رولاندو آرونز: المال ليس هدفي وأرغب في السير على نهج سترلينغ

المهاجم الشاب حزين لترك نيوكاسل معاراً إلى ويكومب ويحارب لتغيير وجهات النظر السلبية عنه

رولاندو (يمين) مع فريق ويكومب في مواجهة نيوكاسل
رولاندو (يمين) مع فريق ويكومب في مواجهة نيوكاسل
TT

رولاندو آرونز: المال ليس هدفي وأرغب في السير على نهج سترلينغ

رولاندو (يمين) مع فريق ويكومب في مواجهة نيوكاسل
رولاندو (يمين) مع فريق ويكومب في مواجهة نيوكاسل

عاد رولاندو آرونز بذهنه إلى بدايته مع نيوكاسل يونايتد منذ خمسة أعوام ماضية، وغطت وجهه ابتسامة عريضة، بينما كان يحكي قصة لا تحمل في حد ذاتها أهمية تذكر، تعود إلى مباراة على أرض استاد سانت جيمس بارك أمام مانشستر سيتي؛ لكنها تكشف كثيراً عن شخصيته المتواضعة التي لم تنل حقها من التقدير بعد.
وقال آرونز بنبرة تحمل بعض الخجل: «حاولت الحصول على قميص مهاجم سيتي سيرجيو أغويرو؛ لكن ماساديو هايدارا كان قد سبقني إليه بالفعل وطلبه منه. كنت أشعر بالخوف من أن أطلب من لاعبين الحصول على قمصانهم. ولم أكن أطلب هذا إلا من أولئك الذين تربطني بهم معرفة شخصية. لذا، فإن جميع القمصان الموجودة بحوزتي اليوم للاعبين أعرفهم بالفعل».
ونتيجة لذلك، فإنه لا يوجد بحوزة آرونز، الذي انضم إلى ويكومب واندررز المشارك في دوري الدرجة الثانية على سبيل الإعارة في سبتمبر (أيلول) بعد إقصائه عن تشكيل فريق نيوكاسل يونايتد المؤلف من 25 لاعباً والمشارك في بطولة الدوري الممتاز، سوى حفنة من القمصان المتبادلة، منها قمصان ارتداها بوبي ريد، الذي نشأ هو الآخر في إيستون داخل مدينة بريستول، وكذلك يانيك بولاسي، وزميله السابق إيفان توني وآدم آرمسترونغ ورحيم سترلينغ المولود هو أيضاً في منطقة كنغستون ويتطلع نحوه آرونز كمصدر إلهام له.
وقال آرونز: «إنه أشبه ببطل خارق اليوم، فقد نجح في بناء صورة إيجابية له وتعزيزها. وقد تحدثت إليه حول هذا الأمر، وقال إنه تعلم أن يتجاهل الجميع ويركز على نفسه وهذا ما أحاول عمله أنا أيضاً. إنه صاحب شخصية كبيرة ويعتبر نموذجاً كبيراً يحتذى به أمام كل صبي مثلي. لقد كان رحيم هنا ونجح، وذلك رغم أنه يكبرني بعام واحد فقط، ما يبدو جنونياً، ذلك أنه على أرض الواقع يبدو وكأنه كان في الحقل الكروي منذ 10 أعوام على الأقل».
يبدو آرونز شخصية مجاملة ولطيفة المعشر، وجرى لقاؤنا داخل ملعب تدريب ويكومب المتواضع، الذي يبعد كثيراً عن الأضواء والصخب المحيط ببطولة الدوري الممتاز وفعالياتها. واعترف آرونز بـأن مسيرته الكروية لا تسير على النهج الذي كان مخططاً له؛ لكنه يشعر بالطمأنينة والسعادة لمشاركته في اللعب، ويبدو واثقاً من قدرته على العودة إلى الدوري الممتاز. وأشار إلى أنه يستعين بشركة «ويسكاوت» المعنية بتحليل البيانات، للتعرف على معلومات تتعلق بأداء سترلينغ، مع العمل في الوقت ذاته على رفع مستوى أدائه لأقصى مستوى ممكن.
وقال: «أشاهد رحيم ودوغلاس كوستا وكيليان مبابي، وأشاهد كثيراً من اللاعبين يشاركون عبر مساحات واسعة ويسجلون أهدافاً. وأحرص على مشاهدة مقاطع في منزلي أو داخل ملعب التدريب، وأستعين بجهة لتحليل المباريات لتبعث إليَّ ببعض مقاطع، وتوضح لي ما أحتاج إلى تطويره في أدائي. وربما أستعين بمقطع لكريستيانو رونالدو وأتفحصه للتعرف على ما أحتاج إليه. بوجه عام، أعشق كرة القدم كثيراً وأحاول وأتعلم لأتقن اللعب».
في سن الخامسة، انتقل آرونز من جامايكا إلى إنجلترا، وقضى ثلاث سنوات في بريستول سيتي قبل أن يستغني عنه النادي في سن الـ16. وخاض آرونز اختبارات في آرسنال ووستهام يونايتد وكريستال بالاس وبرمنغهام، قبل أن يعرض عليه ليدز عقداً احترافياً. إلا أنه بعد ذلك، ظهر نيوكاسل يونايتد وعرض عليه الانضمام إليه، وبالفعل وقَّع آرونز عقد انضمامه للنادي بعد ساعة واحدة من التدريب. وقال إنه في بادئ الأمر، بدا هذا الانتقال أقرب إلى صدمة ثقافية، فقد كان يعيش بمفرده في عمر الـ18 عندما شارك في أول مباراة احترافية له والتقى نجل عمه، ماكس، مدافع نوريتش سيتي.
