إعداد اللاعبين لحياة ما بعد الاعتزال يجب أن يبدأ قبل صافرة النهاية

نصف الرياضيين المحترفين السابقين يواجهون مخاوف تتعلق بسلامتهم الذهنية

فيا قرر الاعتزال بعد مسيرة ثرية مع المنتخب الإسباني توجها بكأس العالم عام 2010
فيا قرر الاعتزال بعد مسيرة ثرية مع المنتخب الإسباني توجها بكأس العالم عام 2010
TT

إعداد اللاعبين لحياة ما بعد الاعتزال يجب أن يبدأ قبل صافرة النهاية

فيا قرر الاعتزال بعد مسيرة ثرية مع المنتخب الإسباني توجها بكأس العالم عام 2010
فيا قرر الاعتزال بعد مسيرة ثرية مع المنتخب الإسباني توجها بكأس العالم عام 2010

اليوم، يبدو ديفيد فيا على استعداد للاعتزال، لكن الكثير من اللاعبين يكابدون مشكلات مالية ونفسية كبيرة بمجرد توقفهم عن اللعب. في هذا الصدد، قال فيا هذا الأسبوع: «أفضل أن أترك كرة القدم قبل أن تتركني هي». جدير بالذكر أن الهداف الأول في تاريخ إسبانيا سبق وأن ادعى أنه سيظل يلعب حتى الـ55 إذا تمكن من ذلك. في النهاية، اتخذ اللاعب قراره وهو في الـ38. الملاحظ أنه على مدار المواسم الستة الماضية، وقع فيا عقودا سنوية، في محاولة لإرجاء اللحظة المحتومة. والآن، أعلن اللاعب نيته الاعتزال.
يذكر أنه على مدار 19 عاماً، سجل فيا 390 هدفاً وشارك في 716 مباراة، وتتبقى أمامه أربع مباريات ـ أو بالأحرى خمس مباريات، إذا بلغ نادي فيسيل كوب نهائي بطولة الكأس اليابانية. وبعد ذلك، من المقرر أن يتولى فيا قيادة فريق كرة قدم جديد أنشئ في كوينز بنيويورك.
الواضح أن فيا اتخذ استعداداته بالفعل للاعتزال. وعن ذلك، قال: «هناك أشياء لم أتمكن من تخصيص وقت كاف لها فيما مضى. الآن، أصبح بإمكاني الاهتمام بها. أعتقد أن الأمر سيكون مسلياً، وهذا الشيء الأهم على الإطلاق». وبالتأكيد لدى فيا كثير من الأشياء للقيام بها، الأمر الذي يؤكده المدرب السابق له، يورغ فالدانو، أنه يحمل أهمية حيوية له، وذلك في تصريحات لصحيفة «ذي أوبزرفر». وأضاف مدرب فيا السابق: «لو كنت سأقدم نصيحة واحدة لأي لاعب ينوي الاعتزال غداً، فهي: عندما تستيقظ اجعل نصب عينيك شيئا لتقوم به. أي شيء، لا يهم ما هو، فأي شيء سيعينك على الشعور بأنك مفيد، وذلك لأن الشعور الأسوأ في العالم الفراغ».
من ناحية أخرى، في بعض الأحيان كان جناح نيوكاسل وتشيلسي وفولهام السابق داميان دوف يذهب للملعب ويلعب بمفرده. وعن هذا، قال: «كنت أشعر ببعض الغرابة عندما أفعل ذلك، ومع هذا توجهت إلى ملعب أستروبارك المحلي الخاص بكرة الصالات (الكرة الخماسية) وبدأت اللعب قليلاً بمفردي»، تصريحات داميان جاءت خلال مقابلة أجراها معه غراهام هنتر ببرنامج «بيغ إنترفيو».
أما زين الدين زيدان، فقال بعد الاعتزال: «أذهب أحياناً لركل الكرة في الجدا لمدة 10 دقائق. وأشعر حينها وكأنني حصلت على الجرعة المناسبة. أفتقد دفقة الأدرينالين القوية في عروقي، لكنني لا أفتقد باقي حياة اللعب بكرة القدم». ومع ذلك، شعر زين الدين بالفراغ في إطار الدور الاستشاري الذي أوكل إليه، ولذلك قرر الشروع في التدريب.
من جهته، اعتزل إريك كانتونا في سن الـ30 وعن هذا قال: «كنت صغيراً بما يكفي لأن أعاود اللعب إذا شئت، لكنني لم أرغب في ذلك. ولتجنب هذا الإغراء، تجنبت مشاهدة كرة القدم لسنوات. ويبدو الأمر برمته أشبه بالحبوب المنومة والتاجر الذي يبيعها، فلو أن التاجر الذي يبيعك الحبوب كان قريبا منك، تصبح مهمة التوقف عن تعاطيها أصعب. والرياضة شبيهة بالحبوب المنومة، فجسدك عند التوقف عنها يفتقد الأدرينالين. فسيولوجياً، من الصعب التوقف عن الرياضة، وبعد ذلك يصبح من الصعب للغاية التوقف عنها من الناحية السيكولوجية». ولدى سؤاله عما إذا كان يمكن الاستعانة بشيء آخر، أجاب: «نعم، ينبغي البحث عن شغف آخر».
