اتحاد الكرة الإنجليزي مطالب بتغيير معايير التعامل مع الحوادث العنصرية

الغموض في تحديد تبعات المذنب والميل للمصالحة على حساب العقاب الصارم ينذران بالخطر

شيلفي لاعب نيوكاسل تعرض لعقوبة لتلفظه بعبارات مسيئة (رويترز)  -  روديغر لاعب تشيلسي كان آخر ضحايا العنصرية في مباراة توتنهام (رويترز)
شيلفي لاعب نيوكاسل تعرض لعقوبة لتلفظه بعبارات مسيئة (رويترز) - روديغر لاعب تشيلسي كان آخر ضحايا العنصرية في مباراة توتنهام (رويترز)
TT

اتحاد الكرة الإنجليزي مطالب بتغيير معايير التعامل مع الحوادث العنصرية

شيلفي لاعب نيوكاسل تعرض لعقوبة لتلفظه بعبارات مسيئة (رويترز)  -  روديغر لاعب تشيلسي كان آخر ضحايا العنصرية في مباراة توتنهام (رويترز)
شيلفي لاعب نيوكاسل تعرض لعقوبة لتلفظه بعبارات مسيئة (رويترز) - روديغر لاعب تشيلسي كان آخر ضحايا العنصرية في مباراة توتنهام (رويترز)

