من الفوضى إلى المنافسة على الصعود... كيف نهض فولهام من كبوته مرة أخرى؟

الفريق ظهر بمستوى مختلف تماماً في دوري الدرجة الأولى تحت قيادة باركر في ظل تألق كثيرين من نجومه

مهاجم الفريق الصربي ميتروفيتش سجل 23 هدفاً في 24 مباراة مع فولهام ومنتخب بلاده
مهاجم الفريق الصربي ميتروفيتش سجل 23 هدفاً في 24 مباراة مع فولهام ومنتخب بلاده
TT

من الفوضى إلى المنافسة على الصعود... كيف نهض فولهام من كبوته مرة أخرى؟

مهاجم الفريق الصربي ميتروفيتش سجل 23 هدفاً في 24 مباراة مع فولهام ومنتخب بلاده
مهاجم الفريق الصربي ميتروفيتش سجل 23 هدفاً في 24 مباراة مع فولهام ومنتخب بلاده

من المؤكد أن 12 شهراً هي فترة طويلة للغاية في عالم كرة القدم، ففي مثل هذا التوقيت من الموسم الماضي كان نادي فولهام يعاني بشدة، ويتذيل جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، بعد الخسارة ثماني مرات في تسع مباريات، وكان يلعب تحت قيادة المدير الفني الثاني له خلال ذلك الموسم. وبعد مرور عام، بات الفريق مختلفاً تماماً عما كان عليه، للدرجة التي تجعله يبدو وكأنه فريق آخر تماماً. لم يشارك في التشكيلة الأساسية لفولهام أمام سوانزي سيتي يوم الجمعة الماضية سوى أربعة لاعبين فقط من اللاعبين الذين شاركوا في آخر مباراة للفريق الموسم الماضي.
لكن هناك أشياء أخرى لم تتغير على الإطلاق، فلا يزال مهاجم الفريق الصربي ألكسندر ميتروفيتش يسجل كثيراً من الأهداف. ومنذ أغسطس (آب) الماضي، سجل المهاجم الصربي 23 هدفاً في 24 مباراة مع نادي فولهام ومنتخب بلاده. وعلاوة على ذلك، يتألق أبو بكر كمارا بشكل ملحوظ للغاية. فبعدما تعرض المهاجم الفرنسي للإيقاف وتم بيعه على سبيل الإعارة لأحد الأندية التركية بعد مشادة مع أحد موظفي الأمن في النادي في يناير (كانون الثاني) الماضي، تم إعادة دمج اللاعب في صفوف الفريق مرة أخرى في الصيف الماضي، ويبدو أنه عازم على نسيان هذه الفترة الصعبة، وتقديم مستويات رائعة تلفت أنظار الجميع.
ويشعر المسؤولون في نادي فولهام بأن المهاجم الفرنسي قد نضج تماماً منذ هذا الحادث، وبات أحد الأعمدة الرئيسية للفريق خلال الموسم الجاري. وسجل هدفين الشهر الماضي في مرمى كوينز بارك رينجرز، في غياب ميتروفيتش الذي سبق ودخل معه في مشادة خلال إحدى جلسات اليوغا الموسم الماضي. وقال سكوت باركر، المدير الفني لنادي فولهام: «يتعين عليك أن تتعامل مع أبو بكر كامارا بطريقة مختلفة، فالأمر يختلف كثيراً عن طريقة التعامل مع بعض اللاعبين الآخرين. لم يفعل أبو بكر أي مشكلة منذ أن توليت مسؤولية قيادة الفريق. ربما يكون التصور المأخوذ عن اللاعب في الخارج مختلفاً تماماً عن الواقع؛ لكن الحقيقة هي أنه لاعب محترم للغاية، ويحظى بحب واحترام زملائه في الفريق».
ولا يزال النادي يضم كثيراً من اللاعبين الذين تعاقد معهم في فترتي الانتقالات السابقتين. واستغنى النادي عن خدمات كل من فابري وجان ميكائيل سيري وأندريه فرانك زامبو أنجويسا على سبيل الإعارة، كما لم يعد بالإمكان رؤية ريان بابل بشعره الأحمر المميز، أو لازار ماركوفيتش بمظهره الغريب. أما اللاعبون الأربعة الذين نجوا بعد هزيمة الفريق الثقيلة أمام نيوكاسل يونايتد بأربعة أهداف دون رد في مايو (أيار) الماضي (ميتروفيتش، وألفي موسون، وجو برايان، وقائد الفريق توم كيرني) فأصبحوا يمثلون الركائز الأساسية للفريق تحت قيادة باركر. وشارك موسون الذي غاب عن معظم مباريات الفريق الموسم الماضي بداعي الإصابة، في جميع مباريات الفريق هذا الموسم. كما يقدم برايان الذي تألق من قبل في دوري الدرجة الثانية مع بريستول سيتي، أداء ثابتاً طوال الموسم.
