مغيث: الكتابات الحديثة تحكم اختياراتنا للأعمال المترجمة

«القومي للترجمة» بمصر يخطط للخروج من «قبضة المركزية الأوروبية»

أنور مغيث
أنور مغيث
TT

مغيث: الكتابات الحديثة تحكم اختياراتنا للأعمال المترجمة

أنور مغيث
أنور مغيث

يؤدي «المركز القومي للترجمة» دوراً مهماً في الحياة الثقافية المصرية، عبر كثير من الترجمات المتنوعة إلى العربية، في شتى المعارف الإنسانية. مؤخراً، أعلن المركز عن استراتيجية جديدة للخروج من «قبضة المركزية الأوروبية»، والسعي للنقل والترجمة من العربية إلى لغات أخرى، والانفتاح أيضاً على ثقافات غير أوروبية، كالثقافة الصينية.
هذا حوار مع رئيسه دكتور أنور مغيث الذي ترجم عدداً من المؤلفات الفكرية الفرنسية إلى العربية، الحاصل على جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة، للتعرف على أبعاد هذه الاستراتيجية، وآرائه حول الترجمة والآليات التي تحدد طبيعتها وأولوياتها، من خلال تجربته الشخصية ورئاسته للمركز.
> أطلق «المركز القومي للترجمة» جائزة الترجمة الصينية، رغم أن بدايات الترجمة للصينية انطلقت في المركز منذ سنوات كثيرة... كيف ترى ذلك؟
- هو نموذج جديد للتعاون الثقافي مع الصين، ويهم المركز القومي للترجمة القيام بترجمات تحت مبدأ الخروج من المركزية الأوروبية، والصين من أهم الحضارات، ورغم ذلك وجدنا أن الترجمة من الصينية إلى العربية والعكس قليل للغاية، لذا أطلقنا المسابقة لتشجيع الشباب على خوض تجربة الترجمة. الصين من جانبها بدأت تخرج من الانطواء والاكتفاء الذاتي، بل تود الخروج للعالم والانفتاح عليه، وتقديم نفسها كقوة راسخة عالمياً، تأكيداً على دور القوة الناعمة والإصلاح الثقافي. فجاءت المسابقة نموذجاً لتحقيق هذه المصلحة المشتركة. وهنا، تلتقي مصلحة الطرفين المشتركة؛ سوف يقومون بدفع مكافآت المترجمين الفائزين، ونحن نتحمل مكافآت الفاحصين للأعمال المشاركة، وسيتم طبع الكتاب الأول الفائز.
> ماذا عن الترجمات من القارة السمراء؟ لقد نشر المركز عدة ترجمات من قبل.
- بالفعل، صلتنا بأفريقيا صلة وطيدة جداً، جغرافياً وتاريخياً، ويفرضها علينا التاريخ السياسي والاجتماعي، وتحديداً منذ عصر الحركات التحررية. أفريقيا عمق لمصر فيما يتعلق بالفعالية الاقتصادية، ورغم ذلك فإن الوعي محدود بتاريخها وثقافاتها والفنون والآداب واللغات التي يتم استخدامها، وبالتالي نحرص على تقوية الاهتمام بالقارة السمراء. لقد ترجمنا 70 كتاباً عن أفريقيا في المجالات كافة، ولدينا تحت الطبع 30 كتاباً.
> ما معايير المركز في اختيار الأعمال المترجمة؟
- تكون الأولوية دائماً للكتابات الحديثة، لمتابعة ما يجري في العالم. وعندما يكون هناك كتاب كلاسيكي مهم ما يزال حاضراً في ذاكرة الناس، فنحن نعيد ترجمته أو إصداره، مثل «الإلياذة» التي قدمنا لها ترجمتين: أول ترجمة لبطرس البستاني، بالشعر العمودي المسجوع الموزون، وترجمة جديدة تمت بفريق يرأسه د. أحمد عتمان، وهي من الأعمال التي تنفد طباعتها رغم ارتفاع ثمنها. وأعمال كبار الأدباء الكلاسيكيين، مثل جوته وديكنز وشكسبير، لا نعيد ترجمتها لكن نعيد إصدارها.
> هل تؤدي العوامل السياسية دوراً في اختيارات اللغات والثقافات التي تترجم للعربية؟
- القاعدة الأساسية أن هناك ثقافة منتجة وثقافة مستقبلة، وتقوم الثقافات المستقبلة بانتقاء ما يترجم، مثلا هناك 200 كتاب ألماني جديد، لكن تترجم الثقافة المستقبلة منها حسب حاجتها ورؤيتها واستقبالها للتقاليد والعادات، لكن الدول المنتجة لا تترك التراجم على هوى الدول المستقبلة لأنها تهتم بانتشار كتب معينة، كعنوان لفكرها وثقافتها وفلسفتها في الحياة. ويتم ذلك عن طريق تقديم الدعم المادي لتكاليف الترجمة، وتعد فرنسا من أكثر الدول التي تهتم بنشر ثقافتها وفكرها. ونتمنى أن يكون هناك دعم من الدولة للترجمة العكسية لنشر الثقافة والفكر المصري.
> حصلت مؤخراً على جائزة منظمة الأليكسو للترجمة، ابن خلدون - سنغور للترجمة، حدثنا عن اهتمامك بترجمة الفلسفة الفرنسية.
