نيكولاس بيبي... اللعب في آرسنال ليس مزاحاً بل وظيفة

والده طالبه بتحمل مسؤولية أكبر والتعامل بجدية مع الأمر بعد ضمه لـ«المدفعجية» في صفقة قياسية

أحرز بيبي 22 هدفاً لحساب ليل الفرنسي الموسم الماضي فجذب أنظار الأندية الكبرى  -  بيبي ومستوى متواضع في كأس الأمم الأفريقية (أ.ف.ب)
أحرز بيبي 22 هدفاً لحساب ليل الفرنسي الموسم الماضي فجذب أنظار الأندية الكبرى - بيبي ومستوى متواضع في كأس الأمم الأفريقية (أ.ف.ب)
TT

نيكولاس بيبي... اللعب في آرسنال ليس مزاحاً بل وظيفة

أحرز بيبي 22 هدفاً لحساب ليل الفرنسي الموسم الماضي فجذب أنظار الأندية الكبرى  -  بيبي ومستوى متواضع في كأس الأمم الأفريقية (أ.ف.ب)
أحرز بيبي 22 هدفاً لحساب ليل الفرنسي الموسم الماضي فجذب أنظار الأندية الكبرى - بيبي ومستوى متواضع في كأس الأمم الأفريقية (أ.ف.ب)