وقام مسؤولو فولهام بخطوة موفقة للغاية، عندما قرروا مد عقد كل من كارني وميتروفيتش مع النادي لفترات طويلة. وقال باركر عن المهاجم الصربي: «إنه يفكر دائماً في هز الشباك. إنه لاعب من الطراز الرفيع ويمتلك قدرات هائلة وشاملة. يمكننا أن نعتمد عليه كمحطة قوية للعب بسبب قوته البدنية الهائلة، كما يمكننا استغلال قدرته الهائلة على التحكم في الكرة بقدميه من أجل بناء الهجمات من حوله. أعتقد أنه يستمتع باللعب معنا، فهو يشعر بالراحة في هذا المكان. إننا نشعر بالسعادة لوجوده معنا، كما أنه لا يتوقف عن تسجيل الأهداف معنا».
ولا يتفوق على فولهام في عدد الأهداف المسجلة سوى متصدر جدول الترتيب ويست بروميتش ألبيون؛ حيث سجل فولهام 31 هدفاً حتى الآن، وهو رصيد الأهداف نفسه الذي حققه كل من بريستول سيتي وبريستون. وكان فولهام يواجه تحدياً آخر هذا الموسم، وهو تحسين قدراته الدفاعية؛ خصوصاً أن شباك الفريق اهتزت 81 مرة الموسم الماضي، ليكون هذا هو الرقم الأسوأ لأي فريق في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، منذ هبوط النادي في عام 2015؛ لكن باركر نجح في تحسين الأداء الدفاعي للفريق؛ خصوصاً بعد عودة موسون إلى مستواه السابق بعد عودته من الإصابة.
وفي يناير القادم، سيضم فولهام مايكل هيكتور بصفة نهائية من نادي تشيلسي، لكي يدعم خياراته الدفاعية. ويحتل فولهام الذي حقق الفوز في آخر أربع مباريات، المركز الثالث في جدول الترتيب، وينافس بقوة على الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز بشكل مباشر، دون أن يضطر لخوض ملحق الصعود. وكان نائب رئيس النادي، توني خان، قد صرح بأن الهدف الرئيسي لفولهام هذا الموسم هو الصعود المباشر للدوري الإنجليزي الممتاز. وقد اعترف باركر بأن فولهام قد وضع الأسس السليمة التي تمكن الفريق من البناء عليها خلال الفترة المقبلة؛ لكن مسيرة الفريق في ديسمبر (كانون الأول) الجاري ستكون أقوى اختبار للفريق هذا الموسم؛ حيث سيخوض الفريق مباريات صعبة ضد أربعة من الأندية السبعة الأولى في جدول الترتيب قبل عيد الميلاد؛ حيث سيلعب أمام كل من بريستول سيتي وبريستون وبرنتفورد وليدز يونايتد.
وتجب الإشارة إلى أن ميتروفيتش ليس هو الهداف الوحيد للفريق؛ حيث سجل لاعب الفريق تحت 21 عاماً، تيمي أبراهام - الشقيق الأصغر لمهاجم تشيلسي تامي أبراهام – في كلتا المباراتين اللتين لعبهما مع الفريق، كما يعد لاعب منتخب إنجلترا للشباب، جاي ستانسفيلد، هو الهداف الأول لفريق النادي تحت 18 عاماً في الدوري الإنجليزي الممتاز. تجدر الإشارة إلى أن ستانسفيلد هو ابن مهاجم إكستر سيتي السابق، آدم، الذي توفي بعد إصابته بالسرطان عن عمر يناهز 31 عاماً في 2010. وهناك أمل في أن يرتدي القميص رقم تسعة، الذي حظره النادي بعد وفاة آدم. وقال جوليان تاغ، رئيس نادي إكستر: «إنه يشبه والده تماماً، فهو يسعى دائماً لتحقيق الفوز، وهو هداف من الطراز الرفيع».
ويفخر نادي إكستر سيتي بأنه هو من طور أداء ستانسفيلد بشكل ملحوظ؛ لكن رحيل اللاعب عن الفريق الصيف الماضي كان صعباً للغاية على النادي؛ خصوصاً أن النادي لم يحصل إلا على 150 ألف جنيه إسترليني كتعويض. وبالنسبة لنادي إكستر سيتي، الذي حصل على مبلغ مبدئي قيمته 850 ألف جنيه إسترليني من تشيلسي مقابل إيثان أمبادو البالغ من العمر 16 عاماً قبل عامين، فقد تلقى إكستر سيتي صفعة قوية أخرى بعدما دفع لايبزيغ الألماني 500 ألف جنيه إسترليني للتعاقد مع اللاعب الويلزي الدولي على سبيل الإعارة لمدة موسم في يوليو (تموز) الماضي. وهناك شعور بالقلق من أن يسير بن كريسن، الذي لعب أول مباراة له مع الفريق الأول وهو في الخامسة عشرة من عمره في شهر أغسطس الماضي على الطريق نفسها؛ خصوصاً في ظل اهتمام كثير من الأندية بخدماته، مثل ليفربول ومانشستر سيتي وبايرن ميونيخ ولايبزيغ. وقد باع فولهام أيضاً عدداً من اللاعبين الشباب في الصيف الماضي؛ حيث انتقل ريان سيسيغنون وهارفي إليوت إلى توتنهام وليفربول على الترتيب؛ لكن يبدو أن الفريق عازم على العودة للدوري الإنجليزي الممتاز، والتألق في دوري الأضواء والشهرة.