لم أخطط في حياتي كي أكون مترجماً، بل طرأت تحديات في حياتي العملية ساقتني لمجال الترجمة. في بداية حياتي، أردت أن أحصل على الدكتوراه في فرنسا، وأسلك المسار الأكاديمي، متأثراً بكتابات الحكيم وطه حسين عن باريس والثقافة الفرنسية. وبالفعل، كانت درجة الدكتوراه في الفلسفة من فرنسا، ووجدت نفسي إلى جانب التدريس مضطراً لتخصيص الوقت للترجمة، نزولاً على رغبة تلاميذي بالجامعة وزملائي، وطالبني د. جابر عصفور بترجمة كثير من كتب الفلسفة والعلوم الإنسانية، علم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد وغيرها، ثم نتيجة لذلك عرض عليّ تولي إدارة المركز القومي للترجمة، بعد أن تعاملت مع المركز لسنوات كمترجم.
وجاءت بعد سنوات جائزة ابن خلدون - سنغور عن خدمة الثقافتين العربية والفرنسية، وعن مجمل ترجماتي، وتأسيس المعهد الفرنسي لإعداد المعلمين باللغة الفرنسية مع جامعة حلوان. ما يهمني هو إتاحة فرصة أفضل للأجيال الجديدة للتعامل مع العالم، ومواكبة التطور العالمي.
> في عصر التحولات التكنولوجية المتسارعة، نلمس تراجعاً للفكر الفلسفي والكتب التي تتناول تنظيرات تفسر ما نمر به، هل يمكن أن تتخلى الإنسانية عن الفلسفة؟
- لا أرى تراجعاً، بل اختفت المذاهب مثل: الوجودية والبراغماتية والماركسية. العالم في أمس الحاجة للفلسفة بسبب ظهور مشكلات أخلاقية وفكرية كبرى يتعرض لها الآن بسبب التقدم العلمي، وتحديداً في مجال الهندسة الوراثية والتطبيقية، لا يوجد حل لها في العلوم، بل نحتكم فيها إلى الأخلاق والفلسفة. لا نحتاج لمذهب كبير مثل الماضي، بل نحتاج لأوراق فلسفية تطرح المشكلات والأسئلة حولها.
> هل تمثل الفلسفة الخلاص الإنساني من مثالب التكنولوجيا؟
- البشر عايشوا كثيراً من الإنجازات، بداية من الدراجة إلى السيارة إلى الصاروخ، وكانت مصدر سعادة ورفاه للإنسان، الآن باتت الاختراعات والتكنولوجيا تثير قلق البشرية، خصوصاً فيما يتعلق بمصيرها ومستقبلها. لم تعد التكنولوجيا تثير الإعجاب والزهو، وعرفنا الآن أنه ليس كل مشكلة لها حل تكنولوجي، بل لا بد من حل أخلاقي لمشاكل الإنسان، عبر الحكمة أو الفلسفة. الإسراف في الاعتماد على التكنيك ينهك الإنسان، في حين أن البساطة والعودة للطبيعة أفضل من حيث نوعية الحياة، وهناك اتجاه إلى البساطة العمدية، سنجد أن كبار العلماء يتجه للعيش بعيداً عن المدن.
> ترجمت عدداً من الأعمال الفلسفية الفرنسية، لـتورين ودريدا وبورديو، رغم صعوبة لغتهم، لماذا يعد فكرهم حداثياً سابقاً لعصره، وأصبحت كتبهم مرجعاً لحل معضلات حياتية معاصرة؟
- هم نجوم في مجال الفكر الفلسفي، وكان كثيرون يعتقدون أنهم موضة فكرية، وأن أسماءهم ستتردد لفترة معينة وتختفي، لكن ثبت العكس. يجب أن نعلم أن معايير الحكم على فيلسوف نحتكم فيها لمؤشر كمي موضوعي، ألا وهو عدد اللغات التي ترجمت إليها مؤلفاته، جيل دولوز ترجم إلى 45 لغة أجنبية، ودريدا إلى 50 لغة أجنبية، وكذلك بوروديو 55 لغة، معنى ذلك أن فكرهم الحداثي ونظرياتهم مهمة لتفسير الواقع في كثير من المجتمعات ذات الثقافات المغايرة، أي أن فكرهم إنساني بالدرجة الأولى. ليس معناها أنهم يقولون الحقيقة لأنها صفة نطلقها على الإجابات، وليس الأسئلة... برأيي، لأنهم فلاسفة طرحوا الأسئلة الصحيحة، حتى لو لم يقدموا لنا الإجابات الصحيحة؛ نبحث عمن يطرحون الأسئلة أكثر ممن يقدمون الإجابات.
> هل تعتبر الترجمة كتابة جديدة؟
الترجمة ليست إعادة إنتاج. الكتاب المترجم أثار تساؤلات كثير من الفلاسفة، فهو ليس نسخة طبق الأصل، لأنها تدخل عالما لغوياً جديداً، بألفاظ ودلالات جديدة، وليس الحديث بلسان المؤلف، بل الحديث بلسان المترجم ولغته وثقافته، لذا يعتبرها دريدا «حياة جديدة للنص». فالنص الأصلي يخرج بلغته وثقافته، ويؤثر في القراء ويتفاعل معهم، وحينما يتحول للعربية، مثلاً، سيؤثر تأثيراً مختلفاً عن تأثيره في الثقافة الأصلية.
> ماذا عن أحدث مشروعات المركز القومي للترجمة المقبلة؟
نتوسع في ترجمات إلى لغات جديدة، بخاصة الترجمة من العربية للغات الأخرى، مع التركيز على تطوير التدريب على الترجمة التخصصية، بدلاً من أسابيع قليلة، ليحصل الشخص على دبلوم في الترجمة يستغرق الدراسة لمدة عام، مع شهادة معتمدة من إحدى الجامعات المصرية.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.