وابتسم آرونز وبدت نبرته صادقة للغاية وهي يحكي: «أحاول ضمان ألا يقع في الأحكام الرديئة والأخطاء ذاتها التي وقعت بها عندما كنت في مثل سنه. أحاول أن أدفعه لأن يحيا حياته الخاصة على النحو الصائب».
وأضاف: «كل شيء في الحياة عبارة عن تجارب وأخطاء، وفي مثل هذه السن لا أشعر بأن في مقدوري تحمل تكاليف هذه الأخطاء. أحياناً تعمي الأضواء بصيرة الإنسان. لقد نشأت فقيراً للغاية، وبين عشية وضحاها وجدت الجميع من حولي يحبونني، وأصبح بحوزتي مال أكثر بعض الشيء، وأصبحت أنعم بالحرية. وإذا لم تكن تعلم كيفية التعامل مع هذا الوضع، فإنه قد يجعلك ناجحاً أو يدمرك. بالتأكيد كان من الصعب التعامل مع الأضواء. وأشعر بالامتنان لأنني تجاوزت كل ما مررت به، فقد كانت فترة صعبة للغاية».
جدير بالذكر أن آرونز أكمل عامه الـ24 قبل أسبوع، ورغم العقبات التي واجهها في طريقه منذ البداية؛ خصوصاً اتهامه في شجار بإحدى الحانات، وتعرضه لتمزق في الرباط الصليبي الداخلي، فإن لاعب الجناح نجح في تركيز اهتمامه على الصورة الأكبر، وبدا مدركاً تماماً كيف أن الأمور بمقدورها أن تتبدل بين عشية وضحاها.
وقال: «لعبت أمام دانييل جيمس خلال بدايتي الأولى مع شيفيلد وينزداي (كان معاراً ويلعب أمام سوانزي سيتي) والآن أصبح هو في صفوف مانشستر يونايتد. سيكون من الصعب محاولة تخمين ما كان يمكن أن يحدث آنذاك، وإنما يتعين على المرء المضي قدماً فحسب؛ لأنه لا يعلم على وجه اليقين ما سيحدث لاحقاً».
واعترف آرونز بأن إلقاء القبض عليه من داخل نيوكاسل يونايتد منذ ثلاث سنوات لم يساعد في بناء صورة إيجابية له، وقال إن هناك وجهة نظر ظالمة منتشرة عنه. وأضاف: «سمعت أن أندية رفضت ضمي إليها بسبب ما سمعته من هذا أو ذاك. ولهذه الأسباب، اضطررت إلى الانتقال على سبيل الإعارة لأندية أخرى ومحاولة خوض مباريات وفعل ما يتعين عليَّ فعله. لقد كانت 18 شهراً عصيبة أو ربما كانا عامين منذ انتقالي الأول على سبيل الإعارة؛ لكنني تعلمت خلالهما الكثير. وربما يبدو هذا غريباً لأنني لا أعتقد أنني فعلت أي شيء يستحق هذه السمعة أو الكلمات التي يتفوه بها الناس عني؛ لكن السبيل الوحيد الذي يمكنني تصحيح هذا الأمر من خلاله هو اللعب بشكل جيد وتسجيل أهداف».
هذا تحديداً ما يفعله آرونز مع ويكومب، الذي سجل آرونز أهدافاً لصالحه في آخر مباراتين له في صفوفه، ومن المقرر أن يبقى حتى يناير (كانون الثاني) على الأقل، في خطوة جريئة أخرى بعد انتقاله على سبيل الإعارة إلى هيلاس فيرونا في الدوري الإيطالي الممتاز؛ حيث التقى من جديد بفابيو بتشيا، مساعد المدرب في نيوكاسل يونايتد تحت قيادة رافاييل بينيتيز. خلال تلك الفترة، شارك آرونز أمام يوفنتوس وإنترناسيونالي وميلان على أرض استاد سان سيرو.
وقال: «لست خائفاً من المخاطرة، كان يمكن أن أقول لنفسي: (هل تعرف هذا؟ ولست بحاجة إلى أن أتعب نفسي في هذا، وسأظل مع فريق أقل عن 23 عاماً لأستمتع بوقتي فحسب وأجني المال)؛ لكنني لست هذا الشخص. أنا لا ألعب الكرة من أجل المال، وإنما أرغب في أن أكون لاعباً كبيراً. على المدى الطويل، أرغب في المشاركة في الدوري الممتاز، وإذا تحقق ذلك وأنا في صفوف نيوكاسل يونايتد، فإن هذا سيكون أمراً رائعاً لي؛ لأنه المكان الذي شهد انطلاقتي. إنه نادٍ عظيم وأعشقه، ويحظى بجماهير رائعة».
فيما يخص بينيتيز، قال آرونز إن المدرب الإسباني كان «من الصعب للغاية قراءة أفكاره»، لكنه يقر بمسؤوليته عن التعثرات التي تعرض لها داخل نيوكاسل، رغم أنه تألم كثيراً بسبب استبعاده من جانب المدرب الحالي ستيف بروس.
وقال: «شعرت بصدمة وخيبة أمل كبرى؛ لأني شاركت في التشكيل الأساسي خلال مباريات الاستعداد للموسم الجديد، اعتقدت أنه على أدنى تقدير سأشارك في الفريق. كانت فترة عصيبة ومحبطة؛ لكن المسؤول هنا (غاريث أينورث) اتصل بوكيل أعمالي، وأخبرني وكيل أعمالي أنه تحدث إليه (أينورث) واستمع له حتى النهاية. ويتعين عليَّ تقديم أداء جيد هنا، فهذه خطوة انتقال بالغة الأهمية. وآمل أنه بحلول يناير، سأنظر إلى خطوة الانتقال على سبيل الإعارة هذه، وأشعر بسعادة بالغة من اتخاذي لها».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.