فيما يخص كانتونا، كان هذا الشغف الجديد هو التمثيل، لكنه لم يبلغ قط عظمة كرة القدم ـ ظل مجرد «ولع» ـ بينما هناك آخرون عجزوا عن إيجاد أي شغف جديد. وعن ذلك، قال كانتونا: «بعض اللاعبين عندما يتوقفون عن اللعب، يشعرون أنه لم يعد لهم وجود في الحياة». وليست كرة القدم فقط من يتركك، وإنما كل شيء جزء منك يرحل عنك. عن هذا الأمر، قال فالدانو لاعب ريال مدريد ومدرب فريق الشباب به السابق: «لا يتحدث لاعبو كرة القدم أبدا عن نهاية مسيراتهم لذات السبب الذي يدفع الناس لتجنب الحديث عن الموت. إنه يخيفهم».
بطبيعة الحال، من الممكن أن يخلق التقاعد من أي عمل داخل المرء شعوراً بالفقدان أو غياب الهوية. أما كرة القدم على مستوى الصفوة، فتسبب تفاقماً في هذا الشعور، بسبب التفاني الشديد الذي يبديه اللاعبون، بجانب أنه على خلاف الحال مع الكثير من الأعمال، يعشق اللاعبون كرة القدم. وفي هذا الصدد، قال فالدانو: «أنت تلعب مباراة لكسب قوتك، ما يعتبر بمثابة وسيلة لإطالة أمد طفولتك». كما أن كرة القدم على مستوى الصفوة تسهم في بناء مجتمع من حول اللاعب على نحو ربما لا يضاهيه عمل آخر. إنه عالم يفعل خلاله اللاعبون القليل لأنفسهم، وينتهي مبكراً لتبقى أمامهم سنوات طويلة. ويرى البعض هذه النهاية مفاجئة وبمثابة صدمة، وغالباً ما لا يكونون على استعداد لها. ويقال إن الرياضيين يموتون مرتين، أولهما عندما يعتزلون. من جهته، يرى لاعب كرة القدم البرازيلي فالكاو أن هذه الميتة أقسى، لأنه يتعين عليك التعايش معها لما تبقى من عمرك.
ومن ناحيته، قال كلارك كارليسل رئيس رابطة اللاعبين المحترفين في إنجلترا سابقا، خلال فيلم وثائقي شارك فيه عن الصحة الذهنية: «كنت أحاول استيعاب حقيقة أنني لن ألعب كرة القدم مجدداً أبدا وعجزت، لأن هذا كان أنا، أنا كلارك لاعب كرة القدم. ولم أتمكن من إيجاد سبب آخر قد يدعو أي شخص للشعور بالفخر بي. وفكرت في نفسي أنني سأتناول كل هذه الأقراص وأتخلص من حياتي لأنه من دون كرة القدم سيراني الآخرون على حقيقتي ـ وهي أنني لا شيء. جلست على المقعد وتناولت الأقراص وانتظرت الموت. كم كنت أحمق!»
بعيداً عن التأثير البدني ـ خلصت دراسة أجرتها النقابة الدولية للاعبي كرة القدم للمحترفين (فيفبرو) إلى أن 34 في المائة من اللاعبين السابقين فوق الـ40 يعانون التهاب عظام المفاصل ـ تبقى هناك مشكلات ذهنية. عام 2018 توصلت دراسة «ستيت أوف سبورت» إلى أن نصف الرياضيين المحترفين السابقين يعانون مخاوف تتعلق بسلامتهم الذهنية، نظراً لأن الاعتزال يثير لدى اللاعب شعوراً بـ«الخسارة» و«الندم». وقال سيمون تايلور، من اتحاد اللاعبين المحترفين، إنه: «من المألوف أن يتحدث اللاعبون عن شعورهم بالحداد والأسى».
وتوحي أبحاث أخرى أن ثلثي لاعبي كرة القدم أصيبوا بالإفلاس في غضون خمس سنوات من الاعتزال والثلث انفصلوا عن زوجاتهم في غضون عام واحد. وفي هذا الصدد، شرح الدكتور ديفيد لافالي من جامعة أبرتاي أنه: «قد تحدث خسارة في الموارد المادية، لكن الخسارة الأقسى ربما ترتبط بالموارد الرمزية. وكلما زادت قوة ارتباط المرء بدور كلاعب كرة قدم، ارتفعت مخاطرة التعرض للمشكلات المرتبطة بالاعتزال».
من جهتها، طورت «فيفبرو» برنامجاً صحياً لمعاونة اللاعبين على التكيف مع الاعتزال. أما رابطة اللاعبين المحترفين، فلديها خط مساعدة يعمل على مدار الساعة وأكثر عن 100 استشاري، بجانب خطة عمل تتعلق بالصحة الذهنية تلقى في إطارها 438 لاعباً على علاج العام الماضي.
