انطلاقة كبرى في عصر «خدمات التدفق»

منافسة حامية لاجتذاب جمهور المسلسلات والأفلام عبر الإنترنت

تمرّ هوليوود بتحوّل زلزالي كل ثلاثة عقود
تمرّ هوليوود بتحوّل زلزالي كل ثلاثة عقود
TT

انطلاقة كبرى في عصر «خدمات التدفق»

تمرّ هوليوود بتحوّل زلزالي كل ثلاثة عقود
تمرّ هوليوود بتحوّل زلزالي كل ثلاثة عقود

كل ثلاثة عقود، أو مرّة كلّ جيل، تمرّ هوليوود بتحوّل زلزالي. ففي العشرينات، تحوّلت الأفلام من صامتة إلى متكلّمة؛ وفي الخمسينات، برز عصر البث التلفزيوني؛ وفي الثمانينات، حصل انفجار خدمات الكابل.
وها هي التحولات الكبيرة تحصل من جديد، فقد حان وقت «ثورة التدفّق» التي طال انتظارها، والقفزة التالية في عالم الترفيه... نعم، حصلت وأخيراً. (التدفق streaming هو وسيلة بث أو استقبال للبيانات وخصوصا العروض والمرئية والصوتية، عبر شبكات الحاسوب، على شكل سيل مستمر متواصل، تسمح للمشاهدين بوقف المشهد وإعادة المشاهد السابقة).
تدفق العروض
لا شكّ في أنّ خدمات التدفّق تشكّل منذ سنوات، تحدياً للوضع القائم الذي فرضته هوليوود. فقد بدأت نتفليكس Netflix بعرض أفلام وبرامج تلفزيونية منذ عام 2007، ونمت حتّى تحوّلت إلى شركة عملاقة أنفقت 12 مليار دولار خلال العام الجاري على البرمجة لتقديم محتوى ترفيهي لـ166 مليون مشترك حول العالم.
وفي سياق متصل، كشفت شركة «باركس أوسوشيتس» البحثية أنّ الولايات المتحدة تضمّ 271 خدمة فيديو، وكلّ واحدة متخصّصة في موضوع معيّن: «بونغالو» Pongalo للمسلسلات، و«آيرو سينما» AeroCinema لوثائقيات الطيران، و«شادر» Shudder لأفلام الرّعب، و«هورس لايف ستايل» Horse Lifestyle للمحتوى الخاص بمحبّي الخيل والفروسية.
وبينما كان هذا التعاظم يحصل، بقيت أكبر شركات الوسائط التقليدية، مثل ديزني و«إن بي سي يونيفرسال» و«وارنر ميديا» مكانها. إذ إنّ الدخول في معركة خدمات التدفّق يعني إنفاق مليارات الدولارات التي تكسبها شبكات الكابل كـ«يو إس إي» وقناة ديزني و«تي بي إس»، ما سيعرّضها للخطر، لا سيما أن بناء منصّات للفيديو بحجم يجعلها قادرة على منافسة نتفليكس وأمازون يتطلّب تكلفة مخيفة.
كما أنّ إتقان التقنية التي تبنى عليها هذه المنصّات يتطلّب تحوّلاً علمياً شاقاً. ولكن عندما اتضح أنّ حماية نموذج العمل القائم سيكون محفوفاً بالمخاطر أكثر من مواكبة المستقبل، مهما كانت هذه المواكبة مدمّرة في المدى القريب، عزمت هذه الشركات على التحرّك.
خدمات جديدة
وبدا أن الوقت قد حان الآن، لأنّ كلّ شيء يتغيّر. ويقول بريت سابينغتون، محلّل وباحث رئيسي في شركة «باركس أسوشيتس»، إنّ «الناس يسألونه دائماً: إلى أين سيصل هذا الأمر؟ ومتى سيتوقّف؟ والحقيقة هي أنّه بدأ للتوّ».
- خدمة «ديزني بلاس» Disney Plus انطلقت الشهر الماضي باشتراك متواضع (6.99 دولار في الشهر)، أي أقلّ من سعر وجبة فشار في واحدة من كبريات دور السينما.
تتيح هذه الخدمة لأي شخص لديه اتصال إنترنت سريع مشاهدة إنتاجات ديزني وبيكسار، و«حرب النجوم»، وأفلام مارفل، إلى جانب المسلسلات والأفلام الأصلية، و30 موسما من سلسلة «ذا سيمبسونز»، و7500 حلقة من برامج تلفزيونية تحمل علامة ديزني.
وفي احتفال أقيم للإعلان عن الخدمة الجديدة في أبريل (نيسان)، قال روبرت آي إيغر، الرئيس التنفيذي في ديزني: «جميعنا سننضمّ». وفي اليوم التالي على إطلاق الخدمة، صرّحت ديزني أنّ أكثر من 10 ملايين شخص اشتركوا بالخدمة، على الرّغم من أنّ المحلّلين كانوا قد توقّعوا أن يصل الرقم بصعوبة إلى ثمانية ملايين بحلول نهاية العام.
- تعتزم «وارنر ميديا» في مايو (أيار) المقبل، تقديم خدمة «إتش بي أو ماكس» HBO Max (14.99 دولار في الشهر)، التي ستقدّم للمشترك 10000 ساعة من الترفيه المباشر، وتضمّ عناوين كـ«فريندز» و«ساوث بارك» ومئات من أفلام «وارنر بروس»، أهمّها جميع نسخ الرجل الوطواط، بالإضافة إلى مكتبة «إتش بي أو»، وما يقارب 50 عاماً من حلقات «شارع سمسم»، ووثائقيات «سي إن إن». في حدث ترويجي لهذه الخدمة نُظم في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، قال جون ستانلي، الرئيس التنفيذي في «وارنر ميديا»: «جميعنا سننضمّ».
