غراهام بوتر... إضافة قوية للدوري الإنجليزي

مدرب برايتون ساعد لاعبين كثيرين على التطور بينهم دانيال جيمس جناح مانشستر يونايتد

غراهام بوتر وإلى يمينه بقية جهازه الفني
غراهام بوتر وإلى يمينه بقية جهازه الفني
TT

غراهام بوتر... إضافة قوية للدوري الإنجليزي

غراهام بوتر وإلى يمينه بقية جهازه الفني
غراهام بوتر وإلى يمينه بقية جهازه الفني

يتحدث المدير الفني لنادي برايتون الإنجليزي، غراهام بوتر، وهو يجلس في جناح التدريب المذهل لنادي برايتون عن كيفية إهدائه كتاب «الحكمة القديمة والعالم الحديث» للزعيم الروحي للتيبت الدالاي لاما، إلى أحد لاعبيه السابقين في نادي أوسترسوند السويدي قبل عامين. فقد كان اللاعب كورتيس إدواردز يجلس في منزله يشاهد بعض مقاطع الفيديو على شبكة «نيتفليكس» الرقمية بينما كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساء تقريبا، عندما تلقى اتصالا من بوتر يسأله عما إذا كان مشغولا. وكان كايل ماكولاي، كشاف اللاعبين الذين انتقل مع بوتر من السويد إلى سوانزي سيتي والآن إلى برايتون، هو من جلب إدواردز إلى نادي أوسترسوند السويدي، وعلى مدار الساعة ونصف الساعة تحدث بوتر وإدواردز بكل صراحة عن كل شيء تقريبا، باستثناء كرة القدم.
يقول بوتر: «كنا فقط نتحدث ونتجاذب أطراف الحديث، وتطرقنا إلى موضوع القراءة. وفي نهاية الحوار، قلت له: أقرأ هذا الكتاب. يعد كورتيس إدواردز من الشخصيات التي تلوم نفسها كثيرا عندما ترتكب أي خطأ، وكنت أرغب فقط في مساعدته على تغيير طريقة تفكيره. لقد جعلته يشاهد بعض المباريات التي فقد فيها التركيز تماما بعد ارتكابه خطأ، وفي حقيقة الأمر كان يتعين عليه أن يتعامل مع تداعيات ما حدث بكل شجاعة، بدلا من أن يشعر بالقلق ويلوم نفسه لأنه ارتكب خطأ. الدالاي لاما رجل ذكي، أليس كذلك؟ لقد وضع الأمور في نصابها بعض الشيء، وفكرت وقلت: ولما لا أعطي هذا الكتاب لإدواردز حتى أساعده على تغيير طريقة تفكيره؟»
وتجب الإشارة إلى أن هذه العقلية والطريقة في التفكير هي التي تجعل بوتر، الذي يحمل درجة الماجستير في القيادة والذكاء العاطفي، في حالة من الانتعاش والسعادة دائما، فهو شخصية مرحة، وقد اعتزل كرة القدم مع نادي ماكلسفيلد تاون الإنجليزي وهو في الثلاثين من عمره، وعمل كمدير تقني لمنتخب غانا في نهائيات كأس العالم للسيدات 2007، قبل أن يتولى أول منصب تدريبي له في دوري الدرجة الرابعة بالسويد. ودائما ما تعلو الابتسامة وجه بوتر، لكن كانت هناك رسائل جادة في الكتاب الأزرق الذي كان يوجد على مكتبه في ذلك المساء، ويؤكد أن هذه الطريقة في التعامل قد لا تناسب لاعبا آخر.
يقول بوتر: «قد نكون نحن أسوأ عدو لأنفسنا، وكمدير فني يتعين عليك أن تساعد الناس على إدراك ذلك الأمر، وأن تعمل على زيادة وعيهم الذاتي، ثم تنتظر لترى ما إذا كانوا سيغيرون من أنفسهم أو يفعلون أي شيء حيال ذلك الأمر أم لا. هذا في الواقع شيء مجزٍ ومفيد للغاية بشأن هذه الوظيفة، لأنك في حقيقة الأمر تساعد الناس في حياتهم بطريقة ما. يعتقد الناس أن التدريب مهنة تتعلق بالفوز بمباريات كرة القدم - وهذا صحيح بالطبع - لكنني طوال حياتي المهنية أعمل على مساعدة الناس على أن يصبحوا أفضل وأكثر قدرة على التعامل مع الحياة وأن يكونوا أكثر نجاحاً في حياتهم، سواء داخل الملعب أو خارجه. وهذا أمر قوي جداً ويسمح لك في الواقع بأن تكون ثابتاً وقوياً في عملك».
وكلما تسمع بوتر وهو يتحدث تشعر أن هذا المدير الفني البالغ من العمر 44 عاما سيكون إضافة قوية للدوري الإنجليزي الممتاز. وعندما لعب سوانزي سيتي أمام مانشستر سيتي في كأس الاتحاد الإنجليزي الموسم الماضي، توجه بوتر بسؤال إلى لاعبيه في اجتماع ما قبل المباراة، قائلا: «ما هي الطريقة التي تريدون أن تموتوا بها؟» وكانت الإجابة عن هذا السؤال واضحة من جانب اللاعبين داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قدموا أداء رائعا في تلك المباراة.