من الممكن أن يسهم السفر في توسيع أفق المرء؛ لكن بعض الرحلات بالتأكيد ليست لأصحاب القلب الضعيف. ولدى التجول عبر أرجاء الموقع الإلكتروني لاتحاد الكرة الإنجليزي، يمكن الاطلاع على الأسباب القائمة خلف قراراته التأديبية بخصوص قضايا عنصرية، وهي أسباب تفتح الباب على عالم غير لطيف، ومن الأفضل تركها للمستكشفين الجسورين.
ومع هذا، فإنه بعد قليل من التفكير ربما نجد من الضروري أن يخوض الجميع هذه الرحلة؛ خصوصاً في ظل الحوادث العنصرية المتوالية بالملاعب، ربما يتعين على الجماهير دراسة الحجج المطروحة، والتي تتسم بعض الأحيان بالتعقيد، والتعرف على التفاصيل الدقيقة خلف قرار معاقبة اللاعب جونجو شيلفي، لاعب نيوكاسل، بالحرمان من اللعب خمس مباريات، وتغريمه 100 ألف جنيه إسترليني، لتوجيهه إهانات عنصرية لرومان سايس، لاعب وولفرهامبتون واندررز، عام 2016. والقرار المشابه بإيقاف سوفي غونز لإصدارها صيحات تشبه أصوات القردة، في وجه رينييه هكتور، الربيع الماضي.
يبدو الوقت ملائماً للبدء في نقاش حول ما إذا كان عبء الإثبات الذي يقره اتحاد الكرة الإنجليزي - المعتمد حالياً على المعيار المدني القائل بـ«توازن الاحتمالات»، وليس الجنائي القائم على فكرة «ألا يقبل الشك» - لا يزال مناسباً.
في وقت نشهد فيه تفاقماً في الحوادث العنصرية، يبذل اتحاد الكرة مجهوداً مشكوراً من أجل تعزيز التسامح. ويتعلق جزء من هذا الدور بالتعامل بصرامة كاملة مع التجاوزات، مع فرض عقوبات قاسية ضد المخطئين. ومن الضروري أن يجري التعامل بجدية مع المعاناة التي تعرض لها الضحايا، وأن يرى الجميع إنفاذ العدالة.
ومع هذا، فإنه في ظل التداعيات المدمرة واسعة النطاق التي قد يتعرض لها المذنبون على الصعيدين الشخصي والمهني، وحقيقة أن القضايا غالباً ما تكون مربكة ومحيرة ومتناقضة، فإن ثمة مخاوف إزاء المستوى المطلوب حالياً لإقرار دليل إثبات.
وفي ظل الإصرار الشديد من جانب شيلفي وغونز على أن قرار إدانتهما كان خاطئاً، هل من الممكن أن يكتسب الكيان التأديبي داخل اتحاد الكرة مصداقية أكبر، من خلال إقرار معيار «الشعور بالارتياح إزاء الإدانة» (معيار يفوق «توازن الاحتمالات» قوة؛ لكنه أقل قوة عن معيار «لا يقبل الشك») الذي تعتمد عليه محكمة التحكيم الرياضية في قضايا تعاطي المنشطات؟
من جانبه، يبدي أنغوس كينير، المدير الإداري لنادي ليدز يونايتد، تفضيله معيار «لا يقبل الشك». جدير بالذكر أن حارس مرمى النادي، كيكو كاستيلا، من المقرر أن يمثل قريباً أمام لجنة مستقلة من اتحاد الكرة تتولى مهمة اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان ينبغي تأييد التهمة الموجهة إليه بإهانة لاعب تشارلتون، جوناثان ليكو، على نحو عنصري. وإذا ما خلصت اللجنة إلى أن كاستيلا مدان بالجرم الذي ينفيه، فإنه قد يتعرض للإيقاف لما بين 6 و12 مباراة، الأمر الذي قد يعرض آمال ليدز يونايتد في الصعود للخطر.
من ناحيته، قال كينير: «ندعم بشكل كامل إخضاع مثل هذا الزعم الخطير لعملية تأديبية؛ لكن قلقنا ينصب على مسألة أن عبء الإثبات خلال جلسات الاستماع التي يعقدها اتحاد الكرة لا تعمد على مبدأ (لا يقبل الشك). ونعتقد أنه في حالة بمثل هذه الخطورة، من المناسب اعتماد مستوى أعلى لدليل الإثبات؛ خصوصاً أن سمعة رجل على المحك».
وربما لديه وجهة نظر وجيهة هنا. جدير بالذكر أن شيلفي، لاعب نيوكاسل يونايتد، جرى اتهامه بأنه وصف سايس - لاعب خط الوسط الفرنسي من أصول مغربية - بأنه «عربي أو مغربي غبي». أما غونز، مهاجمة فريق السيدات في شيفيلد يونايتد، فيقال إنها أطلقت أصوات تشبه صيحات القرود في وجه هيكتور، مختلطة العرق. في كلا الحالتين، فإن غياب أدلة إثبات قوية جعل من غير المحتمل أن تشرع هيئة ادعاءات التاج في إجراءات جنائية ضد اللاعبين.
إلا أن هذا لا يعني بالضرورة خطأ قراري الإدانة الصادرين عن لجنة اتحاد الكرة؛ لكنهما يبدوان أقل صلابة في مواجهة محاولات التشكيك. وبعد قراءة الأسباب المكتوبة للقرار، لا يبدو من المستحيل أن غونز أصدرت أصوات طفولية استفزازية بخلاف أصوات القرود، للسخرية من وزن هيكتور أثناء قفزها لتلقي كرة بالرأس.
أما دفاع شيلفي بأنه وصف سايس بأنه «أحمق كريه الرائحة»، وليست شتيمة عنصرية، فقد واجه تعقيداً تمثل في أن لاعب خط وسط وولفرهامبتون واندررز الذي لا يتحدث الإنجليزية لم يسمع شيئاً، وإنما تقدم بالشكوى لاعبون من فريق الخصم سمعوا في وقت سابق شيلفي يصفهم بالفلاحين، مع تباهيه بتلقيه أجراً أعلى منهم بكثير. من ناحيته، قال شيلفي: «لم أقل ذلك؛ لكني سأعيش دوماً مع هذا الأمر. وسأكمل حياتي مع ناس يصفونني بالعنصري».
أما غونز، فقد هجرت كرة القدم تماماً، وانتقدت هي أيضاً لجنة اتحاد الكرة. وقالت: «كانت محاكمة بلا معنى ولا عدالة. ليست لدي ثقة في اتحاد الكرة».
ومن المؤكد أن هذا وصف لن يرضي المحامين واللاعبين والمدربين السابقين الذين يشكلون لجاناً تنظيمية مستقلة، تقيم الأدبة وتستمع إلى الشهود. ومن بين أعضاء مثل هذه اللجان لاعبون أصبحوا لاحقاً محامين، مثل أودو أونويري، وستيوارت ريبلي، وغاريث فاريلين، علاوة على محترفين سابقين، مثل مارفين روبنسون، وتوني أغانا. ومن بين الأعضاء من السيدات المحامية أريشا هاشمي.
من المقرر أن يمثل كاستيلا أمام واحدة من هذه اللجان قريباً، وكذلك مارك سامبسون، فبعد ترقية مدرب الفريق الأول في ستيفينيدج بفترة قصيرة ليصبح القائم بأعمال المدرب في سبتمبر (أيلول)، تلقى اتحاد الكرة شكوى من عضو تم طرده حديثاً، كان فريق العمل المعاون للمدرب السابق، دينو مامريا. وزعم أن سامبسون رفض ضم مدافع للنادي لأنه نيجيري. من جهته، ينفي مدرب منتخب إنجلترا للسيدات السابق الاتهام الموجه إليه، ويصر على أنها شكوى كيدية.
وبالنظر إلى ماضي سامبسون - تحديداً التعليقات التي تنطوي على تمييز والتي وجهها إلى آني ألوكو ودرو سبنس - من الممكن حال إدانته هذه المرة أن تتضرر مسيرته المهنية بشدة. ويضع هذا بدوره مسؤولية كبرى على عاتق اللجنة التأديبية الموكلة بالنظر في الأمر، ويزيد الحافز لرفع مستوى قوة دليل الإثبات اللازم لإصدار قرار بالإدانة.
وينبغي أن ينظر أنصار رفع مستوى الدليل إلى «ما لا يقبل الشك» إلى الإساءة المزعومة من جانب فيرناندو فورستيري ضد كريستيان بيرس.
في مارس (آذار)، خلصت محكمة جنائية إلى أن مهاجم شيفيلد وينزداي ليس مداناً بتوجيه إهانات عنصرية ضد مدافع مانسفيلد. ومع هذا، صدرت إدانة بحق اللاعب في يوليو (تموز) من جانب اتحاد الكرة، بإساءة السلوك، وحرم من المشاركة في ست مباريات.
وبرر اتحاد الكرة هذا التباين الفاضح، بالإشارة إلى تعليق القاضي بأن غياب دليل داعم يعني أنه يتعين عليه قبول أنه كان أمراً ممكناً، وإن كان في حكمه الأخير قضى بعدم الإدانة.
في القانون - كما الحياة - يصعب الوصول إلى الكمال والمثالية؛ لكن معيار «الارتياح تجاه الإدانة» يبدو حلاً وسطاً عادلاً.
لقد دعت الأحداث العنصرية المتتالية بالأسابيع الأخيرة بالملاعب، الحكومة البريطانية للتدخل من أجل البدء في إجراء تحقيق في ظاهرة قد تهدد مستقبل كرة القدم بالبلاد.
وكانت مباراة توتنهام وتشيلسي الأسبوع الماضي قد توقفت لدقائق، عقب شكوى من المدافع الألماني أنطونيو روديجر لاعب تشيلسي، بعد سماعه لهتافات عنصرية من جانب بعض جماهير توتنهام.
وذكرت رابطة لاعبي كرة القدم الإنجليزية المحترفة: «نطالب بتحقيق حكومي في العنصرية داخل ملاعب كرة القدم، وتشكيل مجموعة تمثل كل الأطراف في وزارة التكنولوجيا الرقمية والثقافة والإعلام والرياضة».
وأعلن نادي توتنهام أنه سيفتح تحقيقاً من جانبه، وسيتخذ إجراءات للعثور على المتهمين، بينما تم الاحتجاج على برتوكول الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حول العنصرية لأول مرة في الدوري الإنجليزي، مع الإعلان عن نظام مكبرات الصوت.
وذكرت رابطة اللاعبين المحترفين: «من الواضح أن لاعبي كرة القدم باتوا هدفاً للعنصرية الصارخة المنتشرة حالياً في البلاد؛ لكنهم ليسوا وحدهم». وتابعت: «تقف رابطة اللاعبين المحترفين بجانب كل لاعب يواجه التمييز العنصري. سنواصل الكفاح نيابة عنهم لمحاربة هذه القضية إلى الأبد».
وأمام كل هذا الضجيج، على اتحاد الكرة أن يراجع معاييره التي تتساهل مع المخطئ، بدلاً من إصدار عقاب صارم.


