثلاث، فالأولى تلعن والديها لأنها دميمة، والثانية تؤنبهما لأنها ليست رائعة الجمال، والثالثة جميلة ومرحة لكنها تسخر منهما وتزدريهما. وذات مرة انهلنَ ضرباً عليهما فتضرعا إلى السماء وانطلق صوت من مكان مجهول تحولت إثره الحورة إلى أطول شجرة في الوجود لكن بلا زهر ولا ثمر، وصارت الرمّانة شجرة عديمة الرائحة، أما السروة فتحولت إلى نبتة جميلة وحزينة. ما إن خرجت الفتيات الثلاث إلى الباحة حتى شاهدنَ ثلاث شجرات منتصبات لم يكن لهن وجود من قبل وقد أطلق الناس عليها أسماء البنات الثلاث: حورة ورمانة وسروة.
يتكرر النَفَس العجائبي في غالبية هذه الحكايات، فنيموفليس، أحد الخدم يترك سِفطين للشقيقين بوتر وكَيوركَي بعد أن تتوفى أمهما الكونتيسة يلينا، ففي السفط الأول صولجان إذا رفعه ينشق البحر وإذا أنزله يرى كل ما يوجد في اللُجة. والثاني فيه جناحان إذا ربطهما يحملانه إلى حيثما يشاء، وسيعرف هناك كل ما يرغب في معرفته. وفي المقابل هناك شقيقتان جميلتان يأخذانهما قسراً إلى الشمس وفي اليوم الثاني غاصا بهما إلى البحر الهائج لكن الرمح ثلاثي الشوكات صرعهما ثم صرع الشقيقتين وتحوّلا إلى صخرتين تحكيان مصير من يحاول الاستيلاء عنوة على شيء ما من النفس البشرية.
يمكن أن تؤخذ حكاية «عائشة الأبيّة» على أكثر من مَحمل فهي تعالج ثنائية الحُب والكبرياء، واللين والصلابة كما تنطوي على نهاية مفاجئة فبعد أن يرفض الفتى الذهاب إليها والانحناء أمامها قبل أن يطلب يدها للزواج تذهب إليه لكنها تطعنه بخنجرها في صميم القلب.
لا يخلو بعض الحكايات من نَفَس فكاهي وربما تكون حكاية «ينبوع أي - بيتري» خير أنموذج لما نذهب إليه، فالزوج التسعيني الذي قرّر أن يجمع الحطب ويبيعه ليؤمّن تكاليف جنازته قد شرب من ينبوع الشباب فعاد فتى يافعاً، وبينما هو في الطريق إلى بيته شاهد امرأة عجوزا تبحث عن زوجها الطاعن في السن فدلّها على ينبوع الماء فشربت منه بنهم وعادت طفلة صغيرة. وحينما يئس العجوز من العثور على زوجته التي ذهبت كي تبحث عنه سمع صوت طفل في الغابة فحمله إلى البيت، وعند حلول الفجر كانت دهشة كبيرة وهو يرى أن الطفل الذي يحمله بين يديه ملفوف بأسمال زوجته العجوز التي شربت من ينبوع الشباب أكثر مما ينبغي.
تناقش كل حكاية ثيمة محددة فحكاية «الحصن الطويل» تركّز على جشع التاجر الملقب بالفيل الذهب الذي اشترى القمح من الفلاحين ليبيعه في السنة الجدباء بأسعار مضاعفة لكن السائح الروسي الذي مرّ من هناك نصحهم بأخذ الحبوب بالقوة فهم كُثر وهو واحد الأمر الذي شتّت الحرّاس وجعله يدفن رأسه في القمح ويواجه مصيره المحتوم. تتواصل الثيمات، والشذرات، والالتماعات التي تأخذ شكل الحِكم، والأقوال المأثورة، والصور الشعرية التي لا تبرح الذاكرة وهي ترصد قصص الحُب والغرام، والطمع والجشع، والتضحية والإيثار وما إلى ذلك من قيم وأعراف نبيلة، ومشاعر وطنية دفّاقة يعتز بها مواطنو شبه جزيرة القرم.
لا بد من الإشارة إلى أنّ المترجم حسن البياتي قد بذل جهداً كبيراً في ترجمة هذه الحكايات الأسطورية، وحافظ على الأسلوب الذي وردت فيه بلغته الأصلية «الروسية» إلاّ ما كان يتعارض وطبيعة اللغة العربية. ولو وضعنا المصادر الروسية جانبا فإن المترجم نفسه قد زار لعشر مرات العديد من الأماكن والمدن التي وقعت فيها أحداث الحكايات وما خلّفته من آثار شاخصة تركت أثرها الواضح على المترجم قبل أن يفقد بصره في حادث مؤسف ليترجم لنا هذه الحكايات الأسطورية التي توحي لقارئها وكأنها مكتوبة باللغة العربية مباشرة.



مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.