في هذا السياق، شرح مسؤول شؤون الرفاه لدى الرابطة، مايكل بينيت، وهو لاعب سابق، أن الإحصاءات قد تبدو صادمة. وأضاف «تدور وجهة النظر الشائعة حول أن اللاعب المشارك في الدوري الممتاز يملك وفرة من المال، وبالتالي ليست لديه أي مشكلات، لكن هذا محض خيال، فهناك هيكل كامل يفقده هؤلاء اللاعبون ويفقدون معه شعورهم بهويتهم، وهذه مشكلة كبرى. بعدما يعتزل اللاعب كرة القدم، يقف أمام نفسه متسائلاً: من أنا؟».
من ناحية أخرى، توحي تجربة ستيف نيكول - نجم ليفربول في الثمانينات - بإمكانية العثور على الأمن العاطفي في خضم غياب الأمن الاقتصادي. يذكر أن ستيف ظل يلعب كرة القدم لفترة طويلة وتنقل عبر الأدوار المختلفة لبطولة الدوري من أعلى لأسفل، ثم تحول بعد ذلك إلى التدريب لأنه اضطر لذلك. وعن هذا، قال: «كنت محظوظاً لأنني لم أرحل حقاً قط عن غرفة تبديل الملابس. هذا الأمر المرتبط بالمجتمع المحيط بالمرء على درجة كبيرة من الأهمية، ودائماً ما يردد اللاعبون بعد الاعتزال أنهم يفتقدون روح الفريق. يبدو الأمر كما لو كنت تعيش في منزل كبير برفقة آخرين ولديك كل ما تتمناه، وذات يوم يُلقى بك إلى الخارج. حينها، لا تدري ماذا عليك أن تفعل ويتملكك الخوف لوجودك بمفردك».
ومن الممكن أن يشكل هذا الانتقال صدمة كبرى، ذلك أن المرء يدخل إلى عالم جديد تماماً لم يكن مهيأ له. وعن هذا، قال فالدانو: «الأمر الذي يمكنه تخفيف حدة تأثير ذلك، يكمن في تغيير المنظومة. يتعين على الأندية إعداد اللاعب للاعتزال قبل أن يبدأ مسيرته، وهذا يعني التحصيل الدراسي. إلا أنه للأسف بمجال الكرة، يبدو أن كل الأمور قابلة للإرجاء باستثناء مباراة الأحد».
وأضاف بينيت من جانبه أن «بعض الأندية رائع، والبعض الآخر ليس كذلك. داخل رابطة اللاعبين المحترفين، ننظم أربع بطولات عابرة للحدود سنوياً، وندعو لاعبين للمشاركة. ويكتبون سيرهم الذاتية ويتعلمون مهارات تعينهم على العمل مع شركات.
وبدلاً عن الاعتزال بهذا الشكل، نتعامل مع الأمر باعتباره فترة انتقالية يخوضها البعض في عمر 16 أو 18 أو 21 أو 27 أو في سن لاحقة. كما ننظم ورش عمل داخل الأندية مع فرق أقل عن 18 عاماً و23 عاماً وأفراد الفريق الأول.
ونطلق على هذه الورش (خذ زمام التحكم)، ويركز محتواها على اللاعبين. لو أنك عملت مثلا في متجر مشهور مثل (زارا)، هل سيعتنون بك بعد رحيلك عن الشركة؟ لا، لن يفعلوا ذلك، لكننا نطلب من الأندية أن تفعل ذلك، وهذا ما تسعى رابطة اللاعبين المحترفين لتحقيقه».
جدير بالذكر أن الكثير من الأندية تساعد على نحو غير معلن اللاعبين السابقين، مثل ليفربول الذي يملك منتدى للاعبين السابقين، وتوتنهام هوتسبير الذي يتولى توظيفهم بمختلف إدارات النادي، ويرشدهم نحو حياة جديدة ويوفر لهم أدواراً للاضطلاع بها. كما تحرص أكاديمية توتنهام هوتسبير على إعداد اللاعبين ليس لممارسة كرة القدم فحسب، وإنما للحياة ما بعد كرة القدم، ما يحمل أصداء الفكرة التي عبر عنها فالدانو.
في مدريد، نقل فالدانو أفراداً من فرق الناشئين إلى مدرسة داخلية وأبدى حرصه على تعليمهم وتثقيفهم حول «العالم الواقعي». والآن، يعمل على تنظيم دورة تدريبية جامعية عبر شبكة الإنترنت.
ويتناول الدرس الأول هذه القضية على وجه التحديد، قضية شغلت تفكيره لفترة طويلة وتجسدت في وجهة نظره التي تدور حول فكرة أن هناك نمطين من اللاعبين لا يتلقون الاهتمام الكافي: الأول لاعبو المستقبل والثاني اللاعبون السابقون. ويطلق فالدانو على الدورة اسم «اليوم التالي». من جانبه، قال ديفيد فيا: «أصبحت كبيراً في العمر بدرجة لا تسمح لي باللعب، لكنني ما أزال شاباً لاستمتع بالحياة».


