تحديات كبرى تواجه الرئيس التنفيذي الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز

بيمسيل يصطدم بنفوذ الأندية الكبرى وسط ضغوط لزيادة المداخيل وغموض الخروج من الاتحاد الأوروبي

الأموال التي تدفقت على {مانشستر سيتي} ساعدت الفريق على التتويج بطلاً للدوري (أ.ف.ب)  -  بيمسيل الرئيس التنفيذي الجديد للدوري الإنجليزي
الأموال التي تدفقت على {مانشستر سيتي} ساعدت الفريق على التتويج بطلاً للدوري (أ.ف.ب) - بيمسيل الرئيس التنفيذي الجديد للدوري الإنجليزي
TT

تحديات كبرى تواجه الرئيس التنفيذي الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز

الأموال التي تدفقت على {مانشستر سيتي} ساعدت الفريق على التتويج بطلاً للدوري (أ.ف.ب)  -  بيمسيل الرئيس التنفيذي الجديد للدوري الإنجليزي
الأموال التي تدفقت على {مانشستر سيتي} ساعدت الفريق على التتويج بطلاً للدوري (أ.ف.ب) - بيمسيل الرئيس التنفيذي الجديد للدوري الإنجليزي

عندما انطلق الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد عام 1992، كانت أندية كرة القدم مملوكة بشكل عام لرجال الأعمال المحليين. وحقق بيتر سواليس، رئيس مجلس إدارة مانشستر سيتي آنذاك، ثروته من التجارة في عالم الصوتيات والمرئيات. أما في الوقت الحالي، فأصبح مانشستر سيتي مملوكاً لشركة «أبوظبي القابضة»، وتتجاوز اهتماماته مجرد الاحتفاظ بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز.
اليوم، بات لأندية الدوري الإنجليزي الممتاز طموحات عالمية؛ خصوصاً أندية القمة. كما أن خمسة أندية من «الستة الكبار»: مانشستر سيتي، ومانشستر يونايتد، وليفربول، وآرسنال، وتشيلسي، مملوكون لرجال أعمال أجانب، في حين أن النادي السادس، وهو توتنهام هوتسبير، مملوك لرجل أعمال بريطاني؛ لكنه ينتمي إلى شركة مسجلة في جزر البهاماس. ومن المؤكد أن إبقاء هذه الأندية سعيدة وجذبها في الاتجاه نفسه، سيكون أكبر مهمة تواجه ديفيد بيمسيل الرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي.
ومن المؤكد أيضاً أن الأموال ستكون هي العامل الأساسي في هذا الأمر. خلال العام الماضي، تمكنت الستة أندية الكبرى من الحصول على حصة أكبر من العائدات الخارجية للبث التلفزيوني للمباريات. وقد أدى ذلك، على الأقل حتى الآن، إلى وضع حد للتكهنات التي كانت تشير إلى احتمال انهيار منظومة الدوري الإنجليزي الممتاز، بسبب الاختلاف حول عائدات البث التلفزيوني. لكن رغبة الأندية الكبرى في الحصول على ما تعتبره نصيبها العادل من «غنائم» الدوري الإنجليزي الممتاز، ليست على وشك أن تختفي.
- عائدات البث والمداخيل
يمكن أن نقول إن الدوري الإنجليزي الممتاز تحت قيادة ريتشارد سكودامور، الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي للمسابقة منذ 20 عاماً، كان بمثابة «معجزة إعلامية». ففي عام 1992، حققت الأندية الـ20 مجتمعة 15 مليون جنيه إسترليني من عائدات البث التلفزيوني. وبحلول موسم 2018 - 2019 ارتفع هذا الرقم إلى ما يربو على ثلاثة مليارات جنيه إسترليني. لقد أحدث سكودامور ثورة في العلاقة بين الرياضة والبث التلفزيوني - في المملكة المتحدة، من خلال شراكة طويلة الأمد مع شبكة «سكاي سبورتس» الرياضية، وفي الخارج من خلال سلسلة من الصفقات مع كل بلد على حدة – وبالتالي نجح في تحويل كرة القدم إلى علامة تجارية ترفيهية.
ومع ذلك، فإن القلق الذي يساور بيمسيل يتمثل في أن الأوقات الجيدة قد تكون على وشك الانتهاء، إذ إن أحدث صفقة لبث المباريات على المستوى المحلي قد تم إبرامها العام الماضي وتستمر حتى عام 2022، بمقابل مادي يقل بمقدار نصف مليار جنيه إسترليني عن الفترة السابقة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت عائدات البث التلفزيوني بالخارج بمقدار 35 في المائة بشكل عام؛ لكن تجب الإشارة إلى أن السبب وراء كثير من هذا النمو هو انهيار قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار. وعلاوة على ذلك، كانت هناك أرقام مثيرة للقلق من آسيا، تشير إلى أن عائدات البث التلفزيوني من دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية قد تراجعت بما يصل إلى 50 في المائة.
