كرة القدم والخرف مرتبطان... فما الذي ستفعله اللعبة حيال ذلك؟!

تسديد الكرة بالرأس يؤدي إلى تلف الدماغ
تسديد الكرة بالرأس يؤدي إلى تلف الدماغ
TT

كرة القدم والخرف مرتبطان... فما الذي ستفعله اللعبة حيال ذلك؟!

تسديد الكرة بالرأس يؤدي إلى تلف الدماغ
تسديد الكرة بالرأس يؤدي إلى تلف الدماغ

خلال الأسبوع الماضي، أكدت دراسة علمية كبرى عن العلاقة بين كرة القدم وتلف الدماغ ما كان يشك فيه كثيرون داخل اللعبة وخارجها منذ زمن طويل، حيث خلصت الدراسة إلى أنه من المرجح بشكل كبير أن يعاني المحترفون السابقون لكرة القدم من الخرف وأمراض عصبية خطيرة أخرى في سنواتهم اللاحقة. وأشارت الدراسة إلى أن احتمال تعرض اللاعبين السابقين لهذه الأمراض يزيد بثلاث مرات ونصف المرة عن الأشخاص العاديين.
واكتشف المشروع البحثي، الذي أجرته مجموعة إصابات الدماغ بجامعة غلاسكو على مدى عامين تقريباً، زيادة بمقدار خمسة أضعاف في خطر الإصابة بألزهايمر، وزيادة بمقدار أربعة أضعاف في خطر الإصابة بمرض العصبون الحركي، وزيادة بمقدار الضعف في خطر الإصابة بمرض باركنسون (الشلل الرعاش).
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي ستفعله كرة القدم - وأولئك الذين يلعبون ويدربون ويعملون في مناصب إدارية في هذه الرياضة – بعد الإعلان عن تلك النتائج المهمة؟ لكن على أي حال فقد أثبت التاريخ الحديث أن أي تقدم حقيقي في مجال سلامة اللاعبين يتم بخطى بطيئة للغاية.
لقد أمضت داون أستل بعض الوقت في ليلة عيد ميلادها الـ34 بمفردها مع والدها، الذي مات لتوه مختنقا أثناء عشاء عائلي. وفشلت كل الجهود المحمومة التي بذلها الأقارب والمساعدون الطبيون في إنقاذ حياة جيف أستل، أسطورة نادي وست بروميتش ألبيون والمنتخب الإنجليزي، الذي بدأ يعاني لأول مرة من أعراض تلف في الدماغ وهو في الرابعة والخمسين من عمره، وهو المرض الذي أدى إلى وفاته في نهاية المطاف.
وفي البداية، تم تشخيص حالته على أنها إصابة بمرض ألزهايمر، لكنه سرعان ما بدأ يعاني من عجز تام، وقبل وفاته بخمس سنوات، لم يكن قادرا على إطعام نفسه ولم يكن قادرا على التعرف على أي شخص من حوله، بل لم يكن قادرا على معرفة من هو بالأساس. وفي كتاب «حالة اللعب» لمايكل كالفين، تخبر داون مؤلف الكتاب بأنه عندما مات والدها أقسمت نيابة عنه قائلة: «إذا كانت كرة القدم هي من فعلت ذلك بك يا أبي، فأعدك بأنني سوف أتأكد من أن يعرف العالم بأسره ذلك، وأعدك بأنني سأحقق لك العدالة».
كان ذلك في يناير (كانون الثاني) 2002 وعند التحقيق الأولي في أسباب الوفاة، وجد المحقق الطبي، أندرو هيغ، أن كرة القدم هي من فعلت ذلك بالفعل بجيف. ونظراً للحملات الدؤوبة التي شنتها ابنته في السنوات التالية، فقد تم توثيق ذلك على أن جيف قد توفي بسبب «مرض غير طبيعي» نجم عن الصدمة المتكررة جراء تسديد الكرة بالرأس.
وبناء على طلب لتقديم رد على ذلك، أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ورابطة اللاعبين المحترفين عن إجراء دراسة ستستمر لمدة 10 سنوات لمعرفة العلاقة بين كرة القدم وأمراض الدماغ، لكن هذه الدراسة توقفت في وقت لاحق. وكتبت كالفن أن داون وجدت نفسها في وقت لاحق مضطرة للرد على الرئيس التنفيذي لرابطة اللاعبين المحترفين، جوردون تايلور، حيث قالت ساخرة: «أصيبت والدتي بالخرف، رغم أنها لم تسدد الكرة برأسها ولا مرة في حياتها!».
وقد مرت 12 سنة أخرى قبل أن يثبت فحص دماغ جيف أنه عانى من اعتلال دماغي مزمن، وهو المرض التنكسي الذي عانى منه أيضا والد كريس ساتون، مايك، وهو لاعب سابق في نادي نوريتش سيتي وواحد من عدد مفزع من لاعبي كرة القدم المحترفين السابقين الذين عانوا - أو ماتوا – بسبب هذا المرض. ويشعر كريس بالغضب بسبب الإهمال الواضح من جانب مسؤولي كرة القدم ورابطة اللاعبين المحترفين لما حدث لوالده.
وقال كريس الأسبوع الماضي: «كان يتعين على رابطة اللاعبين المحترفين - بقيادة جوردون تايلور – أن تعتني بأعضائها، لكنها خذلتهم، وفي رأيي فإن يدي الرئيس التنفيذي للرابطة ملطختان بالدماء». واعترف تايلور بأنه «يجب على كرة القدم على الصعيد العالمي أن تعمل على إيجاد حلول لهذه القضية بطريقة شاملة وموحدة».
تجدر الإشارة إلى أن ساتون سرعان ما أضاف أنه لا يؤيد اقتراح إلغاء ضربات الرأس من كرة القدم، لكنه أشار إلى أنه لو كان قد تم تحذيره مسبقاً بشأن المخاطر المحتملة للقيام بذلك، فإنه لم يكن ليكرس وقتاً طويلا للتدريب على هذه المهارة. وقال: «في الولايات المتحدة، يُمنع الأطفال بالفعل من تسديد الكرة بالرأس، وربما حان الوقت لفعل نفس الشيء هنا في إنجلترا. أي مدافع في الدوري الإنجليزي الممتاز يسدد الكرة برأسه مئات المرات في الحصص التدريبية كل أسبوع، فهل يمكننا أن نقلل ذلك أيضا؟ أنا لا أطالب بأن نمنع اللعب بالرأس في كرة القدم، لكن على الأقل فإن هذه الدراسة تمنح كل شاب حق الاختيار الآن. وأصبح كل طفل في أكاديميات الناشئين يعرف الآن مخاطر لعب الكرة بالرأس».
والآن وبعد أن عرفت مدى خطورة تسديد الكرة بالرأس، ماذا ستفعل حيال ذلك؟ وحتى عام 2017 كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) يتشبث بحقيقة أنه بسبب «عدم وجود صلة سببية مطلقة» بين تسديد الكرة بالرأس وأمراض الدماغ التنكسية، قد لا يكون هناك «دليل حقيقي» على أي صلة. وبعد أربع سنوات من فقدان اللاعب الألماني كريستوف كرامر للوعي بشكل مؤقت بعد اصطدامه بلاعب منافس من منتخب الأرجنتين في المباراة النهائية لكأس العالم 2014 وذهابه إلى حكم المباراة وهو فاقد للوعي لكي يسأله عما إذا كان يلعب حقا في المباراة النهائية لكأس العالم، كان الجمهور الذي يشاهد مباراة المغرب أمام إيران في نهائيات كأس العالم بروسيا عام 2018 يشعر بالذعر وهو يرى الطاقم الطبي يعمل جاهدا على إعادة اللاعب المغربي نور الدين أمرابط للوعي بعدما سقط على الأرض إثر اصطدامه بالرأس مع أحد لاعبي الفريق المنافس. ولم تنجح جهود الطاقم الطبي، لكن أمرابط عاد إلى الملعب بعد خمسة أيام مرتديا غطاء رأس، قبل أن يتخلص منه في وقت مبكر من المباراة.
هذان مجرد مثالين من بين الكثير من الأمثلة البارزة للاعبين الذين أصيبوا بارتجاج في المخ أو فقدوا وعيهم بعد اصطدامهم بالرأس، ولا يتعين على المرء أن يسافر إلى أماكن بعيدة مثل البرازيل أو روسيا ليشهد إهمالاً من جانب المسؤولين لمثل هذه الحالات، لأن هذا الأمر يحدث في الملاعب الإنجليزية أيضا. وإذا لم يكن هناك اهتمام بمن يعانون من مشاكل واضحة في الرأس داخل الملعب، فما بالنا بمن لا تظهر أعراض المرض عليهم إلا بعد فترة طويلة من اعتزالهم كرة القدم؟