- كما أن لـ«إن بي سي يونيفرسال» حصّتها من خدمات التدفّق أيضاً، إذ إنّها تعتزم إطلاق منصّتها «بيكوك» Peacock في الربيع المقبل. وتخطط الشركة عبر خدمتها، لتقديم 15000 ساعة من المحتوى، تضمّ عناوين كـ«ذا أوفيس» و«فريزر»، وأفلام من إنتاج يونيفرسال كـ«فاست آند فوريوس» و«ديسبيكابل مي»، وبرامج «تيليموندو»، وجميع حلقات برنامج «ساتورداي نايت لايف»، مع إنتاج جديد من «باتل ستار غالاكتيكا». وعلى عكس ديزني بلاس و«إتش بي أو ماكس»، لن تكون «بيكوك» خالية من الإعلانات. وتتوقع «إن بي سي يونيفرسال» الإعلان عن تفاصيل الأسعار خلال حدث ستنظّمه في الأشهر المقبلة.
- خدمة «أبل». ومع إطلاق الشركات الكبرى الثلاث لمنصات الفيديو الخاصة بها، تشتدّ المنافسة من جهة سيليكون فالي أيضاً. فقد أعلنت أبل عن تشغيل «أبل تي في بلاس» Apple TV Plus في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في الوقت الذي تصمم فيه منصتا «فيسبوك» وسنابتشات أيضاً على التحوّل إلى قوى كبرى في عالم محتوى الفيديو، ولا تستبعدوا يوتيوب أيضاً، أحد أفراد عائلة غوغل.
- هل تشعرون برغبة في مشاهدة بعض المقاطع القصيرة وأنتم تقفون في صفّ الانتظار في متجر البقالة؟ لا تقلقوا، يمكنكم الاستعانة بـ«كويبي» Quibi، شركة ناشئة متخصصة بالتدفّق، يترأسها ميغ ويتمان وجيفري كاتزنبرغ، ومن المقرّر أن تنطلق في أبريل المقبل.
باختصار، المعركة تهدف إلى الانقلاب على أسلوب هوليوود في إنتاج الأعمال كلّ عام.
اجتذاب المشتركين
وبدل الاعتماد على الوسطاء حصراً (وهم مشغلو أنظمة الكابل، وسلاسل دور العرض) لعرض البرامج والأفلام للمشاهدين، تسعى شركات الترفيه التقليدية وللمرّة الأولى، إلى بيع المحتوى للمستهلكين مباشرة. وكانت النتيجة أننّا رأينا تراجعاً في عدد الأفلام التي تطلقها الاستوديوهات في دور السينما.
وفي هذا الإطار، صرّحت «وارنر ميديا» أخيراً بأنّ «سوبر إنتليجنس»، فيلم كوميدي من بطولة ميليسا ماك آرثي، الذي كان سيطرح في دور العرض في ديسمبر (كانون الأول)، قد تأجّل حتّى الربيع، وسيعرض للمرّة الأولى عبر خدمة «إتش بي أو ماكس».
تشير الدراسات الأخيرة إلى أنّ تغييراً كبيراً يحصل بوتيرة سريعة إلى درجة أنّ المشاهدين أصبحوا يشعرون بأنهم مغلوبون على أمرهم وبشكل سلبي، وأنّ البعض باتوا يرون في حزمة الكابل خياراً أفضل لأنّها قابلة للتنظيم، على عكس خدمات التدفّق.
وكشفت دراسة نشرتها شركة «فلوينت» للتسويق الرقمي أنّ نحو 50 في المائة من المستهلكين يشعرون بالإحباط من ازدياد عدد خدمات الاشتراك المطلوبة للحصول على المحتوى الذين يرغبون بمشاهدته.
ولكنّ المحلّلين يرون أنّ زحمة خدمات التدفّق الجديدة سيدفع بالناس دون شكّ إلى إلغاء اشتراكاتهم بخدمات الكابل التقليدية.
منذ مدّة، تعمل نتفليكس وغيرها من شركات التقنية ومن بينها آبل وأمازون على جذب الكتّاب والمنتجين من الاستوديوهات وشبكات التلفزة التي يعملون فيها، من خلال تقديم عروض مالية مغرية. وقد وقع كل من كينيا باريس (بلاكيش)، راين مورفي (أميريكان هورور ستوري)، شوندا رايمس (غريس أناتومي)، دايفيد بينيوف ودي. بي. ويس (لعبة العروش)، جميعهم عقوداً للعمل مع نتفليكس، بعد أن سبقهم نجوم كآدم ساندلر وديفيد ليترمان. من جهتها، دفعت شركة «وارنر بروس» مبالغ طائلة لتضمن بقاء غريغ بيرلانتي، صاحب فكرة مسلسلات كـ«ذا فلاش» و«ريفرديل»، بالإضافة إلى توقيع اتفاق مشابه مع جي. جي. آدامز في سبتمبر (أيلول).

- خدمة «نيويورك تايمز».



«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.