هل يستطيع أرتيتا وأنشيلوتي إصلاح الخلل في آرسنال وإيفرتون؟

المدربان الجديدان بين مطرقة إشكاليات التوقيت وسندان تغيير الطاقم الفني

TT

هل يستطيع أرتيتا وأنشيلوتي إصلاح الخلل في آرسنال وإيفرتون؟

تولى المدير الفني الإيطالي كارلو أنشيلوتي قيادة إيفرتون، وعاد ميكيل أرتيتا إلى ملعب «الإمارات» لقيادة فريقه السابق آرسنال وسط تطمينات بإنفاق الكثير من الأموال على تدعيم صفوف الفريقين خلال الفترة المقبلة وإحداث تغيير كبير والبدء بمشروع جديد. لكن لا أحد يعرف إلى أين ستسير الأمور في إيفرتون وآرسنال خلال الفترة المقبلة؟ وهل كان هذا التوقيت مناسبا لإسناد المهمة لهذين المديرين الفنيين؟
في البداية، يجب التأكيد على أن كلا من أنشيلوتي وأرتيتا يمتلكان قدرات هائلة ويحظيان باحترام كبير، كما أن أنشيلوتي على وجه التحديد يمتلك خبرات كبيرة للغاية في عالم التدريب. ومن الممكن أن ينجح كلا المديرين الفنيين من دون قيد أو شرط، في حين هناك نقطتان يجب التأكيد عليهما: أولاهما أن الأمر يبدو وكأن الأدوار قد عُكست؛ بمعنى أن أنشيلوتي الذي يمتلك خبرات كبيرة للغاية ولديه صولات وجولات في دوري أبطال أوروبا كان مناسبا لتولي القيادة الفنية لنادي آرسنال، في حين يبدو أرتيتا خيارا مناسبا لنادي إيفرتون، نظرا لأنه مدير فني شاب وطموح وتتمثل كل خبراته في أنه كان يعمل مساعدا للمدير الفني ولم يشغل من قبل منصب المدير الفني لأي فريق!
لكن طريقة تعامل إيفرتون مع ملف المدير الفني تغيرت تماما بعد فشل تجربة ماركو سيلفا، الذي تعاقد معه النادي بصفته مديرا فنيا شابا وطموحا لديه الكثير من الأفكار التي يسعى لتطبيقها مع الفريق. أما آرسنال فقرر قبل 18 شهرا من الآن التعاقد مع المدير الفني الإسباني أوناي إيمري صاحب الخبرات الكبيرة، والذي كان يُنظر إليه آنذاك على أنه المدير الفني المناسب للمدفعجية، لكن إيمري هو الآخر فشل في إعادة آرسنال للطريق الصحيح ورحل عن ملعب «الإمارات».
وشوهد مسؤولا آرسنال فيناي فينكاتيشام وحسين فهمي - وهما نفس الثنائي الذي تعاقد مع نيكولاس بيبي وديفيد لويز - خارج منزل أرتيتا عند الساعة الحادية والنصف صباحاً تحت ستار من السرية الفاشلة. وقام إيفرتون بنفس العملية من أجل إنهاء التعاقد مع المدير الفني الإيطالي المخضرم.
وفي الوقت الذي سيعمل فيه أرتيتا على تحسس خطواته الأولى في العمل كمدير فني في بطولة قوية مثل الدوري الإنجليزي الممتاز، ينظر البعض إلى أنشيلوتي على أنه يشبه المدير الفني السابق لآرسنال أرسين فينغر في عام 2009 عندما بدأ في التراجع، لكن آخرين يرون أن أنشيلوتي من الممكن أن يكون أعظم صفقة عقدها إيفرتون في تاريخه.
ومع ذلك، فإن التعاقد مع أنشيلوتي وأرتيتا يعد في المقام الأول بمثابة دليل إضافي على الطبيعة الهشة وغير المدروسة للكثير من القرارات المتعلقة بالتعاقد مع المديرين الفنيين في الكثير من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، وهذه هي النقطة الثانية التي أود التأكيد عليها. قد لا يكون هناك الكثير من التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر الآن، لكن الحقيقة تظل تتمثل في أنه لا يوجد دليل ملموس يدعم فكرة أن أيا من هذه التعيينات سوف ينجح على أرض الواقع.
من المؤكد أن الاعتماد على «الحدس والمشاعر» مهم أيضا في مجال الرياضة، لكن الاعتماد على هذا الأمر يعد مغامرة كبيرة للغاية، كما هو الحال في إسناد مهمة تدريب آرسنال لميكيل أرتيتا، الذي لا يملك أي خبرة في مجال التدريب ولم يشرف على قيادة أي فريق من قبل بصفته الرجل الأول، لكنه وجد نفسه بين عشية وضحاها يقود أغنى تاسع ناد في العالم، وربما لا يملك هو نفسه أي فكرة عن كيفية حدوث ذلك!
وحتى فكرة إسناد مهمة تدريب آرسنال لأحد «أساطيره» السابقين ليست سليمة إلى حد بعيد هنا، بالإضافة إلى أن نجاح أي لاعب مع الفريق لا يعني أنه سيكون مديرا فنيا ناجحا، لأن مقومات التدريب تختلف تماما عن مقومات اللعب.