مقالات ذات صلة

بريطانيا: احتجاز ناشط مناهض للإسلام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب

أوروبا الناشط البريطاني تومي روبنسون (رويترز) p-circle

بريطانيا: احتجاز ناشط مناهض للإسلام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب

قال ناشط بريطاني مناهض للإسلام إن السلطات احتجزته في مطار هيثرو، السبت، وصادرت هاتفه بعد نشره منشورات تناولت أعمال شغب عنصرية شهدتها آيرلندا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جيم راتكليف المالك المشارك لنادي مانشستر يونايتد (رويترز)

جيم راتكليف: لم أقصد أن تكون تصريحاتي عن المهاجرين «استفزازية»

قال المالك المشارك لنادي مانشستر يونايتد إن تصريحاته المثيرة للجدل، التي قال فيها إن بريطانيا «استُعمرت بالمهاجرين»، لم تكن تهدف إلى إثارة الغضب أو التحريض.

The Athletic (مانشستر)
رياضة عالمية مارك غيهي مدافع مان سيتي (إ.ب.أ)

مان سيتي يدين الإساءة العنصرية ضد سيمينيو وغيهي

أدان نادي مانشستر سيتي الإساءات العنصرية التي استهدفت الثنائي أنطوان سيمينيو ومارك غيهي خلال وبعد مباراة الفريق التي انتهت بالتعادل 3 - 3 أمام إيفرتون.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
رياضة عالمية نجمة تنس الطاولة الألمانية أنيت كوفمان (رويترز)

لاعبة تنس الطاولة الألمانية أنيت كوفمان أحدث ضحايا خطابات الكراهية

اتسع نطاق خطابات الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي حتى وصل إلى حد استهداف لاعبي رياضة تنس الطاولة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الجناح الدولي الأرجنتيني لنادي بنفيكا البرتغالي جانلوكا بريستياني (أ.ف.ب)

إيقاف بريستياني لاعب بنفيكا 6 مباريات بسبب «العنصرية»

أوقف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) الجناح الدولي الأرجنتيني لنادي بنفيكا البرتغالي جانلوكا بريستياني ست مباريات الجمعة، بينها ثلاث مع وقف التنفيذ.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.