قال اللاعب الإيفواري نيكولاس بيبي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي: «لم أكن أتخيل ذلك على الإطلاق. لكن الأمور تسير في كرة القدم الحديثة بسرعة شديدة في الوقت الحالي. لم أكن أتخيل أنه يمكنني أن أنتقل من نادٍ إلى آخر مقابل 10 ملايين جنيه إسترليني، ولم أكن أتخيل حتى أنني سأكون لاعباً محترفاً!».
وُلد بيبي في منطقة مانت لا جولي الجذابة، على بعد 18 ميلاً إلى الغرب من العاصمة الفرنسية باريس، لكنه نشأ في الشوارع المتواضعة للدائرة رقم 19 في باريس، التي كانت أيضاً مسقط رأس النجم الفرنسي كيليان مبابي. لكن على عكس مبابي، الذي يعد اللاعب الوحيد الأكثر تسجيلاً للأهداف من بيبي في الدوري الفرنسي الممتاز الموسم الماضي، لم يكن من المتوقع أن يصبح بيبي نجماً لامعاً في عالم كرة القدم.
وحتى والده كان لديه كثير من الشكوك عندما أعلن نيكولاس - الذي انضم إلى آرسنال الإنجليزي في صفقة قياسية في تاريخ النادي ليصبح أغلى لاعب أفريقي في التاريخ - وهو في السادسة من عمره أنه يعتزم العمل من أجل تحقيق حلمه في عالم كرة القدم.
وقال سيليستين بيبي في مقابلة صحافية العام الماضي: «لقد كان واثقاً للغاية من نفسه، لكنني لم أستطع أن أقول أي شيء. لقد فوجئ معلمه برغبته في لعب كرة القدم، لكنه كان مُصراً على ذلك وكان يريد فقط أن يصل إلى هدفه». وكان والد بيبي يلعب كرة القدم وهو صغير في كوت ديفوار، كما عمل مدرباً للشباب ولعب مع فريق «بواتييه» (المحاربين القدماء) عندما كان يعمل حارس سجن، وهو ما كان يعني أنه يتعين على الأسرة الانتقال أكثر من 200 ميل من باريس إلى المدينة التي يقيم بها عندما كان ابنه في الرابعة عشرة من عمره. ورغم أن بيبي يمتاز بالسرعة الفائقة والمهارة الشديدة بقدمه اليسرى، فقد بدأ مسيرته الكروية حارس مرمى مع نادي «إف سي باريس سوليترز إيست» للهواة، قبل أن يغير مركزه داخل الملعب.
وحتى مع ذلك، لم تبرز موهبة بيبي في هذه السن، قبل أن ينتقل وهو في الثامنة عشرة من عمره لنادي أنجيه الفرنسي بعد توصية للمدير الفني للنادي، ستيفان مولان، من المدير الرياضي لنادي بواتييه، فيليب لوكليرك، في عام 2013. وبمجرد وصوله إلى هناك، كان بيبي على وشك الطرد بعد حادثة وقعت في أحد المتاجر الكبرى اتهم فيها بيبي وعدد من زملائه بتناول الشوكولاته دون دفع ثمنها. ولم ينقذ بيبي سوى المدير الفني لفريق الشباب بالنادي.
وقال بيبي في تصريحات صحافية: «لقد أعطانا هو ورئيس النادي فرصة ثانية، وأظهرا أنهما يهتمان بنا حقاً».
وبعد ظهوره لأول مرة مع نادي أنجيه في دوري الدرجة الثانية بفرنسا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، لعب بيبي مع نادي أوليانز في دوري الدرجة الثالثة على سبيل الإعارة ونجح في قيادة النادي للصعود لدوري الدرجة الثانية، وحصل بيبي على لقب أفضل لاعب في دوري الدرجة الثالثة. ويقول عن ذلك: «في البداية لم يكن هذا الأمر يروق لي، لكنني تمكنت من تغيير ذلك الوضع. لقد ساعدني ذلك على تعزيز قوتي الذهنية وأن أكون قادراً على فرض نفسي في الدوري الفرنسي الممتاز».
وفي غضون 12 شهراً فقط، كان بيبي يلعب في المباراة النهائية لكأس فرنسا أمام باريس سان جيرمان، بعدما سجل 3 أهداف في أول موسم له في الدوري الفرنسي الممتاز. وبفضل أدائه القوي في ذلك الموسم، انهالت عليه العروض، بما في ذلك عرضان من واتفورد وهال سيتي للتعاقد معه مقابل 7 ملايين جنيه إسترليني في يناير (كانون الثاني) 2017. وفي ذلك الصيف، نجح نادي ليل الفرنسي، بقيادة مارسيلو بيلسا، في الحصول على خدماته مقابل 9 ملايين جنيه إسترليني. ولعب بيبي أقل من نصف موسم تحت قيادة بيلسا، قبل أن يدخل المدير الفني الحالي لنادي ليدز يونايتد، في خلافات مع مجلس إدارة النادي ويرحل عن الفريق ويحل محله كريستوف غالتير. وتجنب ليل الهبوط لدوري الدرجة الأولى في ذلك الموسم بصعوبة بفضل الـ13 هدفاً التي أحرزها بيبي.
ومع ذلك، كان الموسم الماضي هو الأبرز بالنسبة لبيبي، الذي نجح في قيادة ليل لاحتلال المركز الثاني في جدول ترتيب الدوري الفرنسي الممتاز خلف باريس سان جيرمان. ولعب بيبي دور البطولة في انتصار ليل على النادي الباريسي بقيادة توماس توخيل بـ5 أهداف مقابل هدف وحيد في أبريل (نيسان) الماضي.
وقدم بيبي مستويات رائعة الموسم الماضي، وأحرز 22 هدفاً، وهو ما جذب أنظار كثير من الأندية الكبرى لهذا اللاعب الذي لم يكن على رادار معظم هذه الأندية حتى وقت قريب نظراً لخلفيته المتواضعة، حتى مع وجود تقارير تشير إلى أن المدير الفني الألماني يورغن كلوب كان معجباً بقدرات هذا اللاعب منذ فترة طويلة.
وفي ظل الصعوبات المالية الشديدة التي يعاني منها ليل بقيادة مالكه جيرار لوبيز، كان بيع بيبي يعد أمراً شبه حتمي هذا الصيف، حتى بعد فشل مفاوضات انتقال اللاعب إلى برشلونة وباريس سان جيرمان. وكان نادي نابولي الإيطالي مهتماً أيضاً بالتعاقد مع بيبي، لكن آرسنال تدخل بقوة بعدما حصل على تطمينات من لوبيز بأن 80 مليون جنيه إسترليني ستكون كافية للحصول على خدمات اللاعب خلال المواسم الخمسة المقبلة، وهو ما كان من شأنه أن يجعل التعاقد مع بيبي - الذي يُتوقع أن يحصل على راتب أسبوعي يصل إلى 90 ألف جنيه إسترليني - أرخص من مواطنه ونجم كريستال بالاس؛ ويلفريد زاها.
ورغم أن بيبي وزاها لم يرتقيا إلى مستوى التوقعات مع منتخب كوت ديفوار في نهائيات كأس الأمم الأفريقية في مصر، حيث ودع منتخب الأفيال البطولة من الدور ربع النهائي بعد الخسارة بركلات الترجيح أمام الجزائر، فقد قدم بيبي لمحة فنية رائعة خلال مباراة منتخب بلاده أمام جنوب أفريقيا في الجولة الافتتاحية لدور المجموعات بالبطولة.
ويأمل جمهور آرسنال أن يشكل بيبي خط هجوم قوي للمدفعجية إلى جانب كل من ألكسندر لاكازيت وبيير إيميريك أوباميانغ، رغم أنه لا يزال يتعين علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كان بإمكانهم اللعب بشكل جيد مع اللاعب الألماني مسعود أوزيل أم لا. وقال والد بيبي: «نجلي لديه كثير من الصفات الجيدة، لكن ما زال يتعين عليه القيام بمزيد من العمل. يتعين عليه أن يقدم مستويات ثابتة في هذه اللعبة، وأن يتعامل مع الأمور بجدية أكبر.
يتعين عليه أن يعرف أن هذا ليس مزاحاً، وأن هذه هي وظيفته». ويشتاق جمهور آرسنال للنجاح بعد المواسم الصعبة للفريق في الآونة الأخيرة، ويأمل أن يرتقي أغلى لاعب في تاريخ النادي لتوقعاتهم وأن يقود الفريق لمنصات التتويج.


مقالات ذات صلة

حسام حسن: كرة القدم ليست مجرد لعبة بمصر

رياضة عربية حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر (أ.ب)

حسام حسن: كرة القدم ليست مجرد لعبة بمصر

أكد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، سعادته بتمثيل الفراعنة في نهائيات كأس العالم 1990 لاعباً، مشيراً إلى أنه كان جزءاً من جيل صنع تاريخاً للكرة المصرية.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)
رياضة عالمية تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأنه تم توجيه اللاعبين للبقاء داخل المباني (أ.ب)

تحذير بوجود إعصار يُجبر لاعبي إنجلترا على الاحتماء داخل المباني

دوت صفارات الإنذار في مدينة كانساس سيتي التي يقيم بها المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم لكرة القدم للتحذير من وقوع إعصار.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الانتقادات تلاحق مبابي قبل أولى مباريات فرنسا في المونديال

يستعد كيليان مبابي لخوض أولى مباريات فرنسا في كأس العالم لكرة القدم أمام السنغال يوم الثلاثاء في ظل تساؤلات تحوم حوله بعد موسم وضع أهم نجم في اللعبة بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.