إن إعطاء اللاعبين المسؤولية وإخراجهم من «منطقة الراحة»، إن جاز التعبير، هو أمر يشغل بوتر منذ فترة طويلة. وهناك الكثير من القصص عن «المشروعات الثقافية» التي كان يطلقها بوتر في نهاية الموسم في نادي أوسترسوند؛ حيث كان المدير الفني الإنجليزي ولاعبوه يقيمون عرضا أمام جماهيرهم، فكانوا يعزفون موسيقى الراب ويقيمون حفلات للباليه وأشياء من هذا القبيل فيما بينهم، ومن أغرب الأشياء التي كانوا يقيمونها هو عزف النشيد الوطني لإقليم لابلاند الفنلندي.
لكن بوتر لم ينظم مثل هذه العروض منذ توليه قيادة نادي برايتون خلفا لكريس هيوتن منذ ما يزيد على شهرين. لكن بوتر لديه اعتقاد راسخ بوجود قيمة حقيقية في تجربة المجهول، ويقول: «أعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها التحسن والتطور، في نهاية المطاف. عندما تظل مرتاحاً دائما، أعتقد أنك لست على الطريق الصحيح. أتذكر عندما كنت أقود أول حصصي التدريبية مع نادي ماكليسفيلد، عندما كنت لا أزال ألعب، وكنت أشعر برهبة شديدة. لقد كنت أشعر بعدم الارتياح وأنا أقف أمام الناس، وانتابني شعور بأنني أقوم بشيء غريب. لم أكن أشعر براحة طبيعية تجاه ما أقوم به، وكان نفس الأمر ينطبق على أقراني عندما يتولون مهمة التدريب للمرة الأولى، لكنك تشعر من داخلك بأنه عندما تريد أن تقوم بشيء ما وأن تتطور فإن هذا أمر طبيعي».
وقد تعاقد برايتون مع اللاعب البلجيكي ليوناردو تروسارد مقابل 18 مليون جنيه إسترليني، كأغلى صفقة في تاريخ النادي، وهو ما يزيل الضغوط من على كاهل اللاعب الإيراني علي رضا جهانبخش، الذي كان أغلى لاعب في تاريخ النادي حتى الموسم الماضي. ولم يقدم الجناح الإيراني، وكذلك يورغن لوكاديا وفلورين أندوني، المستوى المتوقع منهم مع النادي حتى الآن، لكن ما زال هناك مجال للتطور والتحسن خلال الفترة المقبلة.
يقول بوتر عن ذلك: «آمل أن يكون هناك الكثير من اللاعبين الذين لم يصلوا إلى قمة مستواهم بعد، لأن هذا يعني أنهم سيقدمون الأفضل في المستقبل. هذا هو دائماً الجزء المثير في هذا العمل، لذلك فنحن نتطلع إلى ذلك. لقد كان اللاعبون على قدر المسؤولية دائما ويعملون بكل قوة، والآن يتعين علينا أن نتأكد من قدرتنا على المنافسة وأن نستعد بشكل جيد».
وكما يقول بوتر، لقد مر عامان منذ أن تغلب أوسترسوند على غلطة سراي التركي للوصول إلى الدوري الأوروبي، ليصطدم الفريق بنادي آرسنال الإنجليزي. وقد أدت هذه المسيرة الاستثنائية لبوتر مع أوسترسوند إلى انتقاله إلى نادي سوانزي سيتي الصيف الماضي. وعلى الرغم من المشكلات المالية التي يعاني منها النادي، تمكن بوتر من تعزيز سمعته كمدير فني واعد، وساعد عددا من اللاعبين على التطور بشكل ملحوظ، مثل دانيال جيمس، الذي انضم إلى مانشستر يونايتد هذا الصيف، وأولي ماكبيرني.
يقول بوتر عن رحلته في عالم التدريب: «قبل أن أعمل في السويد، كنت مع فريق من جامعة ليدز متروبوليتان أشارك في جولة التصفيات المؤهلة لدوري الدرجة الثامنة في إنجلترا. هذا هو جمال الحياة – إنها تتغير وتتطور باستمرار، ويأمل المرء أن يتطور في مساره الوظيفي خطوة بخطوة. لم تكن الخطوات التي قطعتها كبيرة للغاية، وقد تمكنت خلال هذه الفترة من تطوير نفسي والأندية التي عملت بها».
وبعد 14 عاماً من العمل المتواصل للوصول إلى هنا، أصبح بوتر يمتلك سمعة كبيرة في عالم التدريب، ويُنظر إلى تعيينه من قبل دان أشورث، المدير التقني بالنادي، وتوني بلوم، مالك النادي، على أنه «انقلاب» في طريقة تفكير النادي، لكن لا يوجد شك في قدرة بوتر على القيام بعمل جيد. يقول بوتر: «في منصب مثل هذا، لا يمكنك استخدام الوقت كذريعة أو حجة. بالطبع نحن نريد أن نكون أفضل وأن نتحسن، وسوف نتمكن من تحقيق ذلك في نهاية المطاف. يمكنك أن تتحدث عن فلسفتك في التدريب وعن هوية الفريق، وغيرها من هذه الكلمات اللطيفة، لكن يتعين عليك أن تفكر في المدى القصير أيضاً. إننا في لعبة تعتمد بشكل أساسي على نتائج المباريات، وبالتالي يتعين علينا أن نحاول وأن نبذل قصارى جهدنا لتحقيق أفضل النتائج».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.