جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً

يحيي مختار يستعيد روح النوبة في «إندو ماندو»

جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً
TT

جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً

جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً

تشكل جماليات الأثر والشغف بالمكان هاجساً محورياً في المجموعة القصصية «إندو ماندو»، للكاتب الروائي يحيي مختار. كما يأتي العنوان نفسه كعلامة نصية على هذا الهاجس، فهو يعني بالنوبية «هنا وهناك»، كاشفاً ما لحق بالنوبيين جراء موجات التهجير التي باعدت بينهم، وانتزعتهم قسراً من أرضهم وبيوتهم الحاضنة لوجودهم، ليعيشوا غربة مزدوجة بين الداخل والخارج، مشتتين بين ذواتهم وأحلامهم التي حملوها معهم في المهجر، ومعاناتهم في التأقلم والتكيف مع نمط حياة لم يعتادوها، وإحساسهم بأنهم أصبحوا غرباء حتى عن أنفسهم.
فمن تتبع المكان والشغف بروحه، وتتبع الأثر واستجلاء جمالياته وأسراره ورموزه في المكان نفسه، تجدل المجموعة بقصصها الأربع أيقونة جمالية أصبحت مفتقدة، تنعكس ظلالها على السرد، وتشكل بؤرة إيقاعه وحركته المنسابة بين دفتي الماضي والحاضر، بينما تبرز رمزية النهر (نهر النيل) كعلامة قطع ووصل بين الحياتين القديمة والجديدة، في ظل جدل حي بين الذاكرة وسيكولوجيتها الذاتية الحالمة، وبين النسيان وصراعها معه من أجل الحفاظ على الوجود النوبي وامتداده في الزمان والمكان، حتى ولو ظل وجوداً في الذاكرة. إنها إذن الغربة أو الاغتراب بالروح والبدن أيضاً، محاولة لترميم كينونة أصبحت مشققة مشروخة... أن تعيش زمناً وواقعاً فرض عليك بالقوة، وحياتك كلها معلقة في زمن آخر بالفعل... لكن ماذا تملك الذات لتصون وجودها داخل هذه الكينونة سوى الشغف بروح المكان، حتى لو كان مجرد ذكرى وعلامة وأثر غابر وصدى صوت يمر على البال كنسمة حانية.
«ليس الأمر احتمالَ أجساد أو قدرة أرواح، هناك ما يمكن أن يقال عن الاقتراب والاحتراق! إذا أردت أن تجد ما تبحث عنه، فعليك أن تحتضن كل شيء... وإن من يشعر بالظمأ الدائم، سيسعى إلى النهر من تلقاء نفسه»... خلاصة خبرة حياة ووجود تتناثر على لسان إمام مسجد القرية، يقدمها في شكل نصيحة مبطنة بغلالة صوفية وهو يجيب عن سؤال الراوي الحائر المفتون بعبقرية نحت معبدي رمسيس الثاني وزوجته نفرتاني في باطن الجبل بأبي سنبل. وذلك في قصة بعنوان «مشن موليه»، لنكتشف حكاية الجبلين المتفردين بتضاريسهما الاستثنائية، وعلاقتهما برحلة الشمس اليومية، وسر احتضانهما لهذين المعبدين خلفهما حتى اكتسبا كينونة خاصة، وأصبحا يعرفان باسم «سهم الشمس»، وهو الترجمة النوبية لاسم القصة. كما نكتشف أن هذين الجبلين هما امتداد لجبل المقطم في الشمال، في مسيرته نحو الجنوب... «كأنما يوثق الرباط بين الشمال والجنوب، كما وثقه النيل بمجراه وواديه».
يبرز هذا الولع بروح المكان بعين إنسانية أخرى تحاول التجاوز والتخطي لعتبة الزمن القديم، متجسداً في حوار مشبوب على لسان يوسف، الكاتب القاص الشاب المثقف بطل قصة «إندو ماندو» التي وسمت المجموعة، وهي القصة الأطول، حيث تمتد على 44 صفحة من أصل 68 صفحة يضمها الكتاب، وبها طرف من سيرة الكاتب نفسه. يخاطب يوسف زوجته مريم (الفنانة التشكيلية) في محاولة للتخفيف عنها من وطأة الشغف بالمكان والحنين الدائم إليه، لكنها رغم حرصها الشديد على أن يكون بيتهما «الكوني» الجديد في أرض الألج، شمال شرقي القاهرة، صورة طبق الأصل من بيتهما الغابر في قريتها النوبية، تظل مؤرقة تدور في فلك وجود ناتئ، تبحث فيه عن ما تسميه النسيان المستحيل، مدركة -كما يورد الكاتب السارد- أن «استمرارها في الحياة كإنسانة، وبقاء وتماسك قوام حياتها واتساقه حتى لا يتفتت وجودها... ضمان ذلك في التذكر، لا في النسيان»، وهي لا تعبأ كثيراً بمقولات يوسف التي يرددها عن النسيان، مؤكدة أنه غارق في ذكرياته، وأحياناً ينادي -ويكاد يصرخ- أن «دوره الأساسي فيما يكتب ألا ينسى الأهل قراهم القديمة وموطنهم وتربة وجودهم، لكنها مع ذلك تنصت إليه بعقلها، أما قلبها الذي يحبه فلا يزال يخفق بذكرياتهما هناك في بيت العائلة والأجداد... «لا نملك شيئاً إزاء صيرورة الحياة وتبدلها... لِم لا تحاولين النسيان؟! حقيقة أحدثك كثيراً عن ذلك، ولكن حاولي من جانبك. معرفتنا القديمة لحياتنا السابقة، لحياتنا هناك، يجب أن ترافقها قدرة مساوية على نسيانها... ينبغي أن يكون هناك تجاوز لتلك المعرفة... أعرف أن ذلك صعب، ولكني أعلم أن هذا هو الثمن الذي يجب سداده لجعل مجموعة رسوماتك ولوحاتك نوعاً من البداية الخاصة».
