ما المركز الأفضل لغريزمان مع برشلونة؟

لعب 3 مرات رأس حربة و5 على الجهة اليسرى وما زال ينتظر انطلاقة حقيقية مع الفريق الكاتالوني

غريزمان (في الخلف) عليه المجاهدة للخروج من ظل ميسي نجم برشلونة الأبرز
غريزمان (في الخلف) عليه المجاهدة للخروج من ظل ميسي نجم برشلونة الأبرز
TT

ما المركز الأفضل لغريزمان مع برشلونة؟

غريزمان (في الخلف) عليه المجاهدة للخروج من ظل ميسي نجم برشلونة الأبرز
غريزمان (في الخلف) عليه المجاهدة للخروج من ظل ميسي نجم برشلونة الأبرز

سُئل النجم الفرنسي أنطوان غريزمان عشية مباراة برشلونة أمام إنتر ميلان الإيطالي في دوري أبطال أوروبا الأسبوع الماضي، عما إذا كان سيلعب بشكل أفضل لو لعب في مركز الجناح الأيمن، فرد قائلاً: «هذا سؤال جيد». وفي الحقيقة، كان هذا السؤال مهماً، كما أن ما حدث بعده ربما كان أكثر إفادة من إجابة المهاجم الفرنسي نفسها. ففي الليلة التالية، شارك غريزمان في التشكيلة الأساسية للمباراة لكنه خرج بعد مرور 60 دقيقة. وبعد 4 أيام، جلس غريزمان على مقاعد البدلاء في مباراة برشلونة أمام إشبيلية في الدوري الإسباني الممتاز. لقد دفع برشلونة 120 مليون يورو للحصول على خدمات غريزمان، لكنه أبقاه على مقاعد البدلاء في أول مرة يكون فيها جميع مهاجمي الفريق لائقين من الناحيتين الفنية والبدنية، حيث تم الدفع بالثلاثي الهجومي المكون من ليونيل ميسي ولويس سواريز وعثمان ديمبيلي.
وبعد فوز برشلونة على فياريال الشهر الماضي، وهي المباراة التي سجل فيها غريزمان الهدف الأول، قال اللاعب الفرنسي: «3 أهداف ليست سيئة، أليس كذلك؟»، من المؤكد أن إحراز 3 أهداف يعد أمراً جيداً، لكن الشيء السيئ بالنسبة لغريزمان يتمثل في صعوبة إيجاد مكان له في التشكيلة الأساسية للفريق الكاتالوني.
وفي أول ظهور له مع برشلونة على ملعب «كامب نو»، في مباراة الفريق أمام ريال بيتيس في أغسطس (آب) الماضي، سجل غريزمان هدفين، وقال عن الهدف الجميل الذي أحرزه في تلك المباراة: «لقد أحرزت الهدف بهذه الطريقة بعدما رأيت ميسي يفعل ذلك في التدريبات».
في الحقيقة، كان يبدو أن الهدف من هذا التصريح هو التودد لمجلس إدارة النادي ولنجم الفريق ليونيل ميسي، خصوصاً أن غريزمان كان يعلم أن انضمامه لبرشلونة لم يكن يحظى بشعبية كبيرة بعد أن رفضه اللاعب الفرنسي في الصيف السابق قبل أن يعود ويوقّع لبرشلونة، وهو القرار الذي تمت الإشارة إليه في فيلم وثائقي تلفزيوني. وقال اللاعب الفرنسي: «إذا كان علي أن أقول آسف، فسأفعل ذلك على أرض الملعب»، لكن ذلك لم يكن سهلاً على الإطلاق. وخلال الأسبوع الماضي، اعترف غريزمان بأنه هو وميسي هادئان ولا يتحدثان كثيراً، وقال: «ليس من السهل علينا التحدث معاً». ويوم الخميس الماضي، نفى ميسي التلميحات التي تشير إلى أنه لم يكن يرغب في قدوم غريزمان إلى «كامب نو».
لكن في الوقت الذي وصف فيه ميسي الحديث عن عدم رغبته في قدوم غريزمان بأنه «كذب»، فإنه اعترف بأنه كان يريد أن يتعاقد برشلونة مع النجم البرازيلي نيمار. ومن المعروف أن نيمار يلعب في المركز نفسه الذي يلعب فيه غريزمان في الوقت الحالي، أو بالأحرى في المركز الذي يجب أن يلعب فيه غريزمان. أما بالنسبة للاعبين الآخرين في هذا المثلث الهجومي (ميسي وسواريز)، فإنهما يلعبان في المركز الذي يفضل غريزمان أن يلعب به.
