رحلة مثيرة لرودري جعلته اللاعب المثالي لغوارديولا

المؤشرات تؤكد أن اللاعب سيكون خليفة بوسكيتس في المنتخب الإسباني... وتحت قيادة مدرب سيتي

رودري يحتفل بفوز مانشستر سيتي بالدرع الخيرية
رودري يحتفل بفوز مانشستر سيتي بالدرع الخيرية
TT

رحلة مثيرة لرودري جعلته اللاعب المثالي لغوارديولا

رودري يحتفل بفوز مانشستر سيتي بالدرع الخيرية
رودري يحتفل بفوز مانشستر سيتي بالدرع الخيرية

ما إن يتألق لاعب جديد في عالم كرة القدم حتى يتم مقارنته بلاعب آخر برز في نفس مركزه، وهناك بعض اللاعبين الذين يرسمون الطريق لغيرهم ويكونون مصدر إلهام وقدوة لهم، وبالتالي تصبح المقارنات حتمية بين اللاعبين الجدد واللاعبين القدامى. لكن في حالة رودريغو هيرنانديز، الشهير برودري، الذي تعاقد معه مانشستر سيتي بقيادة جوسيب غوارديولا قادما من أتلتيكو مدريد خلال الصيف الجاري، فتم تشبيهه بالنجم الإسباني سيرغيو بوسكيتس، الذي كان غوارديولا أيضا هو أول من أشركه مع الفريق الأول لبرشلونة أمام نادي بانيولاس عندما كان عمره 19 عاما. وربما كان تعاقد مانشستر سيتي مع رودري أمرا حتميا، لأن بعض اللاعبين تناسبهم أندية بعينها، ويبدو أن المكان المناسب لرودري هو مانشستر سيتي تحت قيادة غوارديولا.
وفي بعض الأحيان، يبدو من المستحيل أن نذكر اسم رودري من دون أن نذكر بوسكيتس، ذلك اللاعب الذي يُتوقع أن يكون رودري خليفته في منتخب إسبانيا وتحت قيادة غوارديولا، بل ويشير البعض إلى أن رودري ربما يتفوق على بوسكيتس في أمور أخرى. ويعرف رودري جيدا أنه سيخلف بوسكيتس في هذا الدور، وحتى أنه لم يفعل ذلك الموسم الماضي، فقد حدث ذلك لأن اللاعب كان يعمل على تطوير بعض الأشياء الأخرى وتعلم بعض الدروس الجديدة. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي وراء رحيل رودري عن أتلتيكو مدريد، خاصة أنه يريد أن يلعب بطريقته الخاصة.
وهناك أيضا ألبرت سيلاديس، وهو مدير فني سابق أيضا لمنتخب إسبانيا تحت 21 عاما، وكان يلعب كمحور ارتكاز أيضا في نفس تلك الفترة، ونشأ في أكاديمية الناشئين ببرشلونة وتم تصعيده للفريق الأول للنادي الكتالوني عام 1995، وكان سيلاديس هو أول من منح رودري الفرصة للعب مع المنتخب تحت 21 عاما، ويقول عن ذلك: «بالنسبة لشخص بهذه البنية الجسدية، فهو سريع للغاية بقدميه، مما يجعله قادراً على تمرير الكرة عندما يكون تحت الضغط. إنه يفعل أشياء صعبة بكل بساطة. وكما هو الحال مع بوسكيتس، فإنه يمتلك الموهبة التي تجعله يتمركز داخل الملعب بشكل جيد للغاية، ويتنبأ جيدا بالمكان الذي ستنتقل إليه الكرة وبالتالي يتمركز في المكان المناسب للحصول على الكرة».