أما أنشيلوتي فهو مدير فني يمتلك اسما كبيرا للغاية في مجال التدريب، وبالتالي فإن الأمر يختلف كثيرا فيما يتعلق بتعيينه مديرا فنيا لإيفرتون. وعلى الرغم من أن المسيرة التدريبية للمدير الفني الإيطالي المخضرم تمتد على مدار 23 عاماً، فإنه لم يشرف على قيادة أي فريق خلال تلك الفترة بنفس المستوى الحالي لنادي إيفرتون، ومن المؤكد أنه لم يكن يقبل بهذه المهمة لو تلقى عروضا من أندية أفضل؛ ففي تجربته مع نادي بارما، كانت مهمته الأولى تتمثل باللعب بطريقة تسمح باستيعاب نجمي الفريق في ذلك الوقت جيانفرانكو زولا وخريستو ستويتشكوف. وفي يوفنتوس، كانت مهمته الأولى تتمثل في إيجاد بديل للنجم الفرنسي زين الدين زيدان. وعلاوة على ذلك، تعاقد ريال مدريد مع غاريث بيل ليلعب إلى جانب كريستيانو رونالدو في أول صيف لأنشيلوتي مع النادي الملكي.
وفي نابولي، تولى أنشيلوتي قيادة فريق يضم الكثير من العناصر الموهوبة والطموحة ويحتل مركزا جيدا في منتصف جدول ترتيب الدوري الإيطالي الممتاز، بل إنه قادر على المنافسة، لكنه انحرف عن المسار الصحيح لفترة طويلة، قبل أن يتعرض للإقالة. والآن، هل تشبه أي من هذه التجارب المهمة الحالية لأنشيلوتي مع نادي إيفرتون؟
وعلاوة على ذلك، هناك نقطة أخرى يجب الإشارة إليها وهي أن أنشيلوتي لا يستمر لفترة طويلة مع الأندية التي يتولى تدريبها، حيث يعد إيفرتون هو خامس ناد يعمل به المدير الفني الإيطالي خلال تسع سنوات، حيث لم يستمر سوى 77 مباراة مع باريس سان جيرمان و60 مباراة مع بايرن ميونيخ و73 مباراة مع نابولي. ويمكن القول إن أنشيلوتي قد حقق كل شيء في عالم التدريب، ما عدا بناء فريق قوي على المدى الطويل، أو قيادة فريق يلعب في منتصف جدول الترتيب ومساعدته على المنافسة بشكل قوي، وهي الأمور التي يحتاج إليها إيفرتون بقوة الآن! صحيح أنه مدير فني يتسم بالذكاء الشديد والشخصية الجذابة والشهرة الكبيرة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل هذه الصفات مهمة الآن في مسيرته مع إيفرتون؟
ليس سرا أن إيفرتون يعاني من انقسام واضح في مجلس الإدارة، كما يعاني من الكثير من المشاكل الداخلية. وفي نهاية هذا الأسبوع، شاهد مدير الكرة بنادي إيفرتون مارسيل براندز، لاعباً اشتراه من أجل أن يقدم الإضافة للفريق على المدى الطويل وهو يتم إذلاله من قبل المدير الفني المؤقت الذي كان يقود الفريق خلفا لمدير فني لم يكن له أي رأي في التعاقد مع هذا اللاعب من الأساس، وهذا مجرد مثال بسيط على المشاكل التي يواجهها النادي في الوقت الحالي. وعلاوة على ذلك، بات إيفرتون ينفق الأموال بشكل غريب على التعاقد مع اللاعبين الموهوبين بغض النظر عن مدى احتياجه لهم أو قدرته على توظيفهم بشكل جيد والاستفادة من قدراتهم. إن الفكرة القائلة بأن وضع أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية لإيفرتون سوف يؤدي إلى التخلص من كل هذه الفوضى تبدو فكرة متفائلة بشكل مثير.
في الوقت نفسه، يعاني آرسنال من حالة من الفوضى أكثر وضوحا، حيث قام هذا النادي بـ«تفكيك» النظام القديم الذي كان يعتمد عليه من أجل ملء الفراغ الذي حدث بعد رحيل المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر، الذي أشرف على قيادة النادي لسنوات طويلة وكان هو من يهتم بأدق التفاصيل، وبالتالي تسبب رحيله بحدوث فجوة هائلة من الصعب التعامل معها.
ودائما ما تتم الإشادة بنادي مانشستر سيتي، على سبيل المثال، لأنه يتبنى سياسة واضحة فيما يتعلق بالتعاقدات الجديدة تتجاوز الأشهر الستة المقبلة. كما تتم الإشادة بنادي ليفربول بسبب اعتماده على المعلومات والبيانات الدقيقة فيما يتعلق بالتعاقدات الجديدة، وبسبب التزامه بخطة واضحة ومتماسكة فيما يتعلق بإدارة أعماله العالمية والتي تصل قيمتها إلى 450 مليون جنيه إسترليني.
ويؤكد كل من يعرف أرتيتا جيدا على أنه يمتلك شخصية قوية للغاية ولا يخاف من مواجهة المشاكل. لكن وكما هو الحال مع أنشيلوتي في تجربته مع إيفرتون، فإن السؤال الحقيقي قد يتعلق بالمساحة التي ستتاح له العمل فيها، وإلى أي مدى يستطيع المدير الفني أن يطبق سياسته وفلسفته.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.