مقالات ذات صلة

صحتك  الحنطة السوداء تحتوي على مجموعة من العناصر المفيدة لصحة القلب (بيكسلز)

6 فوائد صحية لتناول الحنطة السوداء بانتظام

في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بالأغذية النباتية الغنية بالعناصر الغذائية، لما لها من دور في دعم الصحة العامة والوقاية من عديد من المشكلات الصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مخلل الملفوف التقليدي يُعد من الأطعمة المخمرة التي تحتوي على أنواع متعددة من بكتيريا حمض اللاكتيك (بيكسلز)

5 أطعمة بسيطة بفوائد كبيرة: كيف تعزِّز صحة أمعائك يومياً؟

ازداد الاهتمام مؤخراً بما يُعرف بـ«الأطعمة الوظيفية»، وهي أطعمة لا تقتصر فوائدها على تزويد الجسم بالعناصر الغذائية الأساسية؛ بل تمتد لتشمل دعم وظائف حيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك استخدام مكمل الجلوكوزامين الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي (رويترز)

دراسة: مكمل غذائي لعلاج آلام المفاصل مرتبط بتفاقم الخرف

خلص تحليل واسع النطاق إلى أن الاستخدام المنتظم للجلوكوزامين، الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل، مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي الخفيف إلى الخرف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الكاكاو يحتوي- خاصة في صورته الخام أو الأقل معالجة- على مركبات الفلافانول التي تُسهم في تحسين وظيفة الإنسولين (بيكلسز)

5 مشروبات غير متوقعة تساعدك على ضبط سكر الدم

لا يقتصر الحفاظ على توازن مستوى السكر في الدم على اختيار الأطعمة المناسبة فحسب، بل يمتد ليشمل ما نشربه يومياً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.