ويمكن تفسير ذلك بأن الدوري الإنجليزي الممتاز قد بدأ يفقد أكبر ميزة لديه. وتتطلع كل لعبة في عالم الرياضة، بدءاً من الدوري الأميركي للمحترفين وصولاً إلى لعبة الكريكيت، إلى زيادة عدد الجماهير والمتابعين عبر العالم. لكن تجب الإشارة أيضاً إلى أن هناك تغييراً كبيراً للغاية في هذا المجال؛ حيث بدأ قطاع عريض من الجمهور يصرف النظر عن مشاهدة المباريات عبر شاشات التلفاز، ويتجه إلى منصات الإنترنت. كما أن القرصنة الرقمية باتت تمثل مشكلة كبيرة بالفعل بالنسبة للدوري الإنجليزي الممتاز، وهناك قلق من أن أي اتفاق مستقبلي مع أي منصة رقمية – سواء كانت «فيسبوك» أو «نتفليكس» أو «أمازون» – لن يرتقي لقيمة الصفقات التي كان الدوري الإنجليزي الممتاز يعقدها مع شبكة «سكاي سبورتس». وقامت شركة «أمازون» بشراء باقة واحدة من حقوق المملكة المتحدة في الصفقة الحالية، وسوف تعرض 20 مباراة على منصتها الرقمية هذا الموسم. ولم يتم الكشف عن المقابل المادي الذي دفعته «أمازون» مقابل بث هذا العدد من المباريات.
- الخروج من الاتحاد الأوروبي
من بين الـ220 لاعباً الذين شاركوا في مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز في نهاية الأسبوع الماضي، هناك 73 لاعباً فقط يحق لهم اللعب بقميص المنتخب الإنجليزي، بنسبة 33 في المائة من إجمالي عدد اللاعبين بالمسابقة. وفي الواقع، يعد هذا تحسناً بالمقارنة بما كان عليه الأمر في شهر ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، عندما كان المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، يحق له الاختيار من بين 54 لاعباً فقط في المسابقة، بنسبة 25 في المائة. وقد اتفقت جميع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على أنها تريد مزيداً من اللاعبين الإنجليز في المسابقة؛ لكن ثبت أن هذا الأمر صعب للغاية في ظل رغبة كل نادي في تعزيز صفوفه بلاعبين من الخارج، حتى يكون قادراً على منافسة الأندية الأخرى.
وفي عهد سكودامور، كان الدوري الإنجليزي الممتاز يقاوم دائماً فكرة تقليص عدد اللاعبين الأجانب المسموح بالتعاقد معهم، مؤكداً – وهو محق في ذلك – على أن زيادة عدد اللاعبين الأجانب تساهم في تطوير المسابقة وزيادة شعبيتها. ومن المفارقات أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يوفر حلاً في هذا الصدد، مع احتمال تشديد قواعد الهجرة على اللاعبين القادمين من بلدان الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، هناك قلق من أن أندية كرة القدم قد لا تكون مستعدة للتعامل مع تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعد مشكلة أخرى من المشكلات التي سيواجهها بيمسيل.
- العلاقة بين الاتحاد الإنجليزي ورابطة كرة القدم
تتسم العلاقة بين الهيئات الثلاث الكبرى في كرة القدم الإنجليزية – في العلن على الأقل– بأنها جيدة. وقد اتفق مارتن غلين، رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، وشون هارفي، رئيس رابطة كرة القدم الإنجليزية، على أن الدوري الإنجليزي الممتاز هو محل الاهتمام المشترك بينهما، كما اتفقا على ضرورة العمل معاً من أجل تطوير المسابقة. لكن بيمسيل ليس الرئيس التنفيذي الجديد الوحيد في هذه المنظومة؛ حيث تولى مارك بولينغهام منصب الرئيس التنفيذي للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم خلفاً لغلين الشهر الماضي فقط، في الوقت الذي تبحث فيه رابطة كرة القدم الإنجليزية عن خليفة لهارفي. ومن المؤكد أن طبيعة العلاقة بين هؤلاء الثلاثة ستكون محط اهتمام الجميع خلال الفترة المقبلة.
إلى ذلك تعاني كرة القدم من مشكلة المراهنات، كما أن الدوري الإنجليزي الممتاز «غارق» تماماً في أموال المراهنات؛ حيث ترتدي نصف أندية الدوري الإنجليزي الممتاز قمصاناً عليها شعارات مراهنين أو كازينوهات للمراهنات، كما أن جميع أندية المسابقة – باستثناء ثلاثة أندية فقط – تربطها علاقة مالية مع شركات للمراهنات. ومرة أخرى، يجب التأكيد على أن الدوري الإنجليزي الممتاز لا يتدخل فيما يتعلق بكيفية كسب الأندية لأموالها؛ لكن هناك دلائل على أن هذا النهج قد يكون غير جيد. وهناك ما يقرب من نصف مليون شخص في المملكة المتحدة يعانون من مشكلة المراهنات، و1.5 مليون شخص معرضون لمواجهة مشكلات في هذا الصدد. ويطالب سياسيون، وحتى بعض شركات المراهنات نفسها، بوضع حدود للإعلان عن شركات المراهنات داخل اللعبة، ومن المحتمل أن يتواصل الضغط من أجل تغيير النظام الحالي.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.