لكن رودري لم يلعب مطلقا في برشلونة، فقد بدأ مسيرته الكروية مع نادي أتلتيكو مدريد، لكن النادي استغنى عنه وهو في السابعة عشرة من عمره، بسبب ضعف بنيته الجسدية من جهة، وبسبب حدوث تغيير في الطاقم الفني لفريق الناشئين بالنادي. وفي ذلك الوقت، كان رودري قصير القامة، لكن بعد ذلك حدثت طفرة في نموه وازداد طولا بسرعة، ويصل طوله الآن إلى 1.91 مترا انتقل رودري إلى فياريال، حيث كان النادي يعتمد بصورة واضحة على الاستحواذ على الكرة والتمركز الصحيح داخل الملعب. وكان رودري يعيش في سكن للطلاب ويدرس التجارة والأعمال. وفي ذلك الوقت، كان النادي يضم اللاعب برونو سوريانو الذي كان يلعب كمحور ارتكاز وكان يتحكم في الكرة بشكل رائع ويتميز بالتمريرات الدقيقة والهدوء. ولُقب رودري في النادي بـ«برونو الصغير»، نسبة لهذا اللاعب الرائع.
ولد رودري في نفس اليوم الذي خسر فيه المنتخب الإسباني أمام إنجلترا في كأس الأمم الأوروبية عام 1996، وكان في طفولته معجبا للغاية بالفريق «المبدع» لبرشلونة تحت قيادة غوارديولا وبالمنتخب الإسباني، لكن مثله الأعلى كان النجم الفرنسي زين الدين زيدان. وقال رودري عن ذلك: «في عام 2008 كنت أشاهد ماركوس سينا وتشابي هيرنانديز وأندريس إنييستا وسانتي كازورلا: لقد كان هؤلاء اللاعبون هم من زرعوا عقلية الفوز في هذا الفريق، وهو الأسلوب الذي ساعد أيضا على فوز المنتخب الإسباني بكأس العالم وكأس الأمم الأوروبية مرة أخرى. لقد كنت أتابع بوسكيتس عن كثب. لقد كان بوسكيتس وغيره من اللاعبين بمثابة القدوة بالنسبة لي والنموذج الذي كنت أعرف أنه يتعين على أن أتبعه في اللعب».
وبالفعل، سار رودري على نفس الطريق، وكان لا يتوقف عن طرح الأسئلة من أجل التعلم وتطوير قدراته. يتذكر مدربه تحت 12 عاما، فران ألكوي، المناقشات الخططية والتكتيكية معه، قائلا: «هذا ليس طبيعياً بالنسبة للاعب في نفس سنه. لقد كان يركز بشكل شديد في النواحي الخططية؛ وكان من اللافت للنظر أنه يمكنك أن تخبره بالشيء مرة واحدة فقط ولا تكون بحاجة إلى توضيح الأمر مرة أخرى، لأنه يستوعب الأمور من أول مرة. وكان من السهل أن ترى أنه سيكون له مستقبل كبير. في الحقيقة، أنا لم أشاهد لاعبا مثله طوال مسيرتي التدريبية».
وقال رودري في تصريحات لصحيفة «إلباييس» الإسبانية: «عندما كنت طفلاً، كنت مهتماً بفهم كرة القدم أكثر من الاستمتاع بها. لقد كنت مهتما بمعرفة الطريقة التي تُلعب بها، وشاهدت الكثير من المباريات، وقد سئمت عائلتي من هذا الأمر. لقد حاولت أن أفهم الجوانب التكتيكية والخططية جيدا، لأنني أدرك أنه عندما تفهم كيف تسير المباراة فإن ذلك يمنحك ميزة إضافية، خاصة في سن مبكرة عندما لم يكن الكثير من اللاعبين يفهمون هذه الأمور جيدا».