وعندما كان غريزمان في صفوف ريال سوسيداد، فإنه كان يلعب ناحية اليسار في خط هجوم مكون من 3 لاعبين، لكن ذلك كان قبل 5 سنوات من الآن. وعندما انتقل إلى أتلتيكو مدريد وأصبح واحداً من أفضل اللاعبين في العالم، فإنه كان يلعب في مركز من اثنين، أو حتى في المركزين في الوقت نفسه: كجناح أيمن أو كمهاجم ينطلق من خط الوسط. وبمعنى آخر، فإنه كان يلعب في المركزين اللذين يلعب بهما الآن ميسي أو سواريز. وقد لعب غريزمان بدلاً من ميسي عندما كان النجم الأرجنتيني لا يشارك بسبب الإصابة، لكن عندما عاد ميسي انتقل غريزمان لكي يلعب ناحية اليسار، وهو المركز الذي لا يساعده في تقديم أفضل ما لديه داخل الملعب.
وتوقع غريزمان أن تكون بدايته مع برشلونة صعبة، لكن مشوار المهاجم الفرنسي الدولي والفائز ببطولة العالم مع الفريق الكاتالوني ما زال بحاجة إلى إثبات الجدارة في فريق يعج بالنجوم. وقال غريزمان: «نوعية كرة القدم في برشلونة مختلفة، ألعب في مركز جديد عرفت أن التأقلم معه سيكون صعباً».
وتابع: «أشعر بأني أتحسن في كل مباراة. 3 أهداف ليست سيئة، أليس كذلك؟ يمكنني القيام بأفضل من ذلك، لكني وصلت للتو. أعمل من أجل الفريق، وإذا سجلت أو مررت كرات حاسمة سيكون أفضل. يتعين علي أن أغير تحركاتي وأن أتحسن. أحتاج للدخول في المباريات بشكل أكبر، وأن أتطور أكثر فيما يتعلق باللعب على الأطراف. يريد زملائي مني أن أقدم أفضل ما لدي، والأمر نفسه بالنسبة لي، فأنا أريد أن أساعدهم في تقديم أفضل ما لديهم».
من المؤكد أن غريزمان مهاجم ذكي للغاية ولديه قدرات فنية ومهارية رائعة، ومستعد لكي يضحي بنفسه من أجل الآخرين، ويمكنه أن يطوع تلك المهارات والإمكانات للتألق في مركز جديد، لكن المؤكد أيضاً أنه بحاجة لبعض الوقت من أجل التأقلم مع الفريق. وربما يكون غريزمان بحاجة إلى تشكيل جديد بالكامل يناسب طريقة لعبه، وهو الأمر الذي يصعب حدوثه لأنه قد يجعل الأمور أسوأ. وقد يتطلب الأمر اتخاذ قرارات صعبة أيضاً. وإذا لم يتألق غريزمان ناحية اليسار، فما الذي يمكن القيام به؟ هل يمكن أن يلعب على حساب ميسي أو سواريز؟ بالطبع من شبه المستحيل حدوث ذلك!
يملك الفريق بعض البدائل بالتأكيد، وإذا كان هناك شيء أسوأ من اللعب في مركز آخر غير مركزه الأصلي، فهو عدم اللعب على الإطلاق. وقد ظهر الفريق بشكل جيد من دونه. وربما تتمثل الأخبار الجيدة بالنسبة لغريزمان الآن في أن ديمبيلي قد حصل على البطاقة الحمراء أمام إشبيلية بسبب وصفه لحكم المباراة بأنه «سيئ جداً»، وتم إيقافه مباراتين، بما في ذلك مباراة الكلاسيكو أمام ريال مدريد. ولا توجد فرصة أفضل من ذلك لكي يثبت غريزمان أنه يستحق مكاناً في التشكيلة الأساسية للفريق، لكن هل يمكنه أن يقدم أداء جيداً في مركز الجناح؟ وتتمثل المشكلة الآن في أن غريزمان قد لا يشارك في التشكيلة الأساسية للفريق حتى في ظل غياب ديمبيلي، لأن المدير الفني لبرشلونة، أرنستو فالفيردي، قد يفضل الدفع بالنجم الشاب الصاعد بسرعة الصاروخ أنسو فاتي.
لعب غريزمان حتى الآن في عدة مراكز؛ 3 مرات رأس حربة و5 على الجهة اليسرى من المثلث الهجومي. في مبارياته الثماني، كان هناك 6 تركيبات هجومية، فتنوّع الثنائي المرافق له بين الأوروغوياني لويس سواريز، والفرنسي عثمان ديمبيلي، والبرازيلي رافينيا، وكارليس بيريز، وانسو فاتي (غينيا بيساو) وميسي.
وعلق المدرب فالفيردي على ذلك قائلاً: «غريزمان لاعب قادر على شغل عدة مراكز. علينا أن نرى من القادر على اللعب، لكن من الواضح أن النظام يجب أن يستوعب (كل) اللاعبين».
وعندما سُئل فالفيردي قبل مباراة برشلونة أمام إنتر ميلان: «ما المركز الذي تعتقد أن غريزمان يلعب فيه بشكل أفضل؟»، رد بسرعة: «في الخط الأمامي. أعتقد أنه يبدو جيداً على اليسار، ويمكنه أن يلعب هناك. لا أعتقد أنها فكرة سيئة بالنسبة له أن يلعب على اليسار أو في الوسط». وواصل فالفيردي حديثه بسخرية قائلاً: «لكنني سأفكر في الدفع به ناحية اليمين!»


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.