مقالات ذات صلة

نيفيل يهاجم «فيفا» بعد هدف سويسرا الجدلي أمام قطر

رياضة عالمية نيفيل يهاجم «فيفا» بعد هدف سويسرا الجدلي أمام قطر

نيفيل يهاجم «فيفا» بعد هدف سويسرا الجدلي أمام قطر

هاجم نجم مانشستر يونايتد السابق والمحلل التلفزيوني غاري نيفيل الاتحاد الدولي لكرة القدم، متهماً إياه بالتعامل بـ«عقلية الديكتاتورية».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية منتخب ألمانيا جاهز لمواجهة كوراساو (أ.ف.ب)

المانشافت «كامل العدد» قبل مواجهة كوراساو

اطمأن يوليان ناغلسمان، مدرب منتخب ألمانيا، على جاهزية جميع اللاعبين للمباراة الأولى في كأس العالم أمام كوراساو، الأحد.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية فلورين بالوغون (أ.ب)
					
Description

سباق الحذاء الذهبي في كأس العالم 2026... انطلاقة أميركية وترقب للكبار

مضت 3 أيام فقط على انطلاق كأس العالم 2026، لكن سباق الحذاء الذهبي بدأ مبكراً في جذب الأنظار.

The Athletic (نيويورك)
رياضة عربية مانشيني (موقع نادي السد)

السد القطري يعلن رحيل مانشيني

أعلن نادي السد القطري رحيل مدربه الإيطالي روبرتو مانشيني عن قيادة الفريق.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.