مقالات ذات صلة

نيفيل يهاجم «فيفا» بعد هدف سويسرا الجدلي أمام قطر

رياضة عالمية نيفيل يهاجم «فيفا» بعد هدف سويسرا الجدلي أمام قطر

نيفيل يهاجم «فيفا» بعد هدف سويسرا الجدلي أمام قطر

هاجم نجم مانشستر يونايتد السابق والمحلل التلفزيوني غاري نيفيل الاتحاد الدولي لكرة القدم، متهماً إياه بالتعامل بـ«عقلية الديكتاتورية».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية منتخب ألمانيا جاهز لمواجهة كوراساو (أ.ف.ب)

المانشافت «كامل العدد» قبل مواجهة كوراساو

اطمأن يوليان ناغلسمان، مدرب منتخب ألمانيا، على جاهزية جميع اللاعبين للمباراة الأولى في كأس العالم أمام كوراساو، الأحد.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية فلورين بالوغون (أ.ب)
					
Description

سباق الحذاء الذهبي في كأس العالم 2026... انطلاقة أميركية وترقب للكبار

مضت 3 أيام فقط على انطلاق كأس العالم 2026، لكن سباق الحذاء الذهبي بدأ مبكراً في جذب الأنظار.

The Athletic (نيويورك)
رياضة عربية مانشيني (موقع نادي السد)

السد القطري يعلن رحيل مانشيني

أعلن نادي السد القطري رحيل مدربه الإيطالي روبرتو مانشيني عن قيادة الفريق.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.