وعبر ضمائر السرد المتراوحة الشجية بين الحاضر والغائب، بين المفرد والجمع والمخاطب، يتناثر صراع النوبي مع الذاكرة والنسيان في المجموعة بصور وأنساق فنية مختلفة، ويتكثف حين يغادر منطقة المشاعر والأحلام العابرة، ليصبح صراع هوية ووجود، وهو ما يطالعنا على نحو لافت في قصة «الكرج»، وهو طبق فاكهة مصنوع من خوص النخيل، حوافه مبطنة بنوع خاص من الجلود، تصنعه أخت البطل هدية في يوم زفافه، فيحمله معه في موطنه الجديد بالمهجر... لا يقبع الطبق على رف مكتبة البطل قطعة «أنتيك» نادرة، وإنما يتحول إلى علامة هوية ووجود في المكان، يؤنسنه البطل ويتبادل معه الحوار، كأنه روح تحمل في وعائها صوراً لذكريات ومشاهد وأحلام حميمة تتجدد طقوسها كصيرورة حارة دافئة... «كان طبقاً شهياً قطع حوض الدار مئات المرات محمولاً على الأيدي التي تداولته حاوياً البلح والفشار تحية للضيوف، عابراً من المندرة إلى الديواني، ومن أمام الجوسية الذي يحوي خزين بلح العام، ليقطع رحلة أخرى إلى المصطبة خارج الدار، ليعود إلى المندرة».
ويبلغ صراع الهوية ذروته في حوار البطل مع ابنه الذي يرمز لطبيعة الجيل الجديد غير المكترث بتراث الأجداد وأصلهم ولغتهم، بل يضجر الابن من ذلك، فلا يملك الأب حفاظاً على ما تبقى من هويته في رمزية الطبق إلا أن يسلمه لرئيس جمعية التراث النوبي، ليبقى مع أقرانه من مقتنيات الجمعية شاهداً على عراقة هذا التراث.
ومن ثم، لا يتسم فضاء المجموعة بأنه طقس نوبي دافق، وترنيمة حياة منغلقة على نفسها سردياً، إنما يمتد في التاريخ والجغرافيا عبر رحابة إنسانية ومعرفية، لذلك يبرز الوصف كإحدى مناطق الجدارة الفنية في المجموعة، فرغم أنه وصف لا يخلو من نزعة توثيقية، فإنه مشغول دائماً بالمخزون البصري للمكان، يستحضره ويستجلي رموزه وأسراره، كأنه صورة حية نابضة في الذاكرة والوجدان.
ينهض الوصف على آلية البصر والبصيرة، في استرجاع المشاهد والصور وملامح البيئة، ليس فقط بقوة الذاكرة، وإنما بقوة معايشتها كحلم دائم التجوال في الزمن والتاريخ... يطالعنا ذلك في وصف تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني (ص67) وكأنه لوحة بصرية ساحرة. كما يمتد الوصف إلى تجسيد الشخصية النوبية، وما تتميز به من البساطة والألفة والتسامح وعشق الحياة ومواجهة ما يهددها من مخاوف ومخاطر... يطالعنا ذلك في قصة «شج فرن»، أو «ممر السيف» بالنوبية، الذي يربط بين قريتين في حضن الجبل، وكيف يتحول البطل من مجرد شاب يسبق أقرانه في الوصول إلى الممر، إلى ما يشبه البطل الشعبي بعد قتله التمساح الضخم الذي تحدى كل رصاصات غفير القرية، وظل يخيف الناس متخذاً من الرمال في نهاية الممر مكاناً لقيلولته المطمئنة، لكن التمساح يصرعه وتغوص جثته في النهر... لنصبح إزاء جدلية سردية شديدة التميز والثراء الدلالي، حيث تمتزج الشجاعة بمعنى التضحية، وتتكثف في التخمين بأن الجثة عبرت من القرية الأم مروراً بالقرى المجاورة حتى خزان أسوان الذي تسببت مشاريع تعليته في تهجير النوبيين، لتتحول مغامرة قتل التمساح إلى أنشودة استثنائية لبطولة تشارف الأسطورة... «توقعوا ظهوره عند قرى الشمال، فأقاموا الراصدين على طول الشاطئ ولم يظهر، توقعوا وصوله لبوابات الخزان في أسوان إذا لم يأكله السمك أو تنهش الحدآن جثته، وانتظروه عبثاً... طالت أيام وليالي الانتظار، حتى أيقنوا أنه ذاب وتلاشي بين (الجنينة والشباك) وخزان أسوان».
ومن ثم، فـ«إندو ماندو» ليست فقط مجموعة قصصية شيقة متميزة، إنما هي صيحة وجود سيظل من أجمل النوافذ للإطلالة على التراث المصري بثرائه وتنوعه الحضاري العريق.



شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.