ووصف رودري الدور الذي يقوم به لاعب محور الارتكاز بأنه يتعلق في المقام الأول بالتمركز داخل الملعب والمرونة الخططية والتمرير السليم لضرب خطوط الفريق المنافس. وفي موسم 2017 - 2018، كان إيفان راكيتيتش هو اللاعب الوحيد في الدوري الإسباني الممتاز الذي تفوق على رودري فيما يتعلق بعدد التمريرات الصحيحة، بفارق 25 تمريرة فقط. وجاء بوسكيتس في المركز الرابع، متخلفا عن رودري بـ198 تمريرة. وفي نهاية ذلك الموسم، عاد رودري إلى أتلتيكو مدريد. ووصلت قيمة انتقاله في ذلك الوقت إلى 25 مليون يورو فقط، وكان من الغريب ألا يتحرك برشلونة للتعاقد معه، لأنه كان اللاعب المثالي لقيادة خط وسط الفريق الكاتالوني في تلك المرحلة الانتقالية. وفي ربيع هذا العام، استفسر برشلونة عن إمكانية ضم اللاعب، لكن بعد فوات الأوان، فقد كان عقد اللاعب مع أتلتيكو مدريد يتضمن بندا يمنح اللاعب حق الرحيل إذا دفع 70 مليون يورو، وكان يعرف في ذلك الوقت أن مانشستر سيتي مهتما بالتعاقد معه.
ربما لم يكن أتلتيكو مدريد هو الوجهة الطبيعية لهذا اللاعب الذي لا تناسب قدراته اللعب مع هذا الفريق، لكن رودري كان لا يزال في الثانية والعشرين من عمره وكان يدرك أنه بحاجة للتطور، كما كان يدرك أنه يمتلك القوة البدنية التي تعوضه عن نقص الخبرة في ذلك الوقت. وعلاوة على ذلك، فإن اللعب تحت قيادة المدير الفني الأرجنتيني دييغو سيميوني قد أفاده كثيرا، خاصة أن سيميوني يتميز بالقدرة على مساعدة لاعبيه على تقديم أفضل ما لديهم والتطور بمرور الوقت.
وفي أتلتيكو مدريد، أثبت رودري أنه يمكنه الوصول إلى مستوى أعلى وأنه قادر على التأقلم والتكيف مع الوضع الجديد. وربما ساعدته كل هذه الأمور على التطور بحيث يصبح قادرا على اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز. وقد عبر رودري خلال الخريف الماضي عن إعجابه بفريق مانشستر سيتي، مشيرا إلى أن هناك «المزيد من اللاعبين الذين يلعبون بالطريقة الإسبانية ويقدمون أداء رائعا هناك». خلال الموسم الماضي، قدم رودري مع أتلتيكو مدريد أداء قويا ليؤكد على أنه يمتلك الفنيات والقدرات التي تؤهله للعب مع مانشستر سيتي إذا قرر الانضمام إليهم. وبالتالي، اتخذ قرارا بأن يدخل تحديا جديدا وأن يتطور في مكان آخر، وكان هذا المكان هو مانشستر سيتي تحت قيادة غوارديولا.
وقال رودري لصحيفة «الغارديان» فور انضمامه إلى أتلتيكو مدريد: «الانتقال إلى أتلتيكو مدريد سوف يساعدني كثيرا، وسوف يجعلني لاعبا متكاملا». وبالفعل، تعلم رودري الكثير في أتلتيكو مدريد، وكان يقدم مستويات رائعة لدرجة أن سيميوني تعرض لصافرات استهجان من قبل الجمهور عندما قرر استبداله في إحدى المباريات، وهو أمر لم يحدث من قبل في النادي. وبعدما كان رودري هو ثاني أفضل لاعب من حيث عدد التمريرات الصحيحة في الدوري الإسباني الممتاز في موسم 2017 - 2018، أصبح أفضل لاعب في الدوري من حيث استخلاص الكرات في موسم 2018 - 2019.
لقد شعر رودري بأنه يريد شيئا آخر، فقد كان يريد أن يلعب بالطريقة التي يستمتع بها دائما. وهكذا، أصبح رودري أفضل وأكثر تكاملا وخبرة، وحط الرحال في نهاية المطاف في المكان الذي يعتقد أنه سيساعده على التطور والوصول إلى مستوى أعلى خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.